الاثنين، 7 مارس 2016

كلمة الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيّة العراقيّة في احتفالية يوم المرأة العالميّ التي أقامتها لجنة المرأة العراقية بوزارة الخارجيّة

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..
قال الله -تبارك وتعالى- في مُحكـَم كتابه العزيز:
)يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(
[الحجرات : 13]
في مثل هذا اليوم وقبل مائة وعشر سنوات، وتحديداً عام 1907 و1908 انبثقت فكرة يوم المرأة، ولم تـُقِرَّه الأمم المتحدة في حينها إلا بعد 70 سنة، أو 77 سنة أقرَّت الأمم المتحدة عيد المرأة.
وما بين انطلاقة المرأة في مطلع القرن العشرين إلى أن أقرَّتها الأمم المتحدة عام 1977 بقيَتْ المرأة على طول هذه العُقود السبعة تـُعاني، وتـُكابـِد في أكثر من منطقة من مناطق العالم، وبعد أن أُقِرَّ هذا العيد عام 1977 وحتى الآن مازالت مُقيَّدة بأصفاد، وأغلال بعض العادات والتقاليد، والاضطهاد المُتنوِّع في كلِّ قارّات العالم. فلا تـُوجَد قارّة من قارّات العالم إلا وتـُعانِي فيها المرأة أشدَّ المُعاناة من خلال حياتها الزوجيَّة، أم من خلال كونها أمّاً، أم من خلال كونها مُوظفة، أم عاملة، إلا أنـَّها لم تتوقـَّف.
ماذا ستقول الأمم المُتحِدة، وهل تهبها هذا العيد، أم لا؟
المُطـَّلع على مسرح القرن العشرين يجد باقة كبيرة من النساء اندفعن على مسرح هذا القرن، وقدَّمن مُختلِف أنواع التضحيات، وكانت الشهيدة العلويّة بنت الهدى في أوَّل العقد التاسع من القرن العشرين، وكانت الشهيدة هاشمية سدخان في البصرة التي قـُتِل ابنها أمامها من أجل أن ينتزعوا منها الاعتراف، وأبت إلا أن تصمد، كما تحرَّكت مجموعة كبيرة من النساء، ومنهنَّ: عقيلة الهاشميّ التي كانت ضحيَّة الإرهاب، وهي إحدى ثمرات وزارة الخارجيّة العراقيّة تقدَّمت ضحيَّة، وكانت عضوة في مجلس الحكم في عام 2003-2004، وليس فقط في العراق، وإنـَّما في المسارح الإقليميَّة، والدولـيَّة عُمُوماً. كانت جميلة بوحيرد سجينة جزائريَّة في شمال أفريقيا، وبرناديت دفلين في بريطانيا قدَّمت موقفاً مُشرِّفاً من خلال وُجُودها في البرلمان.
على الرغم من كلِّ الحواجز التي فـُرِضَت في طريق المرأة إلا أنـَّها استطاعت أن تتحرَّك في أكثر من دولة، وخاضت أكثر من مضمار، واستطاعت أن تفرض نفسها في هذا البلد، أو ذلك؛ لذا يحسن بي أن أتذكـَّر النساء اللاتي أنجزن، واستطعن أن يقتحمن ميادين الحياة المُختلِفة؛ حتى لا يتصوَّر أحد أنَّ الفنَّ، والطبَّ، والرياضة، والعلم، والأدب، والشعر ذكوريّ في الطبع، وإنـَّما هو مفتوح لكلِّ أصحاب المواهب بما فيهم النساء، فتذكرني وأنا أتحدَّث عن هذا المفهوم السيِّدة هيلين كيلر، وكانت في السنة الثالثة من عمرها وفقدت بصرها وسمعها، لكنـَّها استطاعت أن تتحوَّل إلى أكبر خطيبة عرفها العالم، وتتحرَّك من مُنتدى إلى آخر، وحصلت على شهادة الدكتوراه، وتصدح بصوتها، وما أعاقها هذا الشيء. فمثلما يمتلك الرجل المواهب تمتلك المرأة المواهب المُتعدِّدة؛ لذا يجب أن نـُقِرَّ أنَّ المرأة ككائن إنسانيٍّ في كلِّ بلدان العالم، وفي كلِّ مراحل التاريخ تختزن طاقات مُتعدِّدة تستطيع أن تـُفجِّرها في الحقول الاختصاصيَّة المُختلِفة، فتصل في مجالات الأروقة السياسيَّة، والفنيّة، والرياضيّة، والتجاريّة، وفي كلِّ شيء ليس فقط في هذه المقاطع المُتأخـِّرة، وإنـَّما حتى في المقاطع السابقة في التاريخ، والمُتأخـِّرة في التاريخ؛ إذن ليس من الصحيح أن تستسلم المرأة لبعض العوائق، وما أكثر العوائق العُرفيَّة، والقبليَّة، والعشائريَّة!
آخر امرأة أذكرها هي مدام ستو 1853 المرأة الأميركيَّة السوداء التي كتبت قصة (كوخ العم توم)، وهزَّت أميركا من أقصاها إلى أقصاها، واستطاعت أن تـُساهِم في إخماد الحرب الأهليَّة التي اندلعت، وأكلت نيرانها 600 ألف مُواطِن أميركيّ استطاعت أن تـُساهِم في إخماد الحرب، وإن كانت الرواية كـُتِبت قبل الحرب، لكنها انتشرت كالنار في الهشيم، وأخمدت تلك الحرب الشعواء.
ما الخيارات الآن أمام المرأة للنهوض، والارتقاء من الواقع التي هي فيه إلى الواقع الطموح الذي تتمنـَّى أن تصل إليه. هل هو خيار الثورة، أم خيار الحرب، أم خيار المأسسة، والولوج في المُؤسَّسات؟
صحيح أنَّ هناك اختلافات تكوينيَّة بين ما تختزنه المرأة وما يختزنه الرجل، والأقرب إلى طبيعتها هو خوض غمار العمل المُؤسَّسيّ، والمُساهَمة في بناء المُؤسَّسات بأنواعها، وعندما اقتحمت ميدان المُؤسَّسات استطاعت أن تبرع، فدخلت في مجال الطبِّ، والهندسة، ومجالات الدوائر، وكثير من القضايا دخلت فيها، واستطاعت أن تنهض بهذه المَهمَّة كأحسن ما تكون، ويجب في هذا المجال أن نـُعيد النظر مرّة أخرى في تعريف البيت.
مَهمَّة البيت رُبَّما تكون هذه النقطة حسَّاسة أنه شاء البعض في هذه الأيّام أن ينظر إلى البيت وكأنه الركن المُهمَل، والمرأة التي لا تجد جامعة تتلقفها على مُستوى الإعداد، أو دائرة تستفيد منها على مُستوى الإنتاج ليس لها إلا البيت، وكأنَّ البيت علامة الفشل.
ليس الأمر كذلك.
إذا عرَّفنا المُؤسَّسة بشكل علميٍّ، ومنهجيٍّ فإنَّ البيت أهمُّ مُؤسَّسات الدولة؛ لأنَّ الطبيب الناجح، والمهندس الناجح، والضابط الوفيَّ، والفنان الناجح كلهم ينطلقون من ميدان البيت، وكلهم من صناعة المرأة؛ لأنَّ الأم هي التي تلتقي ابنها، وبنتها في السنوات السبع الأولى، وتترك آثارها، وبصماتها على شخصيتهما؛ لذا لابُدَّ من السعي الجادِّ، والحقيقيِّ لمأسسة البيت، بل اعتباره أمَّ المُؤسَّسات. لا نستطيع أن نستغني عن البيت؛ فهو الثابت المُؤسَّسيُّ، ويستحيل على المُجتمَع إذا أراد أن يُنتج مُواطِناً صالحاً من دون وُجُود المرأة في البيت تتكفل النهوض بمسؤوليّة البيت، لكنَّ ذلك لا يعني أن يتحوَّل البيت إلى سجن  لعواطفها، وأفكارها، ونشاطاتها؛ لذا نجد الكثير من النساء الناجحات اليوم يجمعن بين أكثر من انتماء مُؤسَّسيّ.
الثابت المُؤسَّسيُّ هو البيت، والمُتغيِّر المُؤسَّسيُّ مرّة يكون سياسة، ومرّة إعلام، وأخرى فن، وهندسة، وطب، وعمل تربويّ.. كلُّ المُؤسَّسات مفتوحة، إلا أنَّ المُؤسَّسة الوحيدة التي لا تستقيم، ولا يُمكِن أن تقوم لها قائمة إلا بوجود المرأة هي مُؤسَّسة البيت.
جرَّب الاتحاد السوفيتيّ كما ينقل غرباتشوف أن يُخرجوا المرأة من البيت بالمطلق، فكانت النتيجة أنَّ الإنتاج لم يرتقِ، وحسبما يقول في كتاب (الإصلاح والبناء): نحن أخرجنا المرأة من البيت من عام 1917 إلى 1985 ماذا كانت النتيجة؟ لم يرتفع حجم الإنتاج.
وعندما نـُحلـِّل الأزمات النفسيَّة التي انتابت الشباب والشابات نجد أنَّ العامل الأساسيَّ الذي وراءه هو ترك المرأة للبيت.
مُؤسَّسات الدولة تختلف من واحدة إلى أخرى. تـُوجَد مُؤسَّسة يتقدَّم فيها الرجل على المرأة، ولا أقول يُصفـِّر وجود المرأة، بل يتقدَّم الرجل فيها على المرأة كالمُؤسَّسات العسكريَّة بصورة خاصّة، والأعمال البدنيّة الشاقة قد تكون أقرب إلى طبيعة الرجل منه إلى المرأة، وهناك مُؤسَّسات تتقدَّم فيها المرأة على الرجل كالسكرتاريات، والفنون، ورياض الأطفال, مجالات التربية والتعليم، وقد أثبتت المرأة كفاءة عالية في هذه الحقول، وهناك مُؤسَّسات أخرى كالزراعة، والصناعة، والتجارة تتساوى فيها المرأة مع الرجل.
يجب أن تـُفتـَح أبواب المُؤسَّسات جميعاً للمرأة، ويُترَك لها الخيار في أن تأخذ دورها في بناء المُؤسَّسة.
نظرة سريعة على المرأة الدبلوماسيّة العراقيّة.. الدبلوماسيّة بصورة عامّة، والعراقيّة بصورة خاصّة نافذة الدولة على العالم باتجاهين من خلال نافذة الدبلوماسيّة ينظر العراق إلى العالم، وينظر العالم إلى العراق، وفي الوقت نفسه تـُطِلُّ الدولة بوزاراتها المُتعدِّدة من خلال نافذة الدبلوماسيّة.
الدبلوماسيَّة العراقيّة فيها مركز في بغداد، وهو لكلِّ موظفيها وموظفاتها، وهنالك البعثات الدبلوماسيَّة المبثوثة في عواصم العالم. أين تقع المرأة من هذه المُؤسَّسة؟
هذه ليست من ذات الأشغال الشاقة، والثقيلة، وتحتاج قدراً عالياً من الدبلوماسيَّة، بل تحتاج هدوءاً، ودماثة أخلاق، ومُرُونة، وابتعاداً عن كلِّ أنواع الفساد؛ ومن ثم تستطيع أن تبرع في مجال الدبلوماسيّة إذا ما توافرت على المُقوِّمات الوطنيّة الثقافيّة.
السلك الدبلوماسيّ الصحيح هو التشبُّع بالثقافة الصحيحة، والقدرة على التكيُّف؛ لأنه كما تعلمون لا يستطيع الإنسان أن يتحكم بظرفه دائماً؛ لأنه دائم التنقـُّل من مكان إلى آخر، ومع ذلك نعتقد أنَّ أمام المرأة فرصة لأن تشغل حيِّزاً مُمتازاً، وتثبت كفاءتها، وجدارتها في الحقل الدبلوماسيِّ، ولاسيَّما أنَّ الدبلوماسيّة العراقيّة لاتزال بكراً، ويُوجَد عندنا نقص كبير جدّاً في عدد النساء الدبلوماسيّات، لكنَّ هذا لا يعني أن نجعل الوزارة ذات طابع أنثويّ، أو طابع ذكوريّ، بل هي مفتوحة أمام الكفاءات، وشهاداتهم، وقدراتهم المُتنوِّعة.
المرأة الكفوءة في مجال التعاطي الدبلوماسيِّ ستجد أنَّ هذا الحقل مفتوح، وأنها تستطيع أن تثبت ذاتها، ومن خلالها تثبت ذات العراق.
هنا نأتي إلى المحور الأخير. ما بين شعار المرأة، وما بين حقوق المرأة.
الشعار طـُرِح منذ زمن بعيد. رُبَّما تكون لائحة مسلة حمورابي عام 1792 إلى 1752 قبل ميلاد السيِّد المسيح -عليه السلام- مضى تقريباً 3700 سنة إذ طرحت حقوق الإنسان، ومنها حقوق المرأة على الأرض، ولا يُوجَد شيء اسمه (حقوق المرأة)، بل مُجرَّد كلام، وحتى حقوق الإنسان المُتأخـِّرة في القرن العشرين من 1907 أو 1908 إلى الآن مضى 110 سنوات لا يُوجَد فيها شيء اسمه حقوق المرأة، وفي أيِّ دولة تـُوجَد حقوق المرأة لا تـُوجَد حقوق مرأة.. أن تكون امرأة وزيرة، أو امرأتين وزيرتين، أو ثلاثاً في أميركا، أو السويد، أو في العراق في الحكومة الثانية التي شكـَّلناها عام 2005 أتيتُ بخمس من السيِّدات، وشغلن مناصب وزيرات، لكنَّ  هذا لا يعني أنَّ المرأة أخذت حقها كاملاً.
يجب أن تتحوَّل هذه الشعارات إلى أفكار تختمر في عمق الأسرة، وفي عمق المواطنة؛ حتى تتمخَّض عن ولادات جديدة تكون المرأة شريكة حقيقيَّة مع الرجل، مع حفاظها على الآداب العامَّة في النظام، وأن تكون مُفاعِلاً حقيقيّاً، وإيجابيّاً، وليس كما تـُصوِّرها لنا بعض قنوات الإعلام.
المرأة التي تبني عقلاً يُفكـِّر، وإرادة تتحرَّك، وسُلـُوكاً يُجسِّد تجعلها تنتقل من أحاديّة الجمال إلى مُتعدِّدة الجمال. لا نـُنكِر جمال البدن والشكل، ولكن لا يصحُّ أن نختزل المرأة بجمال الشكل، والبدن؛ لأنَّ الزمن كفيل أن يُزيله.
إذا احتبس الجمال بجمال الوجه، فهذا يعني أنَّ مُحتوياتها الفكريَّة، والنفسيَّة، والإرادة، والسلوك مُهدَّدة لا محالة، ولكنها ينبغي أن تـُطِلَّ من خلال نوافذ الإرادة، والعمل، والفعل، والتأليف، والشعر، والأدب، وكلِّ شيء مثلما هو الرجل.
لماذا طه حسين أعمى، وعمره 80 سنة ويتمتع بجمال الأدب، وبرناردشو الفيلسوف الإنكليزيّ المعروف عمره من 70 إلى 80 سنة ويتمتع بالجمال المعنويِّ، وقِسْ على ذلك كلّ الفلاسفة والفنانين، لكنَّ الغرب -للأسف الشديد- اختزل المرأة بجمال واحد، وهو جمال الشكل؛ لذلك أنا لستُ مع حرب المرأة، بل مع الثورة على العادات والتقاليد التي لا تمتُّ لأدياننا بصلة، ولا إلى عُرفنا بصلة، ولا إلى أخلاقنا بصلة.
كلُّ الحواجز التي تقف في طريق المرأة يجب أن تـُزال؛ حتى تبرز المرأة بوجهها المُشرِق، وتـُساهِم إلى جانب أخيها الرجل طالبة، ومُعلـِّمة، وأستاذة، وفنانة.
وكلّ المجالات أمامها مفتوحة..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق