لقاء تلفزيونيّ مُشترَك لقنوات بلادي، والمسار الأولى، وآفاق، والغدير بالدكتور إبراهيم الجعفريّ
يوم 14/4/2013
- رُبَّما يسأل سائل: هل المُشكِلة في الدستور أم في الجمهور؟
الجعفريّ: ابتداءً أتقدَّم لكم بجزيل الشكر والتقدير على هذه المبادرة الكريمة بأن يجد الإنسان في هذه الفضائيات فضاءً إعلامياً مُشترَكاً يخاطب الجمهور، ويعكس آراءه على أبناء شعبنا جميعاً.. أتمنى لكم الموفقية.
ما يتعلّق بأسباب الأزمة: الدستور فيه خلل، والجمهور يتدرَّج في اكتساب الوعي، وليس سِرّاً على أحد أنَّ السياسة تتطلّب تدرُّجاً ووعياً، ولا يزعم أحد أنَّ الجميع كانوا يتمتعون بثقافة الانتخابات، فعلى سبيل المثال: من أول الطريق عام 2005 كان عام الانتخابات، رُبّما كانت تجربة الانتخابات جديدة؛ فكان من الطبيعيِّ أن يكتسب الجمهور شيئاً من التجربة كلّما مرَّ بفصل انتخابيٍّ ما.
الدستور فيه مكامن ضعف، فقد كُتِب في وقت مُبكِّر من أول التجربة، وبعض الأجواء تركت آثارها وبصماتها عليه؛ لذا عُجِّل في كتابته.
مَن يرجع إلى دساتير العالم يجد أنها أخذت حصة كافية من التنظير، وأخذت وقتاً طويلاً، وكتبها خبراء متميِّزون من حيثُ العدد والنوعية حتى كتبوا، ما كتبوا.
صار في القضية بعض الخلل، لكنَّ ذلك لا يعني أن نبرِّر عدم الالتزام بالدستور، الدستور ليس مُقدَّساً كالقرآن الكريم أو الكُتُب السماوية الأخرى، لكنه حَرَم، ومعنى أن يكون حَرَماً أنه لا ينبغي تجاوزه، ولا ينبغي التسليم له، وعدم التفكير في تعديله. أن لا يكون مُقدَّساً يعني يمكن أن يُعدَّل، وأن يكون حَرَماً يعني أن لا يُخرَق.
أمّا الجمهور فهو أيضاً يتدرَّج إلى أن يتعرّف؛ ففي مطلع العام الأول من التجربة لم يتعرَّف بعدُ إلى المُتصدّين السياسيين والكيانات السياسية، والسياسة تأتي بالممارسة، لا أن تُقرَأ في كتاب، والآن مضى على التجربة عشر سنوات أعتقد أنَّ الوعي بدأ يتنامى لدى المُتلقي السياسيِّ (المواطن)، وهو حَسَن عند المُتصدِّين، فطبيعيٌّ، بل من الواجب أن ننتقل بالمسؤولية من الكفوء إلى الأكفأ، ومن الأمين إلى الآمَن.
الدستور يحمل بصمات ضعف، وفيه عناصر قوة كثيرة، وفيه أيضاً حركية، وفيه دينامية.
الدستور في أول الطريق، وقد يتعرَّض لتعديلات، ويُفترَض أن يتعرَّض لتعديلات في المرحلة القادمة، وقد ساهم ببعض جذور الأزمة، لكنَّ وعي الجمهور الآن من شأنه أن يضغط على الأزمة، ويحجّمها، وهي في طريقها - إن شاء الله- إلى الحلّ.
- على ماذا نعتمد في هذه المرحلة.. هل نعتمد على الدستور، وفيه إشكالات مُعيَّنة أم نعتمد على التوافقات السياسية؟
الجعفريّ: التوافق السياسيُّ ليس بديلاً عن الدستور، الدستور فيه موادُّ كثيرة فيه 140 مادة، وعندما نتحفّظ على مادة فهذا لا يعني أن نفكِّر بتعطيل، أو عرقلة الدستور، الأصل هو وجوب الاعتماد على موادِّ الدستور؛ لأنَّ مُؤسَّساتنا قائمة على أساس دستوريّ.
- الدستور يتقاطع مع التوافقات السياسية؟
الجعفريّ: عندئذ لا يمكن أن نُطوِّع الدستور لما تريده التوافقات السياسية، بل نتطلع إلى التوافق أن يسير في إطار الدستور، فالبلد إذا فقدَ الدستور فقدَ كلَّ شيء، وحتى إذا كان فيه خطأ فلا ينبغي التفكير في خرقه، أو إذا أفضت التجربة إلى وجود مادّة دستورية خطأ -وتوجد موادُّ دستورية خطأ- يُمكِن أن نعوِّل على مبادرات تعديل موادِّ الدستور، أو نعالج الخطأ الدستوريَّ بطريقة دستورية.
- ذلك يعني أنَّ الكتل السياسية تسامحت مع الدستور، ولم تلتزم بحذافيره، أعني هنالك خلل؟
الجعفريّ: تُوجَد موادُّ في الدستور ما طُبِّقت، وليس سِرّاً على أحد أنَّ ظروفاً استثنائية حالت دون تطبيق ذلك، ويُوجَد بعض الخلل الذي حصل فالدستور ينصُّ على وجود مثلاً المادة 140 انتقلت من قانون إدارة الدولة إلى الدستور والمفروض أن يُجرى إحصاء في نهاية عام 2007، وما أجري، والسبب هو إنَّ الإدارة السياسية والفرقاء السياسيين العراقيين ما لم تنتظم جهودهم لتفعيل موادِّ الدستور، والالتزام به يُعطي للدستور مصداقية، أمّا إذا بضّعنا الدستور وكلُّ واحد ينظر إلى المادة التي تنسجم مع ما يريد، ويعرقل المادة التي يعتقد أنها لا تنسجم مع ما يريد؛ عندئذٍ سيخضع الدستور إلى حالة من المزايدة.
- كيف تُقيِّم وحدة التحالف الوطنيِّ من الداخل؟
الجعفريّ: التحالف الوطنيُّ في المواقف الاستراتيجية عموماً كان موقفه مُوحَّداً، واستطاع أن يكون فعلاً الكتلة الأكبر في البرلمان، ومارَسَ دور الأخوّة مع بقية الكتل، ولم يدخل في مُناكدات، وتقاطعات، بل كان يساهم في تذليل العقبات، وإيجاد حالة من الأخوّة في داخله.
نعم.. يختلف، وليس سِرّاً على أحد عندما اتفق بعض الإخوة في لقاء أربيل مع الإخوة الذين التقوا هناك على الاستجواب وسحب الثقة، لكن بعد ذلك رجع التحالف الوطنيُّ مرة ثانية، وعادت كلمته مُوحَّدة، ونسَّق بين مُكوِّناته.
حين نُقيِّم حركة التحالف الوطنيِّ الإجمالية في المواقف الاستراتيجية من الاتفاق على رئاسة الوزراء، والاتفاق على التحدّيات التي واجهتها رئاسة الوزراء، والاتفاق على خروج قوات التحالف عام 2011، وجامعة الدول العربية، والكثير من الأمور كان موقفه مُوحَّداً.
أقول: مُجمَل حركة التحالف إيجابية، لكن حين تسألني: هل هذا بمستوى طموحي؟ الجواب: لا، لكن لديه إيجابيات. التحالف الوطنيّ استطاع أن يُحوِّل البرلمان إلى منبر ديمقراطيٍّ في العالم يُوجِّه من العمق العراقيِّ، ولأول مرة في تاريخ العالم -إذا استثنينا موقف عام 1777 حين أنصف أحد الخطباء الأميركان ضدَّ البريطانيين، وهو بريطاني (جتم) في البرلمان البريطانيّ- أنصفهم البرلمان العراقي، وفيه سبع كتل موجودة جميعهم اغدقوا بخطاباتهم بعد كلمة التحالف الوطنيِّ لصالح البحرين، وناصروا الشعب البحرينيَّ.. هذه ظاهرة جديدة وجميلة.
- تحدّثتَ في معرض كلامك عن قضية تغيير الدستور. المشكلة اليوم لدى الكتل السياسية أنَّ كلَّ كتلة تتهم الأخرى بأنها تخرق الدستور..
هناك صورة قاتمة لدى المواطن عن الوضع السياسيّ بصورة عامة.. هل الصراع اليوم هو حول الدستور، أم هو مشروع بناء دولة، أم هو صراع حول السلطة؟
الجعفريّ: كلّها موجودة، وتختلف من مجموعة إلى أخرى، ومن شخصية إلى أخرى..
عندما نواجه خرقاً دستورياً يجب أن تتوحَّد كلمتنا انطلاقاً من الدستور؛ لمعالجة الخروق الدستورية.
هناك في بعض الأحيان اتهامات مُتبادَلة بخرق الدستور، وبعض الأحيان تجد مَن يتحمّس للدستور فعلاً، وينوي مأسسة البلد، ويرتكز على مادة دستورية، وهناك مَن يجعل الدستور سيفاً على رقاب الآخرين عندما يريد أن يُدينه، فيلجأ، ويعتمد على مادة دستورية مُعيَّنة.
- ما الفيصل اليوم في الحكم لمن يخرق الدستور، فالكتل السياسية كلـُّها خصوم؟
الجعفريّ: الأطراف التي تخرق الدستور -في تصوُّري- تستغلُّ عدم وجود ثقافة دستورية؛ لذا تفسِّر الدستور كما تحبُّ، وعندما يتحوّل الدستور إلى ثقافة لدى أبناء الشعب ولدى القوى السياسية، ثم بعد الثقافة تحصل ثقافة التزام.
لا قيمة للثقافة ما لم تكُن ثقافة مُلتزمة؛ وإلا سيختنق الكيان أو الشخصية التي تتمرّد على الدستور، أمّا عندما يبقى هذا الفرق الشاسع بين الدستور وواقع الناس ستجد الكثير يخرقون الدستور، ولا يلتزمون به.
الدستور وحده غير كافٍ ما لم نجعل منه عُرفاً في مُؤسَّسات الدولة.
هناك بعض الدول لا يوجد فيها دستور مُدوَّن إنما لديها عُرف دستوريٌّ كبريطانيا يطبِّقون الدستور بطريقة العُرف الدستوريّ حتى بعض الممارسات في بعض بلدان العالم كلبنان فالرئيس ماروني، ورئيس الوزراء سُنيّ، ورئيس البرلمان شيعيّ.
هذا ليس مادة دستورية إنما عُرف دستوريٌّ؛ لذا أخذ بعضهم قاعدة يقول: كلُّ ممارسة تطبيقية تُعتبَر سابقة دستورية.
- إلى متى يبقى الدكتور الجعفريُّ يُطفئ نيران فتنة السياسيين في العراق؟
الجعفريّ: إذا كان هذا موجوداً فهذا شرف، ولا أتمنى للعراق أن يعيش حالة اندلاع النيران، كما لا أدّعي لنفسي أني أطفئ هذه النيران، ولا توجد تجربة من التجارب خصوصاً في عقدها الأول، ولم تكتمل بعدُ إلا وتتعرّض إلى ما تعرّض له العراق.
في كلِّ العالم مشاكل، ومعاناة خصوصاً أنَّ أصابع السوء تمتدُّ من الخارج، ولاتزال الكثير من مكامن الضعف والخطر موجودة في العراق، ولايزال -للأسف- فهمنا للمحاصصة سيِّئة الصيت، وللمشاركة فهم فيه ضعف.. هذا بمجموعه أدّى إلى أن نفهم الحكومة مُجتزَأة، والبرلمان مُجتزَأ، ولا يفرِّق الأخ المنتمي إلى الحكومة بين هذا الانتماء، وانتمائه إلى مكتب سياسيِّ في حركة ما.
فمرة تجلس في مكتب سياسيٍّ في حركة، ومرة أخرى تجلس في مجلس الوزراء، وتخطّط للدولة. الانتماء لمجلس الوزراء يعني أنَّ عليك أن تلتزم بتطبيق سياسة الدولة، وتحتكم إلى الدستور، وإلى السلطة التشريعية، وتأتمر بأمر مجلس الوزراء، ومَن يمثل مجلس الوزراء وهو رئيس مجلس الوزراء.
أعتقد أنَّ التجربة التي نمرُّ بها تحتاج إلى ثقافة مُلتزمة يجب أن يكون هناك التزام فحين أرى مماكسات أعني تبادل الانتقاص بين الأطراف أتعقل أن يكون هناك حوار، وأن يكون هناك نقد مُتبادَل، وأتعقّل أن يكون هناك عَتَب ولوم، لكن لا أتمنى أن تتحوّل إلى انتقاص.
عندما تندلع نيران بينهم ترى واجبك الوطنيَّ أن تنسلخ عن الأمور الجزئية والذاتية، وتفكّر بركاب السفينة كلّها، وقد تكون مدعاة للتسابق، ويجب أن نخاف على السفينة حين نشعر أنها تتعرّض للخطر، وإلا فإنها - لا سمح الله- لا ينجو منها أحد خصوصاً عندما تكون تتلاطم الأمواج.
حين وقفنا أمام مُشكِلة -على سبيل المثال-: تغيير الحكومة، وطالبوا بتغيير رئيس الوزراء ما اتهمنا أحداً بخرق الدستور؛ لوجود مادة تسمح بذلك، ففي الشهر الرابع من عام 2012 طالب بعض الإخوان بعد أن اجتمعوا في أربيل بمسألة استضافة رئيس الوزراء، بل استجوابه، ثم سحب الثقة. ما قلنا لهم: إنَّ هذا خلاف الدستور، إنما قلنا لهم: ليس هذا وقته، لا أحد يتهمكم بأنّ هذه ممارسة غير دستورية، لكننا لا نتفق معكم، وكذلك الأخ رئيس الوزراء عندما طالب أن نُجري الانتخابات قبل أوانها، ونحلّ البرلمان والحكومة، لم يتهمه أحد بأنه يعمل خلاف الدستور، وقلنا له بصراحة: إنَّ هذا شيء سابق لأوانه؛ لأنه يجب أن تنظر إلى الممارسة كلّها، والأجواء التي تحيطنا.
حين نرى في الطريق مثل هكذا عثرات وعقبات نرى من المسؤولية أن نتقدّم لسلامة سير سفينة الوطنية العراقية، ونحن في بدايتها، وتفرض علينا أن نجعل الأولوية هي الحفاظ على العملية الديمقراطية كلّها.
يجب أن نجد لها مناخاً ملائماً وبيئة ملائمة؛ حتى تعطينا خطوة دفع نحو الأمام، وحتى لا تتعرّض التجربة إلى كبوة وهي في بدايتها.
التجربة لا تتحمّل مثل هذه الهزّات، لكنّ هذا لا يعني أنّ السلطات لا تتعرّض إلى النقد، فلا يوجد أحد فوق النقد، وحتى الدستور باستثناء القرآن الكريم فوق النقد، وكذا المعصوم، أمّا دون ذلك فيطاله النقد، بل يتقوّم بالنقد.
إذا غاب النقد تراكمت الأخطاء، ولا تبدّل من نفسها شيئاً، وستتسبّب بعد فترة بانفجار كمّي يُودي بالبلد في متاهات لا تُحمَد عُقباها.
نحن لا نخاف من عملية النقد لكن علينا أن لا نستعجل الأمور قبل أوانها، أعتقد أنَّ الأمور حتى الآن تسير بشكل جيِّد، نعم.. أنا سمّيت مرحلة ما قبل الشهر الرابع، والخامس، والسادس مشاكل، وما كنتُ أسمِّيها أزمات؛ لأنَّ الفرق عندي بين المُشكِلة والأزمة: أنَّ المُشكِلة تشير إلى خلل، ولا تعطّل مُؤسَّسات الدولة، مثلاً: حين خرج الإخوة من العراقية من البرلمان، وقالوا: لا نأتي إلى البرلمان ما لم ينتهِ موضوع دكتور طارق الهاشمي العام الماضي، أنا عبّرت عنها بأنها مُشكِلة، وليست أزمة بدليل أنَّ البرلمان لم يتوقف بغيابهم، ثم قاطع الإخوة الوزراء مجموعة الأخ صالح الحكومة، وقالوا لا نأتي للحكومة إذا لم تُحَلَّ مُشكِلة صالح المطلك، وعبَّرت عنها بأنها مشكلة وليست أزمة؛ لأنهم حين غابوا لم تتعطل الحكومة.
بينما أشعر الآن حين تعدّدت الأطراف، ومن كلِّ الجوانب ترمي المُشكِلة بموج يأخذ طابعاً اجتماعياً؛ فتعقـّدت؛ فيجب أن نُنصفها بأنها جيِّدة، وهي حلوة.
نحن الآن في أزمة، وبدأت تخفُّ شِدّتها في المرحلة الأولى بجهود مُكثـَّفة ساهمت فيها كلُّ القوى الوطنية العراقية، وكلُّ مراكز التأثير الاجتماعية والعشائرية والمُؤسَّسات والحركات.
أتصوَّر أنَّ هذا الحسَّ الوطنيَّ العالي الذي يُغلـِّب مصلحة الوطن على بقية الأمور هو هذا صمام الأمان الحقيقيِّ الذي ينقل البلد من شفا هاوية الانحدار من الضعف إلى خط الشروع في البناء والصعود.
أتصوّر أنَّ شدة الأزمة بدأت تخفُّ، لكنها مازالت أزمة، وأتمنى أن لا تكون كارثة؛ لأنَّ الأزمة حدٌّ وسط بين المُشكِلة والكارثة.
بعض الدول بدأت بمُشكِلة، فتحوّلت إلى أزمة عندما لم يُحسِنوا إدارتها، ثم تحوَّلت إلى كوارث.
نحن بعيدون عن الكارثة، وما يطمئن أنَّ الشعور لدى المواطنين، ولدى المسؤولين، ولدى القوى والأحزاب عالٍ جداً، يقول: أزمة، ويُهدِّد بها، لكن لا يتمنّى للبلد أن يتعرَّض، ويتحوَّل -لا سمح الله- إلى كارثة.