السبت، 23 سبتمبر 2017

كلمة العراق التي ألقاها الدكتور إبراهيم الأشيقر الجعفريّ في الجمعيّة العامة للأمم المتحدة الدورة (72) في نيويورك

تُنبئنا التجارب التاريخيَّة أنَّ مرحلة ما بعد الحرب تُشكِّل تحدِّياً كبيراً يفوق تحدِّي الحرب ذاتَها، إذ يتوجَّب علينا أن نعمل على إعادة الاستقرار، والبناء، وإعادة الأمل بعد تحرير المُدُن العراقيَّة بتضحيات جسيمة على مُستوى الإنسان، والعمران، والبيئة التي تدهورت كثيراً في العقود الثلاثة الأخيرة، إضافة إلى الإرهاب البيئيِّ الذي مارسته عصابات داعش عِبْرَ حَرْقِ آبار النفط، وتدمير السُدُود الصغيرة، وإغراق الأراضي الزراعيَّة، وتخريب الآثار والتراث العراقيِّ العريق.
ثالثاً: عدم السماح بعودة الحالات، والمظاهر الشاذة التي كانت سائدة في العراق في مرحلة ما قبل سيطرة داعش على المُدُن، وهي حالة التحريض، والتوتـُّر، والتخندق الطائفيّ، والقوميّ البغيض على حساب المصالح العليا للبلاد؛ وهذا ما ساهم في تمكين داعش من السيطرة على المُدُن والمحافظات؛ وعليه يجب الالتزام بالخطاب الذي يُكرِّس روح المُواطَنة، ويحثُّ على الوحدة والتعاون، وعدم السماح لعصابات داعش الإرهابيَّة، أو أيِّ تنظيم إرهابيٍّ إجراميٍّ آخر بالعودة من جديد، وتوفير الغطاء له في المُدُن التي استُعِيدَت السيطرة عليها، أو السماح بنُمُوِّ خلايا إرهابيَّة جديدة.
إنَّ العراق دولة اتحاديَّة واحدة مُوحَّدة، ومُستقِلَّة ذات سيادة كاملة تقوم على دستور ديمقراطيّ فيدراليّ شارَكَ في اعتماده جميع مُكوِّنات الشعب العراقيِّ في عام 2005 عِبْرَ استفتاء شعبيّ شفّاف، وديمقراطيّ، وهو يقوم على الاحترام الكامل للحقوق، والالتزامات المُتساوية لجميع المُكوِّنات العراقيَّة، وتعزيز قِيَمِ المُواطَنة، والمُشارَكة في العمليَّة السياسيَّة الديمقراطيَّة، والتمثيل السياسيّ الفعليّ للجميع في الرئاسات الثلاث، والوزارات، والهيئات المُستقِلَّة على نحو يضمن للجميع مُمارَسة حقوقه الدستوريَّة، والقانونيَّة الفعليَّة، ومُتابَعة شُؤُونه السياسيَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والثقافيَّة، واللغويَّة؛ وهو ما تفتقرُ إليه أنظمة العديد من الدول المُتنوِّعة عِرقِيّاً ودينيّاً.
إنَّ الحكومة العراقيَّة كانت، ولاتزال حكومة مُنسجِمة في مُكوِّناتها، وتعمل ولاتزال لترويج الحوار البنَّاء لتسوية القضايا العالقة بين الحكومة الاتحاديَّة وحكومة إقليم كردستان العراق من دون شُرُوط مُسبَّقة؛ ولا يُمكِن -بأيِّ حال القبول- بالقرارات اللادستوريَّة من قِبَل حكومة إقليم كردستان العراق، والتفريط بوحدة العراق المضمونة دستوريّاً؛ وقد صوَّت مجلس النواب العراقيِّ من مُنطلَق حرصه على وحدة العراق أرضاً وشعباً على رفض الاستفتاء، وإلزام حكومة العراق باتخاذ التدابير التي تحفظ وحدة العراق، والبدء بحوار جادٍّ لمعالجة المسائل العالقة؛ انطلاقاً من المادة الأولى في الدستور العراقيّ الذي ينص على أنَّ وحدة العراق واحدة، وسيادته واحدة، وغير قابلة للتجزئة، وطالبت الحكومة العراقيَّة بحكم مسؤوليتها المحكمةَ الاتحاديّة العليا بإصدار أمر ولائيٍّ يرفض عمليَّة الاستفتاء المُزمَع إجراؤه في إقليم كردستان العراق في 25/9/2017، والذي يُشكِّل مُخالَفة كبيرة، وخرقاً للدستور العراقيِّ، ولاسيَّما فيما يتعلـَّق بوضع المناطق المُتنازَع عليها التي تمتاز بتعدُّد القوميَّات، والمذاهب، والديانات، والتي قد تُؤدِّي إلى نزاعات داخليَّة، وإقليميَّة.
يتطلَّع العراق في السنة المقبلة لإجراء الانتخابات التشريعيَّة البرلمانيَّة التي ستجري في الربع الأوَّل من عام 2018، وإنَّ استعدادات القوى السياسيَّة المُمثـِّلة لجميع العراقيِّين قد بدأت تلوح في الأفق السياسيِّ، وإنَّ النجاح في هذه الانتخابات سينقل النظام السياسيَّ العراقيَّ الديمقراطيَّ والتعدُّديَّ القائم على التداول السلميِّ للسلطة إلى تكريس الاستقرار السياسيِّ بما يمتاز به من ثقافة ديمقراطيَّة مُستدامة تجعل العراق مُحصَّناً إزاء الأزمات، كما تُعزِّز لديه الاستقرار، والنُهُوض الاقتصاديَّ، والتوجُّه نحو تحقيق أهداف التنمية المُستدامة في 2030.
وعلى مُستوى علاقة العراق بالأمم المتحدة فإنَّ العراق يعمل مع الأطراف ذات العلاقة، والجهات المعنيَّة فيها على تسوية القضايا العالقة في مجلس الأمن؛ من أجل التخلـُّص من أعباء الالتزامات التي ورثها العراق من النظام البائد، والتي نجحت الحكومة العراقيَّة في التخلـُّص منها شيئاً فشيئاً، مع الحفاظ على الوفاء بتلك الالتزامات الدوليَّة وُصُولاً إلى استعادة العراق لمكانته الدوليَّة التي كان يتبوَّؤها قبل اعتماد قرار مجلس الأمن 661 لعام 1990، فقد حرص العراق على احترام الشرعيَّة الدوليَّة، والتعامُل مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة به وما بينه وبين الكويت الشقيق بأعلى قدر من المسؤوليَّة، والاحترام، وقد وقـَّع العراق الترتيبات اللازمة؛ تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 1958 الخاصِّ بالنفط مقابل الغذاء، ومازالت أمامنا تعويضات دولة الكويت الشقيقة، والتفاوض جارٍ على قدم وساق لإنهائها مع أشقائنا الكويتيِّين.
اعتمد مجلس الأمن في يوم 21/9/2017 قراره التاريخيَّ (2379) في مجال جمع الأدلة الجنائيَّة لمحاكمة إرهابيِّي داعش على جرائمهم التي ارتكبوها في العراق، أو في أيِّ دولة أخرى إذا طلبت تلك الدولة مُساعَدة الفريق التحقيقيِّ المُشترَك الذي سيضمُّ قضاةً، ومُحقـِّقين، وخبراء جنائيِّين عراقيِّين يعملون جنباً إلى جنب مع خبراء دوليِّين؛ من أجل جمع، وحفظ، وخزن تلك الأدلة في العراق، وهو تعبير عن رغبة شعبنا العزيز في إنجاح الحملة العالميَّة لجلب داعش إلى العدالة؛ بسبب جرائمهم في العراق، ولاسيَّما الإبادة الجماعيَّة، وجرائم الحرب، والجرائم ضدّ الإنسانيَّة، وقد بُنِيَ القرار الحاليّ على دعائم أساسيَّةٍ تدور في إطار واضح هو احترام كامل لسيادة العراق، واختصاصه القانونيِّ، والقضائيِّ في مجال جمع الأدلة الجنائيَّة عن جرائم داعش، وندعو الدول الأعضاء إلى تمويل نشاطات الفريق التحقيقيِّ، وتزويده بالمُعدّات، أو الخدمات لنجاح عمله.
يطلُبُ العراق من على منبركم الموسوم منبر الأمم المتحدة هذا مُساعَدة الدول الصديقة النوويَّة في بناء مُفاعِل نوويّ للأغراض السلميَّة في العراق؛ استناداً إلى حقه في الوُصُول إلى التكنولوجيا النوويَّة، والنُهُوض بمُختلِف القطاعات ذات الصلة بتلك التكنولوجيا وفق الأسس القانونيَّة لحقِّ الدول في الاستخدامات السلميَّة المنصوص عليها في مُعاهَدة عدم انتشار الأسلحة النوويَّة، بخاصَّةٍ المادَّة الرابعة التي أشارت إلى الحقوق غير القابلة للتصرُّف لجميع الدول الأطراف في المُعاهَدة في إنماء بحث، وإنتاج، واستخدام الطاقة النوويَّة للأغراض السلميَّة من دون أيِّ تمييز، ولاسيَّما بالنسبة للدول النامية.
وهنا نودُّ أن نُشير إلى أنَّ تبنِّي المناهج التربويَّة التي تدعو إلى تكفير الإنسان، ونشر المفاهيم، والفتاوى التكفيريَّة الخاطئة عِبْرَ وسائل الإعلام، ومواقع التواصُل الاجتماعيِّ تُؤدِّي إلى ظـُهُور الانحرافات الفكريَّة، والآيديولوجيَّة المُتطرِّفة التي تتخذ الإرهاب بمُختلِف صُوَره وأشكاله وسيلة لفرض أفكارها المُتخلـِّفة التي تُعرِّض السلم والأمن الدوليّين إلى خطر كبير، والحضارة البشريَّة إلى إضرار فادحة؛ وهو ما يُوجِب علينا العمل مع اليونسكو، والجهات الفاعلة الأخرى لإيصال رسالة مفادها: أنَّ التربية السليمة لا يُمكِن الاستغناء عنها من أجل نشر قِيَمِ التسامُحِ، ونبذ التطرُّف، والإرهاب.
وقد اقترن الجهد الأمنيُّ للحكومة العراقيَّة، وسعيها إلى إحلال الأمن والسلام في البلاد بتبنّي مشروع المصالحة الوطنيَّة الذي تمَّ اعتماده من أجل تأكيد التلاحُم بين أبناء الشعب العراقيِّ، وترسيخ قواعد الوحدة الوطنيَّة، وإشاعة أجواء المَحَبَّة، والانسجام بين مُكوِّنات الشعب العراقيِّ، وتعميق روح المُواطَنة المُخلِصَة للعراق التي يتساوى عندها كلُّ العراقيِّين في حُقوقهم، وواجباتهم من دون أيِّ تمييز بينهم؛ من أجل بناء، وتجذير الحالة الوطنيَّة الواسعة لمُواجَهة التحدِّيات، وتهيئة مُستلزَمات عمليَّة بناء العراق، ورفاهية شعبه.
وفي العراق أخذت هذه الأزمة أبعاداً أكثر تعقيداً؛ بسبب زيادة عدد النازحين العراقيِّين الذين هربوا من المناطق التي سيطرت عليها عصابات داعش الإرهابيّة؛ الأمر الذي يُشكِّل ثقلاً إضافيّاً على كاهل الشعب العراقيِّ الذي يُعاني من أزمة ماليَّة حادَّة؛ جراء انخفاض أسعار النفط، وتصاعُد نفقات الحرب على الإرهاب.. ومن هذا الواقع نُؤكـِّد على ضرورة تكثيف الجُهُود الدوليَّة؛ من أجل حلِّ مُشكِلة النازحين المُتفاقِمة، وتخصيص الأموال اللازمة للتخفيف من مُعاناتهم في العراق.
صحيح أنَّ داعش الإرهابيَّ لم يمتدَّ إلى محافظات الجنوب، لكنَّ إنسان الجنوب بكامل حجمه امتدَّ إلى ميادين المُواجَهة في كلٍّ من محافظات الموصل، والأنبار، وصلاح الدين، وسالت دماء أبناء البصرة، والناصرية، والعمارة، وكربلاء، والنجف، والحلة، والسماوة، والديوانية، والكوت، وأربيل، وكركوك، والسيلمانيّة، ودهوك؛ وبذلك سجَّلَ العراقيُّون كلُّهم ملحمةً استشهاديَّة صبغوا بها أرض العراق كلـَّها بدمائهم الطاهرة كلـِّها، وأحيِّي التضحيات الغالية التي قدَّمها الشعب العراقيُّ الشجاع، كما أحيِّي أرواح الشهداء من الجيش، والشرطة، والحشد الشعبيِّ، والبيشمركة، وقوات مكافحة الإرهاب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق