قال الدكتور إبراهيم الجعفريّ رئيس التحالف الوطنيِّ العراقيِّ: إنَّ مُجتمَعنا مُجتمَع طوائف، وليس مُجتمَعاً طائفياً.. وأوضح سيادته: أنَّ منبر الإسلام وُضِع لبناء قلب الإنسان، وعقله، وليس من مهمّته أن يُسعِّر الخلافات الجزئية، ولا من مهمّته أن يُلقي خطابه؛ بما يُؤجِّج نار الحقد في صدورهم.. جاء ذلك في خطاب ألقاه سيادته بالمُؤتمَر الإسلاميِّ الدوليِّ للحوار والتقريب المُنعقِد في بغداد يوم السبت الموافق 27/4/2013.
وأضاف الجعفريّ مُخاطباً: لابدَّ أن أوجِّه خطابي إلى أبناء شعبنا العزيز في العراق، ومن خلالهم إلى كلِّ أبناء الأمة الإسلامية في طول وعرض الأمة، وفي كلِّ مكان.. لا تستمعوا إلى صوت التفرقة، واستمعوا إلى صوت الوحدة، والمحبّة، والثقة؛ فالاستماع مسؤولية.
على هامش المؤتمر أدلى الدكتور إبراهيم الجعفريّ بتصريحات لعدد من وسائل الإعلام، جاء فيها:
- هل تتوقع أن يخرج المؤتمر بنتائج تنفع في الظرف الحالي؟
الجعفري: لست مُغالياً إذا قلتُ: بدأت الكثير من النتائج تلوح في الأفق على الرغم من أنَّ المُؤتمَر لايزال في بدايته، فأصل أن يأتي هذا الجمع الكبير بهذه النوعية الممتازة، والتنوّع من مختلف المناطق والقوميات هو نصر كبير.
ما عكسته كلمات الافتتاح من قبل الإخوة المُتحدّثين أشارت إلى البوصلة التي يتفق عليها علماء الإسلام الذين حضروا في هذا المُؤتمَر، بأنهم مُصِرّون، وجادّون في توحيد خطابهم ضدَّ الطائفية، وقطع الطريق على كلّ المحاولات والتخرُّصات التي تحاول عبثاً أن تسيء للوحدة الوطنية.
أنا مُستبشِر خيراً، وأتمنى أن تنتهي هذه الخطابات واللجان بورقة عمل من شأنها رسم معالم المُعادِل الإصلاحيِّ للفساد والمدِّ الطائفيّ الذي يُهدِّد وحدة المُسلِمين وفكرهم، ويحارب كلّ أبناء المذاهب والطوائف على حدٍّ سواء.
نحن نعتقد أنَّ المعركة معركة الإسلام مع أعدائه، وليست معركة بين المُسلِمين أنفسهم، لا توجد معركة بين سُنيٍّ وشيعيِّ، ولا شيعيٍّ مع سُنيٍّ إنما هي معركة إسلام ضدَّ أعداء الإسلام.
- هناك تصعيد طائفيٌّ من خلال الخطابات، وهناك جهد حكوميٌّ لدرء الفتنة خصوصاً أنَّ البلد فيه سنة وشيعة.. كيف تنظرون إلى هذا الوضع الآن؟
الجعفريّ: السلاح ليس حلاً لإدارة المشاكل، ولم يعتبره الإسلام بادرة حلّ:
((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)) (الحج / 39)
ليست العبرة أن تبدأ بالسلاح، وتحاول أن تتجنب السلاح قدر الإمكان.
الإسلام يُؤكّد على الخطاب الحاني، ويؤكّد على تحريك القِيَم والمبادئ، ويؤكّد على تحريك مكامن القوة الإنسانية في كلِّ أبناء البشر مُسلِمين وغير مُسلِمين؛ لذا فنزعة الشرِّ، والاعتماد على السلاح دخيلة على الإسلام.
على الإخوة الخطباء كافة أن يقدِّموا مُعادِلاً سلمياً مُستمَدّاً من روح الإسلام، وقيمه، وفكره، وينطلقوا من المُشترَك المذهبيِّ، بل من المُشترَك الدينيِّ الذي يجعل أعداء الإسلام هم الأعداء الحقيقيين، وليس أعداءً وهميين.
نحن نعتقد أنَّ الصداقة، والأخوّة، والمحبة، وما يجمعنا مع أبناء المذاهب أكبر بكثير مما يُفرِّقنا عنهم، وأنَّ الاختلاف ليس مدعاة لحمل السلاح إنما الاختلاف مدعاة لاستعمال القلم والحوار المُباشِر، ويجب أن نتلمّس دائماً مساحة المُتفَق الواسعة جداً؛ حتى نشعر بضآلة ومحدودية المُختلَف عليه.
- كلمتك لهذا المؤتمر؟
الجعفريّ: إنَّ المُؤتمَر من خلال نوعية الحضور، والكم الكثير، والمُتنوِّع، والخطب التي استمعت إليها جاء في موعد، وفي ظرف نحن بأمسِّ الحاجة لأن نسمع صوت الوحدة الإسلامية النابع من عمق القلب المُؤمِن، والعقل المُتنوِّر الذي عبَّر بتنوُّعاته المختلفة عن وحدة كلمة المُسلِمين، وإصرارهم على أن تكون كلمة الإسلام هي العليا، وأنَّ ما يمثل المُسلِمين من ظواهر استثنائية من قتل وهدر للثروة واعتداء على الكرامات ليس إلا حالة ناشزاً بعيدة عن ضمير المُسلِمين؛ لذا أعتقد أنَّ هذا المُؤتمَر أوصل رسالة رائعة.. وهي إنَّ التنوُّع الإسلاميَّ من السُنة والشيعة داخل العراق وخارجه، والعرب والكرد وغيرهما من مختلف القوميات كلّهم يُشكّلون خطاباً إسلامياً رائعاً يأبى إلا أن يتجاوز، ولا يتعثر بالفروق المذهبية، ويخاطب كلَّ المُسلِمين من هذا المنبر.
- ما يحدث في سورية من فتنة طائفية؟
الجعفريّ: الفتنة الطائفية لم تكن بدايتها في سورية، وليس نهايتها في سورية، الطائفية تتجاوز الحدود؛ لأنها تجد من المُعطين الطائفيين ما يجعلهم يحاولون أن يُغيِّروا طمأنينة المنطقة بتوتير الحالة، وإبدال المحبّة بحالة الحقد؛ لذلك سرعان ما تعبر أسوار البلدان؛ لترتدّ، وتنداح، وتتسع لشمول مُتلقين من المناطق الأخرى..
الطائفية خطر مُشترَك نشعر به جميعاً، وما يحصل في سورية يهمُّنا كثيراً؛ لذات سورية، ولطبيعة الارتباط المجتمعيِّ بين الشعب العراقيِّ والشعب السوريِّ، فالخطر الذي يدهم سورية هو -بالضرورة- يدهم العراق.
نحن نعتقد أنَّ ما يحصل في سورية براء منه إخواننا هناك السنة والشيعة إنما هو مُخطّط دوليّ يجري طبخه وإعداده خارج الحدود، ويُصدَّر إلى سورية مثلما يُصدَّر إلى العراق.
نأمل أن لا يجد مَن يتلقى هذا الطرح الطائفيَّ المسموم، ونرجو من الله أن يعصم بلدينا من شائبة التطرُّف الطائفيّ، وأن تعود المحبة والأخوّة لصالح الشعبين.
سورية والعراق اليوم يحتلّان موقعاً مُهِمّاً مُجتمَعياً وجغرافياً وسياسياً في المنطقة كمحور..
يجب أن نواجه هذه الأزمة بعقول مُنفتِحة، وقلوب عامرة بالإيمان، وبالتنسيق والتعاون مع كلِّ دول المنطقة بأن نجعل العدو الحقيقيَّ المُشترَك لنا جميعاً هو العدو للشعوب، والعدو للإسلام.
الطائفية حركة لا مُنتصِر فيها، ولا رابح فيها، الغالب والمغلوب كلاهما خاسران؛ لذا واجبنا أن نعقد العزم على تلمُّس الطريق الصحيح الذي يجعل هذه البُلدان تتعايش مع بعضها، وتعمُّها المحبّة، والوئام، والسلم بدلاً من الطائفية والاحتراب.
- مثل هكذا مُؤتمَرات للتقارب بين الأديان.. كيف تعمل على درء الطائفية التي نعاني منها؟
الجعفريّ: أصل أن يُعقـَد المُؤتمَر في بغداد بهذه السعة، وهذا الكم الكبير، والنوعيات المُمتازة والمتألقة، والتنوُّع القوميِّ والمذهبيِّ والمناطقيِّ والإقليميِّ هو -بحدِّ ذاته- صمام أمان لدرء هذه الفتن.
من السابق لأوانه أن أقيِّم كلَّ ما يجري في المؤتمر، لكنَّ طالع المُؤتمَر، والكلمات التي استمعت إليها كلها تُبشّر بخير، وعكست عمقاً فكرياً ووعياً سياسياً مُمتازاً، وعكست وعياً للمُشترَك المذهبيِّ بين أبناء المذاهب، وعكست إرادة قوية تأبى إلا أن تكون عصيّة على كلِّ المحاولات التي تعبث بوحدة الصف، وجمع الكلمة، وتفهم ما يجري في العراق.
هذا -بتقديري- رصيد رائع وقويّ؛ لذا أتمنى للمؤتمر أن تنتهي أوراقه ولجانه بمُقرَّرات من شانها أن تُشكّل ورقة عمل لمواجهة التحدّي الطائفيِّ المقيت الذي دخل غريباً على بُنيتنا الاجتماعية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق