الأحد، 23 ديسمبر 2012

لـقـاء الدكـتـور إبـراهـيـم الجـعـفري مـع قـناة الشـرقـيـة 20/12/2012

لقاء قناة الشرقية بالدكتور إبراهيم الجعفريّ رئيس التحالف الوطنيّ العراقيّ

20/12/2012

الجزء الأول

 

- من أين جاء لقب الجعفريّ؟

 

الجعفريّ: أما لقب (الأشيقر) فإنه لقب العائلة الحقيقيّ، ربما مرتبط بالمدينة التي كنا فيها، وأصلنا من مدينة قرب الرياض اسمها الأشيقر، أو يلفظوها (الأشيكر). هو اسم مدينة نزحوا منها قبل حوالى 530 سنة إلى مقابر قريش في الكاظمية، ومنها إلى كربلاء، أمّا لقب (الجعفريّ) فهو اسم انتحلته في الشهر الثالث عام 1980؛ حتى أغطّي على لقبي الحقيقيّ، وأدفع غائلة الضغط والملاحقة عن العائلة.

اخترتُ هذا اللقب، وكلّ بيت الأشيقر لا يعرفون به لمدة طويلة، ولا أحد يعرف أنّ الجعفريّ نفسه هو الأشيقر.

 

- هل كانت عائلتك الدينية تتميّز بنوع من التسامح، أم كانت متعصّبة بعض الشيء للمذهب؟

 

الجعفريّ: ليست متعصِّبة إنما تعتزّ بأنها من مدينة كربلاء، وكربلاء تعطي إيحاءات كبيرة، ومن إيحاءاتها الإمام الحسين -عليه السلام-، وهي عاصمة التشيُّع في العالم، لكن دون أن تتحوّل إلى حالة طائفية، أو تمقت الآخر، أو تعتدي عليه، ومن حُسن الحظ أني أخرج من كربلاء، وكان اسمها نينوى سابقاً، فمولدي نينوى، ومن نينوى المولد إلى نينوى التحصيل العلميّ في الموصل حيث أكملتُ دراسة الطب هناك، ولم أشعر أني انتقلت من جوّ مُعادٍ إنما جوّ تكامل فيه الجميع، مع احترام الخصوصيات.

 

- بيئتك في كربلاء محافظة، ومن نسيج واحد، ومن بيئة أنت مؤتلِف فيها، وتحوّلتَ إلى بيئة أخرى.. ما حكاية بيت الشيعة في الموصل؟

 

الجعفريّ: أنا في كربلاء وأقرأ للسيد قطب -رحمه الله- ومحمد الغزالي، وهما من الكُتَّاب المصريين، وغالبيتهم من الإخوة السنة، وما كنتُ أحمل حالة حقد، وما كنتُ معزولاً عن الرواية التي يكتبها السنيّ، والتفسير الذي يكتبه السنيّ. هذه القضية غير موجودة في جوّ كربلاء، وإذا انتقلنا إلى الموصل، وهي ذات غالبية من الإخوة السُنة، وهنالك قلة شيعية، وقلة مسيحية وغيرهما.. حين كنت طالباً هناك لم أسكن في القسم الداخليّ، إنما استأجرتُ بيتاً أنا وعدد من الطلاب، وكنا من مناطق شيعية، الجيران كانوا يحترموننا جداً، وأهل الموصل أناس محافظون لا يمنحون ثقتهم مباشرة إلا بعد أن يعرفوا الشخص، فيتمسّكوا به إن كان محافظاً، وكثرما يروننا نصلي من ستائر الشبابيك، فوُصِف البيت، أو سُمِّي (بيت الشيعة)، وهذه علامة -كما يقول- عنها السيد الصدر -قدس الله نفسه-: تسمية أبنائنا هنالك ببيت الشيعة تحمل دلالة إيجابية.

 

- هل كان لديك ارتباط سياسيّ في تلك الفترة؟

 

الجعفريّ: دخلتني السياسة عام 1958، وكتنظيم افتتحت بتنظيم حزب الدعوة الإسلامية، وكفكر إسلاميّ تبنّيته منذ وقت مبكر، وفي عام 1965 صادف أن فتح السيد الحكيم -رحمه الله- دورة لنا على مستوى عال ٍجداً على الرغم من أنّ أعمارنا كانت صغيرة لم تبلغ الـ17 سنة، ودخلتُ في 18 دورة مكثّفة على مختلف اتجاهات الفكر، مثلاً خلفيتي الفكرية كانت حين تتلمذت على يد الدكتور أحمد أمين، السيد باقر الحكيم، والشيخ الآصفيّ، والشيخ اللنكراني، والسيد طالب الرفاعيّ، وشكّلت عندي القاعدة المعرفية والفكرية، إضافة إلى وجود الجانب العاطفيّ، فكنا نقرأ أشياء أعطتنا دفعة وزخماً نوعياً ممتازاً جداً على المستوى الفكريّ، وقبلها بسنة كنتُ قد فاتحني أحد الإخوان بالدعوة، لكن لم أستجب، فجئنا من الحالة الفكرية الدعوية؛ لأن كان عندي فكر دعوة، وأقرأ للسيد محمد باقر الصدر، وأحد الدروس كان (اقتصادنا)، فانتقلنا إلى نظرية الدعوة كنظرية عمل، وبدأت تصلني نشراتهم، وعندما فـُوتِحت عام 1964 امتنعت، وفي عام 1969 استجبت، فتحوّلتُ إلى الانتماء الحزبيّ والتنظيميّ؛ إذن الانتماء الفكريّ الإسلاميّ سبق كلّ الانتماءات، ثم انتماء بالنظرية فقد اطلعت على نشرات حزب الدعوة الإسلامية، وأحببتها، ثم انتقلت من الانتماء إلى نظرية الدعوة إلى انتماء تنظيم الدعوة لحزب الدعوة.. هذه مرحلة ثالثة، وكانت عام 1966.

 

 

 

- هناك من يرى أنّ حزب الدعوة أصبح همّه الحفاظ على المناصب، والحفاظ على المراكز السياسية التي يتبوّأها، وتقريباً أصبح هذه هو الهدف الرئيس، لا هدف إحداث التغيير في المجتمع من خلال الدعوة، والتثقيف الإسلاميّ، وكأنّ الموضع تشخصن أكثر؟

 

الجعفريّ: بدايات الدعوة غير بدايات الداعية.. الدعوة تريد أن تبني نفسها، فتقف عند حدود كونها في تلك المرحلة؛ لأنها تبني نفسها بناءً صالحاً، فركّزت في نشراتها الأولى على كيفية بناء نفسها على قاعدة فكرية ونظرية معرفية صحيحة، وتقيم دولة على ضوء الشريعة الإسلامية بأسلوب الدعوة بالعمل الصالح عندما مرّت بهذه المراحل، وتوصل إلى الحكم، ولم أقـُل إنها لا تتواصل، ولا تكون منفصلة عن المرحلة السياسية التي سبقتها، ولا تقف دون أن تعمّم دائرة الحكم، فهي منسجمة مع نظريتها، أما بداية الداعية فتختلف عن بداية الدعوة..

الداعية لا يتعامل بالسياسة بمعزل عن بناء نفسه؛ لذا يخطئ الداعية الذي يتصوّر أنه ليس بحاجة لأن يبني نفسه، ويمرّ بمرحلة بناء النفس، ثم مرحلة بناء السياسيّ، ثم يلاحق عمله، ويتطوّر؛ ليواكب، ويواصل عملية الدخول في السياسة والحكم بعد أن يفهم نظرية الدعوة في المعارضة، فبداية الدعوة غير بداية الداعية. عندما يفهم الداعية خط الدعوة بشكل صحيح لا يستطيع أن يأتي بالحلقة الأخيرة لينفتح على الجوّ السياسيّ، وتكون حاكمة، ويتصوّر أنّ هذه هي الدعوة، لا.. الدعوة يجب أن تنطلق من داخل الفرد الذي هو وحدة بناء المجتمع؛ لذا عليه أن يبني نفسه عقائدياً وفكرياً.

 

- ربما ينطبق هذا على الرعيل الأول، أنا أتحدّث عن الدعاة الجُدُد -إذا صح التعبير-؟

 

الجعفريّ: ميزة حزب الدعوة الإسلامية -ودَعْ عنك الشعارات التي تُطرَح هنا وهناك، مع احترامي للأحزاب الأخرى كافة- أنّ الذي وضع بواكير فكر الدعوة وقيم الدعوة هو السيد محمد باقر الصدر، فعندما تجلس إلى جانب الداعية تجده غير متكلّف، وغير طائفيّ ليس كموقف سياسيّ قد يتبدّل في المستقبل، ولا يعني هذا أنه غير معتزّ بالانتماء المذهبيّ، لكنه غير طائفيّ، ولا توجد لديه نعرة عنصرية، وهناك أكراد في داخل الدعوة.

 

- لماذا فشل حزب الدعوة في استقطاب الجماهير السُنّية؟

 

الجعفريّ: لم يفشل حزب الدعوة ربما فشل بعض الإخوة، حين دخلنا إلى العراق وهذه إطلالة كانت سريعة  مختصرة، وأنا كنت في لندن العدد غير قليل من الإخوة كانوا يؤكدون لي، فعندما انتقلنا إلى الحكم ظلّ هذا الشيء وواحد من خلافاتي مع برايمر أنه لماذا لا تأتي بمجموعة من الشخصيات الإسلامية العربية، وقدّم في ذاك الوقت اسم الأخ محسن عبد الحميد، وهو رجل محترم وفاضل، وكنت أتصوّره عربياً، وكثيرون كانوا يتصورونه عربياً، وهو -لابأس- باستيعابة، وضروريّ استيعابه، لكن ليس أن يكون بديلاً عن سنيّ عربيّ؛ لذا تألمت حين غيّب تيارين التيار السنيّ العربيّ والتيار الصدري في ذلك الوقت، ولم يكن هناك شيء اسمه حزب الفضيلة، ولا جيش المهدي، ولا يوجد مثلث الأنبار.

كل هذه لم تكن عام 2003؛ لذا عندما ألححت عليه، ولم يأتِ لا من هذه الشريحة ولا من هذه الشريحة بدأت تنشأ حالات أخرى بدءاً من مثلث الأنبار، وكان هناك مقاومة في الأنبار، فكان يستغرب من هذه.

نريد أن نستبدل القلم بالبنديقة، والموجودون في داخل مجلس الحكم لو أنهم مُنِعوا من المشاركة في العملية السياسية فرد فعلهم لا يكون أفضل من هذا.

الدعوة في ذلك الوقت حريصة جداً أن نكون موجودين عندما شكّلنا الحكومة، وأصررتُ على مشاركتهم؛ لأن تنظيم القاعدة منعهم من المشاركة في الانتخابات، فجاؤوا بـ 17 شخصية إلى البرلمان، أو الجمعية الوطنية العامة من مجموع 275، وهو نسبة ضئيلة جداً، وستكون حصتهم في الوزارة وزيراً واحداً، ودخلنا في اختلافات مع بعض الإخوان من المركّب السياسيّ العراقيّ، إذ كانوا يقولون إنّ لهم وزيراً واحداً، وقلتُ لهم سبعة، قالوا: هذه استحقاقات انتخابية. قلت لهم: إنّ حجمهم في البرلمان لا يعني حجمهم في المجتمع، أنا أتعامل مع الإخوة السنة، كما أتعامل مع الشيعة، والأكراد بحجمهم السكانيّ الديموغرافي ّ.

في ذلك الوقت كان قانون إدارة الدولة، وبعد ذلك الدستور كان يمنح رئيس الوزراء ثلاثة أشهُر لتشكيل الحكومة، وانتظروني ثلاثة أشهر، وبقيت على موقفي حتى الأسبوع الأخير، واستجابوا لهذه الحالة، وبالفعل استطعت أن آتي بسبعة وزراء في الحكومة الثانية التي شكّلتها في عام 2005.

 

 

- هل حزب الدعوة عندما تأسّس بنفس النقاء كما هو الآن؟

 

الجعفريّ: النظرية لا تتبدّل، وإذا أراد أن يتبدّل فالتبدّل موضوعيّ، لكن يبقى كم يستطيع المنتمون إلى هذا الحزب أو كلّ الأحزاب أن يجسّدوا هذه النظرية.

نحن لا نحكم على أيّ حزب من خلال أفراده، وإذا أصررنا على أن نحكم على حزب من خلال فرد فلنأخذ أفضل الأفراد، ولا نأخذ أسوأهم؛ حتى نكون عادلين.

إذا نظرنا إلى الصحابة نجد القرآن يشير إلى بعضهم بأنهم مُرِدوا على النفاق وهم من حوله، يقول الله -تعالى-: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ)) [البقرة : 204]

إذن لا يجوز أن نحكم على كلّ الصحابة من خلال واحد يخرج عن الطريق، وإذا أردنا أن نحكم فيكن الحكم على أحسن الشخصيات، لا على أسوأ الشخصيات.

 

- أنا أتحدّث عن حزب الدعوة كنموذج ضمن الإطار الإسلاميّ.. ألا تعتقد أنه -برأيك- قيّد الحزب، أو وضعه في إطار أصبح الآن ضيّقاً عليه؛ لأنّ المذهبية -شئنا أم أبينا- متفشِّية في العراق؟

 

الجعفريّ: ليست المشكلة في المذهبيات، والانتماء المذهبيّ، والانتماء الفكريّ، وحتى إسقاطاته الاجتماعية على الناس، ولا مشكلتنا أيضاً بوجود طوائف، إنما مشكلتنا بالتعصُّب الطائفيّ الذي يجعل المنتمي لأبناء هذا المذهب هو إسقاطاته الطائفية لطائفته، فيخاصم، ويُقصي أبناء الطوائف الأخرى، وهذه ليست ناشئة من الفكرة، بل ناشئة من فهم الفكرة، ومثلما نعاني في الإسلام من فهم الإسلام، فهناك من يقول: ما الدين إلا القتل.

هذا إشكال في التديُّن لا الدين.

الدين، أو المذهب لا يقول لك: اقتل أبناء المذهب الآخر، ولو كان فمن أين جاءت نسبة الـ 26% مصاهرة بين السنة والشيعة.

الفكر يسمح لك أن تمتدّ إلى الآخر، والحزب عندما يعطي نظرية يدوّر فيها المخزون الفكريّ إلى التطبيق ينجح.

 

- هل حزب الدعوة سائر على الطريق الصحيح؟

 

الجعفريّ: كحزب ونظرية أتبناها، فهو حزب صحيح، وقدّم سيلاً من الشهداء.

 

- لا تقُل لي: لا تحكم من الأشخاص؛ لأننا -شئنا، أم أبينا- نحكم على الأشخاص؟

 

الجعفريّ: أنا لا أختزل حديثي عن الأحزاب من خلال الأفراد.

 

- أنا أعني على الحزب الذي تربّيت عليه، وأفنيتَ شبابك في العمل لأجله.. كيف تراه الآن ونحن في عام 2012؟

 

الجعفريّ: أنا عندي ملاحظات، ولا يُراد لهذه القضية جدول من اللوغاريتمات أو مكرسكوب.. ماذا يعني -مثلاً- أن أتخذ الموقف الأخير في المؤتمر؟

يعني وجود اختلاف، لكن نصيحتي لمن يختلفون أن يتعاملوا بنفس الطريقة، ولا يتعاملوا بطريقة أنا إما مؤمن بك 100%، أو صديقك 100%، أو عدوك 100%، هذا الكلام في مجال التنظير.

في العمل الحركيّ الإسلاميّ هذا غير مسموح به. أنا أعتقد أنه يوجد ملاحظات، والإنسان حُرّ، وحين ينتهج نظرية ما في العمل لخدمة الإسلام فالنظريات تتعدّد، والله -تبارك وتعالى- خلقنا مختلفين، يقول في القرآن الكريم: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) [العنكبوت : 69]، ولم يقـُل (سبيلنا) وهذا يعني أنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.

(السُبُل) تعني أن هناك حركات إسلامية في طول وعرض العالم الإسلاميّ، فهل نستطيع الآن أن نعمّم الحكم حزب ما أو دولة ما بأنها كلها خطأ..

لا نعتقد أنّ هذا الشيء صحيح فالأفكار تتدوّر، وتتطوّر، وكذا النظريات.. هذا شيء طبيعيّ جداً.

 

- أعني نهج حزب الدعوة في الخط الذي تقوده أنت.. برأيك هل هو الأصحّ؟

 

الجعفريّ: الخط الذي كنتُ أتكلم فيه، وأكتب فيه، وأنظر فيه، وأربّي عليه، وتربّيت عليه سابقاً عن الموجود فيما بعد أنا أختلف، لكنّ ذلك لا يعني حدّاً فاصلاً بين الحقّ والباطل.. ليس بهذا الشكل، لديّ ملاحظات، ورأيت من المصلحة أن أجمّد هذا الوضع.

 

- أين أبرز ملاحظاتك التي أخذتها على الناس الذين غادرتهم، وعلى أفراد حزب الدعوة؟

 

الجعفريّ: توجد ملاحظات وصلت إلى من يعنيه الأمر، وأما أن أتوسّل الأمانة، وأبقى فيها حتى مع من أختلف معهم، فما أسمح للخلاف بيني وبين أحد أن يجعلني مأزوماً بدرجة أتقيّأ الملاحظات التي على هذا وعلى ذاك، نعم.. أنا لا أصارح في العلن، وأحفظ السرّ، وهذا ليس لغتين.

 

- تيارك اسمه (تيار الإصلاح) إلا أنّ حزب الدعوة بحاجة إلى إصلاح، والناس الذين رفضوا الإصلاح هم مخطئون، وإذا بقيت مُصِراً على عدم الإفصاح عن هذه الأشياء فالناس ستأخذ بالتأويل بأنك شعرتَ بنوع من الإحباط، أو الغبن الذي أصابك بعد مؤتمر حزب الدعوة؛ فخرجت منفرداً بتيار الإصلاح؟

 

الجعفريّ: لم يكن هناك غبن شخصيّ بالنسبة إليّ، واسمي في المقدّمة، ولم يغبني أحد، ولكن أنظر إلى المصلحة العامة، والنظرية التي أنا مُؤتمَن عليها، فلم أجد من الحكمة أن أتواصل بهذا الشكل، وأقول -بصراحة-: أنا أخبرت بأنّ هناك ملاحظات؛ لذا لا أستطيع مع هذه الملاحظات، وهذه يجب أن تُصحَّح.. هذه كانت وجهة نظري، أمّا أن تقول لي: لماذا؟

أنا أنتقد الكثيرين الذين يختلفون، ولا يُجيدون فنّ التعامل، عندما تختلف عليك أن تميّز بين المصلحة العامة والقضايا الأخرى، أنا اختلفت مع الإخوان، وكنت أميناً عمّا لديّ؛ لكن حتى يكونوا على بيّنة من طبيعة الملاحظات فقد بيّنتها بأنّ هناك ملاحظات، وهي ليست تنظيمية بالمعنى الدقيّق إذا ترابطت حلقات التنظيم في الهيكل التنظيميّ لتصل من القاعدة، وتنتهي إلى قمّة الهرم التنظيميّ، ليس بهذا المعنى، إنما بمعنى أنها تدخل في السياسات العامة وطريقة التعامل في التنظيرات التفصيلية في الدعوة. أنا أختلف معك، لكني أعتبر حزب الدعوة قدّم في التاريخ، ولايزال يقدّم، يكفيك هذا العدد الهائل من الشهداء النوعيين الذي قدّمه.

 

-  في هذا المؤتمر اختير السيد المالكي لرئاسة الوزراء، والمؤتمر كرّس هذه القيادة للسيد المالكي في الحزب أيضاً.. هناك من يقول: هذا الجمع بين القيادتين: (قيادة الحزب، وقيادة الدولة) غير جائز.. هل هذه واحدة من المسائل التي أثير حولها الخلاف أم لا؟

 

الجعفريّ: أولاً الحزب ليس هو مَن قرّر أن يكون الأخ المالكي رئيس الوزراء. هذه عملية سياسية كانت خارج الحزب بعدما حصل ما حصل من خلاف معي، وتجمّعت مجموعة قوى من الائتلاف الوطنيّ خارج حزب الدعوة، حزب الدعوة كان مؤيداً لوجودي في رئاسة الوزراء.. قوى سياسية أخرى خارج الائتلاف الوطنيّ، ساعدتها قوى أميركية على تجاوز هذه الحالة، فأصبح لابدّ من التخلّي عن رئاسة الوزراء، ولم أخضع لضغط أبداً، لكن كنت لا أريد أن يقترن اسمي بشيء اسمه أزمة، وهذا شيء لا يشرّفني، وألقيتُ خطاباً سمّوه فيما بعد (إعادة الأمانة) قلت: إنّ هذه الأمانة التي حمّلها لي الائتلاف العراقيّ الموحَّد أعيدها إليه، ولينظر ماذا يرى.

هذه نقطة، وفي المقابل فاتحتني جهات متعدّدة على نيابة رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس الأمن السياسيّ، ورفضت، وقلت: أنتم لا تقرّرون لي هذا الشيء من يقرّر هو شعبي، وحين قبلت رئاسة الوزراء؛ فلأني جئت بالانتخابات، ولا يسعني إلا البرلمان، وأنا أعود إلى البرلمان كعضو برلمانيّ؛ لأنّ الشعب اختارني، أما أن يأتي شخص، ويقول لي: نعطيك بالمقابل شيئاً آخر، ووجدوا أنّ موقع رئاسة الوزراء يبقى فارغاً، فأصبح الكلام عن من ترشّح من داخل حزب الدعوة.

هذا ليس له علاقة بالمؤتمر، أما في داخل المؤتمر فقد أصبحت انتخابات كانت لي ملاحظات على مُجمَلها، وقلتها قبل الانتخابات أيضاً.

 

- هل عندك تحفُّظات على التصويت؟

 

الجعفريّ: واحدة من الملاحظات هي التصويت، فما كنت مقتنعاً بهذه الطريقة، وأخبرت الإخوان وهم يعرفون، ووجدت نفسي أمام خيارين: أن أستمرّ بشيء غير مقتنع به، وهذا يسبّب لي إشكالاً، ولا أفعله، والخيار الآخر أن أوقف نفسي عن هذه القضية، فاخترت الخيار الثاني، وبقيت سنة كاملة تقريباً في 31/5/2008 أعلنت عن تيار الإصلاح الوطنيّ، وأنا متشبِّع بنظرية العمل الجماعيّ؛ من أجل العراق، ولا ينتهي تكليفي لكوني جمَّدتُ نفسي من هذا.

 

- ألم يكن ردّ فعل، وتحسّ بأنك أصبحت في الخط الثاني؟

 

الجعفريّ: لا.. لم يكن هذا الهاجس. أولاً الذي يتمنى أن يكون قائداً ليس قائداً، والذي يعمل من أجل أن يكون قائداً ليس قائداً، القائد لا يأتي بقرار شخصيّ من عنده يفرزه الواقع.. هذا ليس قائداً إنما هذا هوس قياديّ؛ لذا فمن اعتلى مِنصّة القيادة في العالم، وأتت به موازنات يصير رئيساً، والرئيس له دوره، أما القائد فمَلَكة قبل أن يكون رئيساً.

 

- حين قرّرتَ أن تغادر حزب الدعوة ألم يخطر في بالك أن هذا قد يُضعِف حزب الدعوة، أو يُضرّكم الاثنين المغادِر والمغادَر منه؟

 

الجعفري: لذا فالشيء الذي عملته أولاً أني ما أعلنت عن أيّ كيان إنما بقيت، وكان ممكناً أن تطول أكثر، ثانياً حتى الكيان لم أسمِّه حزباً أو دعوة، ولا سمّيته إسلامية؛ حتى لا يُفهَم منه، ولا يُشَمُّ منه رائحة انشقاق؛ لأنّ هذا يُضعِف، وأنا من الذين لا يشرّفهم أن يقرنوا أسماءهم بالانشقاقات، فلم أسمِّه حزباً، ولا دعوة، ولا إسلامية إنما سمّيته تيار الإصلاح الوطنيّ، وهو هوية قائمة بذاتها.

 

- هو خروج من الدعوة؟

الجعفري: هو ليس ديناً، وهل إذا خرج إنسان من حزب يعني أنه خرج من الدين، الحزب نظرية عمل، وقادة الدعوة الذين سبقوني، ومنهم السيد محمد باقر الصدر -قدس الله نفسه- الذي أسَّس الدعوة ما بقي في الدعوة، وكثير من القياديين وصلوا مراتب عليا في العلم والتصدّي الفكريّ، ومنهم: السيد محمد حسين فضل الله، والشيخ شمس الدين، والسيد مهدي الحكيم، والسيد باقر الحكيم كلهم كانوا في حزب الدعوة، وكذا السيد مرتضى العسكري.. ماذا يعني خروج هؤلاء؟

يعني الخروج من جوّ تنظيريّ بنظرية أخرى، ولا يعني الخروج من جوّ حميميّ أخويّ إلى جوّ عدوانيّ.. كما أرجو أن تفهم ما تعني عندي هذه المصطلحات، وأذكّرك بمقولة هيغل حين يناقش أحداً يقول له: حدّد لي مصطلحك.

لم أشعر أني كنت مع إخوة، والآن تحوّلوا إلى أعداء -قدر تعلّق الأمر بي-؛ لذا ارجعْ إلى ندواتي بما فيها التي كانت على قناة الشرقية.

 

- ليسوا أعداء، ولكنهم منافسون؟

 

الجعفريّ: التنافس مبدأ قرآنيّ: ((ختامها مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)).

 

- هل تنافسك مع حزب الدعوة مثل تنافسك مع الحزب الإسلاميّ في الانتخابات؟

 

الجعفريّ: الوقت الذي أعطيه للحالة الوطنية العامة، وللتحالف الوطنيّ، وللتقريب بين التحالفات الكردية والسنية والشيعية لو أعطيته لتيار الإصلاح الوطنيّ لأصبح على غير ما هو عليه.

أنا أفكّر بقدري، لا أفكّر بقدر الآخرين، فربما قدر الآخرين أن يحسب كم مقعد يكسب، هذا قدره هو، وأحترمه.

 

- أريد أن أرجع إلى مرحلة سابقة.. اختيارك لقيادة الدعوة كان وفق أيّ أساس.. هل انتخابات، أم شورى، أم أيّ شيء؟

 

الجعفريّ: أما الاسم فهو (ناطق رسميّ باسم حزب الدعوة)، القيادة عندنا بالانتخاب والتصويت، لتقرّر مَن يكون ناطقاً رسمياً، وقد عُرضت عليّ في أول الثمانينات، وكنت عندها شاباً قبل 32 سنة.

 

- ناطق رسميّ، وليس أميناً عامّاً للدعوة؟

 

الجعفريّ: لا يوجد أمين عامّ في الدعوة إلى ذاك الوقت، وما كان شيء اسمه أمين عامّ.

 

 

- بعد 2003 كيف تكرّست قيادتك للدعوة؟

 

الجعفريّ: من الناحية الميدانية حين ذهبتُ إلى أوروبا كنت أمارس دوري كناطق رسميّ، وعادة أمثّل الدعوة، وحين رجعت إلى العراق كنت أمثّل الدعوة وخطاب الدعوة وأتعامل مع الآخرين باسم الدعوة، وفي المؤتمرات التي أقيمت عندما قرّرت موقف الرفض وعدم الحضور كان هذا تصدّياً.

 

- أعني ككيان دخل في الانتخابات لينافس، تحت أيّ عنوان كنت؟

 

الجعفريّ: مفوّضية الانتخابات تريد اسم رئيس الحزب، أو الأمين العام، وقد رفضت بضرس قاطع أن أعطي هكذا توقيع، والجماعة جاؤوني، وتحديداً الأخ حسن السنيد وهو عضو في المكتب السياسيّ، قال: الوقت ضاق، ونحن الوحيدون، ويجب أن نوقّع رئيس الحزب أو الأمانة العامة، قلت له: أنا لا أوقّع، أنا ناطق رسميّ، هذه الأسماء -مع احترامي- لها لا تشرّفني؛ لأنّ الاسم قد ينسحب مني غداً أو بعد غد فينتهي شرفي بانتهاء الاسم.

أنا لستُ بهذا الشكل، فذهب، وأتى بتوقيع الإخوة في القيادة، قد لا يكون بالإجماع؛ لأن الوقت كان ضيّقاً جداً، لكني رأيت أغلبية التواقيع تؤكّد على أن يكون عنواني رئيس الحزب أو الأمين العام.

 

- ماذا تغيّر في هذه السنوات، وعندما يُعاد الانتخاب، لم يتم انتخابك؟

 

الجعفريّ: هذا إحدى الملابسات -بدون أن تسألني عن التفصيل؛ لأني لن أجيبك- لا يوجد انتخاب، ولا يوجد أحد لم ينتخبني، هذا كلام ليس دقيقاً.

 

- كان هناك تصويت؟

 

الجعفريّ: هذه إحدى الملاحظات على التصويت الذي جرى، لكن هذا الكلام غير صحيح.

 

- تزكية؟

 

الجعفري: لا.لا.. عندهم طريقة أخرى صارت ملابسة في التصويت، واختلطت القيادة، أو الشورى، أو التقييمية، أو الأمانة، اختلطت بطريقة من الطرق، وحدث ما حدث، لكن -على العموم- أحبّ أن أقول لك، أنا أبلغت بملاحظاتي قبل فرز النتائج، وحين جاءت الورقة، وفيها نتائج قلبتها على وجهها أمام الشخص الذي أتاني بالرسالة من لجنة فرز الانتخابات قبل أن أرى ما فيها.

أنا كنت متحفظاً على سير الانتخابات قبل أن أرى النتائج.

 

- كنت تعرف النتيجة؟

 

الجعفري: لا.لا.. لم أعرف النتيجة؛ حتى لا يقال: إنّ الملاحظة وموقفي تفرّعا عن النتيجة، الملاحظات سجّلتها في المؤتمر.

 

- تحفُّظك ليس لأمور تنظيمية فحسب، وإنما لأمور تخصّ منهج حزب الدعوة؟

 

الجعفريّ: ما حدث لا نعني به أنه قضية تصدع بالدين.

 

- أنت قلتَ: كلّ حزب بحاجة إلى مراجعة فأنت عندما شعرت أنهم بحاجة إلى مراجعة توحي أنّ الآخرين لم يؤيّدوك في قضية المراجعة.. هل هذا السبب هو الذي أدّى إلى اختلافك معهم؟

 

الجعفري: أنا ما تحوّلت إلى داعية ملاحظات، لكن من يطلع على ملاحظاتي كان يؤيدني، ولم أرَ نفسي في هذا الظرف وهذه المرحلة، ونحن الآن أمام فرصة عمل أن أتحوّل إلى داعية خلافات، ولا يشرّفني؛ لذا آثرت عدم البوح بها، وفي اليوم الذي لا أقتنع سأبوح بها، ولن يقف أمامي أحد؛ لأني لا أعرف الخوف من أحد.

 

- هل عدم البوح هو للحفاظ على حزب الدعوة؟

 

الجعفري: ليس على الدعوة فقط، أنا أدافع عن إسلاميتي، وهل تعلم أني كنتُ عضواً في المجلس الأعلى بصفة رئيس المكتب التنفيذيّ والهيئة التنفيذية منذ أن تشكّل إلى أن تركته باستثناء دورتين دورة رأسها السيد عبد العزيز الحكيم -رحمة الله عليه- والأخرى رأسها المهندس شهاب.

لديّ ملاحظات عليه، لكن لا تستطيع أن تُخرجها مني، نعم.. حين أجلس معهم، وأجد أن صدرهم يتسع: أقول لهم، لكن أن أتحوّل إلى داعية ملاحظات على المجلس الأعلى فلا أفعلها، ليس من ضعفي إنما أعتقد أنها قوة، وأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يسدّدني في ذلك.. لك عليّ حقّ أن أصارحك في حضورك، وأدافع عنك في غيابك.. هذه أخلاقي التي أخذتها من الإسلام، أنا لستُ علمانياً، فحين نقول: إننا إسلاميون فهذا يعني وجود استحقاقات في المنهجية.

 

- لا ضير في إخفائها؟

 

الجعفريّ: توجد حالات استثنائية، يقول الله -تعالى-: ((لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم))

أحيانا تقع على الإنسان ظلامة، لا ينفع معها إلا البوح، فيبوح لكن ليس الأصل الجهر بالسوء، أنا لا أرى هذه صحيحة.

لا شيء يعيقني عن التواصل مع الفكر الذي أحمله والإخوة الدعاة، والمجلس الأعلى، وبدر، والصدريين، ومع تنظيم العراق، والشرائح كافة.

الخلاف ليس سُبّة، لكن كيف نتعامل على الرغم من وجود الخلاف؟

هذا هو ما يميّز الإسلاميّ عن غيره، يوجد فكر يموّل بالموقف، ويمنع تجاوز الحدود.

 

- وهل عملك في التجارة منحك هذه القدرة؟

 

الجعفريّ: دخلتُ السوق وأنا طفل صغير، لكن مثلما درجت في السوق على التجارة فقد درجت بالثقافة على الإسلام، ثم درجت في السياسة على التعامل السياسيّ والتنظيم.

 

- حزب الدعوة الآن كوجود في الساحة السياسية العراقية هل هو حالة ناصعة، أو حالة مُشرِقة بشخوصه؟

 

الجعفري: إذا تكلمنا بالرياضيات فالجواب سيكون نعم أو لا، وإذا تكلمنا بالفهم الاجتماعيّ فليس كذلك.

لا تتوقع أن يكون الجواب رياضياً.

أنا أختلف مع المجلس، لكن يوجد توجد شخصيات محترمة، وقد أختلف مع الإخوة الصدريين لكن توجد شخصيات محترمة، وأختلف مع الفضيلة لكن يوجد أناس محترمون، وأختلف مع الدعاة ويوجد أناس محترمون، وما يُدريك لعل في تيار الإصلاح أناساً عليهم ملاحظات.

 

- هناك من يقول: إنّ الدعاة ابتعدوا عن هدفهم الرئيس في الدعوة إلى الثقافة الإسلامية، وانشغلوا بالهمّ الأكبر، وهو الحفاظ على المناصب والامتيازات الشخصية؟

 

الجعفريّ: أسألك سؤالاً: إذا أراد أن ينشغل بالدولة كنظام سياسيّ هل هذا يدخل في مصلحة الإسلام أم لا؟

أكيد يدخل في مصلحة الإسلام.

 

- ليس بالضرورة أن يكون في مصلحة الإسلام إذا كان كلّ الهمّ الحفاظ على المصالح الشخصية؟

 

الجعفريّ: عندنا رواية عن الإمام علي أمير المؤمنين -عليه السلام- يقول: (أول ما يتعطّل من الدين الدولة، وآخر ما يتعطّل من الدين الصلاة). نصيحتي لكلّ من لا يقبل أن يدخل السياسة، ولا يعطيها الأولوية بحجة أنه يصوم، ويصلي، وجالس في بيته فهو مشتبه، وليسمع صوت الإمام علي -عليه السلام-..

العبادة في الإسلام سياسة، والسياسة في الإسلام عبادة؛ وإذا كان لديهم ملاحظات فأنا أيضاً لديّ ملاحظات، أمّا أن ينشغل الداعية بأمور سياسية، أقول لك: إذا تسأل الدعاة: هل تقبل أن فلاناً صديقك منشغل الآن بهمّه وأمواله، وتارك الدين؟ سيقول لك: أنا أتبرّأ منه، هذا لا أحد يتفق معك عليه.

 

- إنما قصدت أن تتحوّل من الهمّ الدينيّ إلى الهمّ الدنيويّ؟

 

الجعفريّ: أرفضه، وهذا ليس فقط عند الدعاة، فلا ننزّه كلّ كيان من بعض أفراده.

 

- الأسباب المُوجبة لإعلان، أو إنشاء تيار الإصلاح.. ذكرتَ؛ حتى نفسح المجال لمزيد من التعدُّدية. هل نجح التيار في إنشاء، أو تكريس هذه التعدّدية، هل استطاع أن يستقطب من السنة؟

 

الجعفريّ: بالتأكيد. والآن كخطاب، وجسور، ولقاءات مستمرّة، مفهوم التيار يعني أن هناك إسقاطات فكرية، وتلقّيات اجتماعية، ولو لم يكن هناك إسقاط فكريّ حقيقيّ وصدق قيميّ ومصداقية لما كانت هذه التلقيات الممتازة.

ليكن في البال صارت هناك سوق مزايدات لعوامل داخلية وخارجية لمحاولة إفضاء الانتماء المذهبيّ إلى تعصُّب طائفيّ.

أقول: توجد دول اشتغلت لإيجاد حالة من الشرخ أو الشروخ بين السنة والشيعة، وواجهناها -الحمد لله- كما فعلنا في جسر الأئمة التي راح ضحيتها 1000 شهيد، ووزّعنا لعائلة كل شهيد عشرين ألف دولار، ولكني بحثت عن شخصية سنية واحدة، فجاء عثمان علي العبيديّ، اخترته حين كان الجوّ محموماً، وكانت الأزمة في شدّتها، والرابط بين الأعظمية والكاظمية جسر، والقضية ليست قضية جسر بين ضفتي دجلة بين حالة غالبيتها من الإخوة السنة (الأعظمية) وبين حالة شيعية (الكاظمية)، فلما أتى اسم عثمان العبيدي حوّلته إلى نشيد في الخطاب؛ حتى أدفع غائلة ردّ الفعل، وما يحدث من مردود سلبيّ.

القضية ليست رغبة حين عطّلت الحكومة ثلاثة أشهر إلى أن أتيت بسبعة وزراء من السنة، وكان منهم الأخ أسامة النجيفي، وعبد مطلك الجبوري، وسعدون الدليمي، والسيدة أزهار الشيخلي.

عندنا نمطية تعامل مع الإخوة السنة، وتلقيات من هذا القبيل فلا تسألني: كم واحداً أتى، ودخل معك الانتخابات، وفاز. هذه واحدة من مؤاخذاتي -للأسف- على بعض السياسيين إذ يحسبها بالحاسبة مقعداً مقعداً.

لا أعتقد أنّ هذا الربح هو الربح الحقيقيّ.

ارجع إلى كتيب (تيار الإصلاح الوطنيّ المنطلقات والأهداف) لم تجد فيه شرط أن يكون شيعياً، وهذا يعني أن تيار الإصلاح مفتوح للجميع، وبالفعل أتت الوفود، ونسّقت معي، وذهبت إلى مناطق شتى من العراق.

حين نقول: تعدّدية، فنحن صادقون.

 

- كتيار بقي أسير المذهبية؟

 

الجعفريّ: إذا قلتَ: توجد بعض الأجواء، نعم.. يوجد بعض الأشخاص -للأسف الشديد- يعيش عقدة الطائفية، ومن يعِش عقدة طائفية فهذا ليس كلام المُعطي إنما كلام المُتلقي.

إذا أراد أن يسرّني أحد باتجاهك، وجاءني بمعلومة غلط، وجعلني أنظر إليك من خلال زجاجة ملوّنة فهذا ليس ذنبك إنما ذنبي أني أراك من خلال هذا اللون.

 

- لماذا لم ترجع إلى اسمك الحقيقيّ؟

 

الجعفري: أنا لا أقول: (الجعفريّ) إنما أقول: (الأشيقر الجعفريّ) أمّا لماذا اخترت لقب (الجعفري)؛ فحتى أكون صادقاً -أنا أكره الكذب كره العمى- أنا إبراهيم الأشيقر، والجعفريّ ليس لقباً كاذباً، إنما رأيت أني شيعيّ جعفريّ، فاخترت لقب الجعفريّ.

 

- من يموّل تيار الإصلاح؟

 

الجعفري: التيار يأخذ أموالاً من مصادر أطمئنّ أنها أولاً نظيفة؛ لأنها ذات طابع علمائيّ، فهي أموال مقطوعة الطهارة والنزاهة، وثانياً غير مقرونة بإملاءات.

 

- هل تقصد بـ(العلمائية) المؤسّسة الدينية؟

 

الجعفريّ: بالمفهوم العامّ؛ حتى لا نقع بمشكلة، ونتحوّل إلى دعاة لتلك الجهة، كأيّ مؤسَّسة خيرية تأخذ أموالاً لا تستطيع أن تموّل ما لم تأخذ من مصادر، وتبرعات من هنا وهناك، وغير محكومة بإملاءات.

أعتقد أنّ الطعون تأتي إذا كانت المصادر بالنسبة إليّ غير مشروعة.

 

- لكنّ الذي يمنح أموالاً يمنحها (بإملاءات)؟

 

الجعفريّ: الأموال في الحالة الإسلامية تُعطى بلا شروط؛ إذن لا توجد لدينا أزمة، وفي الوقت نفسه لا نخضع إلى سياسة أحد.

 

- هل هو مؤسَّسات دينية من داخل العراق أم من الخارج؟

 

الجعفريّ: لا يوجد في الإسلام من الداخل أو الخارج، وحين أقول لك: منظومة أعني حالة إسلامية تتحرّك في إطار له عدة أضلاع، أهمّ أضلاعه المرجعية، والرجوع إلى المرجعيات ليس فيه مرجعية لدولة ما إنما هو تفاعل مع المكلفين.

 

- إذا وُضِع في المستقبل قانون للأحزاب، واشترط عدم وصول أموال -مثلاً- من جهات خارجية؟

 

الجعفريّ: عندما يفرض القانون هذا الشيء فنحن نتعامل معه، وإن كان هذا غير شرعيّ، إلا أننا نعتبره مشروعاً. أنا أفرّق بين الجانب الشرعيّ، وبين الجانب المشروعيّ.. في بعض الأحيان يُلزِم القانون بأشياء ليس لها أساس في الشرع، لكنّ القانون -على كلّ حال- قد يعرِّضك إلى إحراجات. مثلما أنت هنا أو في أيّ بلد من البلدان فليست مشكلة أن تكون القضية بهذا الشكل، والقانون سيؤمِّن جانباً آخر، وهو حقك بالدخول في الانتخابات.

 

- الجهات المُموِّلة قد لا تسمح لكم بالتحالف مع جهات علمانية؟

 

الجعفريّ: من وجهة نظري توجد علمانيتان: أنصحك أن تقرأ كتاب (ظاهرة الانتخابات). فيه شرح للعلمانية. توجد علمانية سانبول، وانتقلت إلى علمانية ميكافلي، ثم انتقلت إلى الحالة الفرنسية، وهم لا يعترفون بالدين، يؤمنون بالدنيوية ونفي الأخروية من حياة الإنسان، وهذا يعني أنّ هناك وجودية، وهناك وجودية كريكجارس  وهو قسّ متديّن.

العلمانية فيها علمانية إلحادية، تتجه نحو الكفر، وفيها علمانية معتدالة، وأنا عندي تحفظ حتى على الاعتدال.

 

- هل يتحالف تيار الإصلاح مع الحزب الشيوعيّ يوماً ما؟

 

الجعفريّ: نحن نختلف مع الحزب الشيوعيّ في الفكر، لكن حين يكون جزءاً من البرلمان فنحن نتعامل معه، وكذا حين يكون جزءاً من الحكومة، لكن لا نضلّله، ونضلّل غيره، فرأس مالنا الصدق.

نحن نختلف معه، ونتناقض معه بُعد المشرقين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق