-
سنة 1979 لم تكن سنة عادية على الشيعة في العالم، حيث أسقطت الثورة
الإسلامية نظام الشاه، وكانت الحوزة قد قادتها، وفي العراقي كان الإسلاميون
تحت وطأة الاعتقال.. ما الذي شكّله لديك انتصار الثورة الإسلامية في
إيران؟
الجعفري:
الثورة الإسلامية المباركة عام 1979 كانت صعقة إيجابية ورائعة، وترتـّبت
عليها آثار مفاجئة، اختلت بها توازنات إدارة الأحداث داخل العراق.
قبل
الثورة عام 1979 كانت الدعوة مهتمة، ويتكلمون بكلام نظريّ بإقامة دولة،
وتغيير وإقامة المجتمع الصالح، وتطبيق القرآن الكريم، وهناك من يُشكل على
التنظيم، وهناك من يتفق في الهدف بإقامة الدولة الإسلامية، لكنه لا يتفق
على النهج والطريقة التي تستخدمها، ومنهم من يُقرّ التنظيم، ويُشكل على حزب
الدعوة الإسلامية، وهناك نظام قمعيّ كان يحكم في العراق، ويريد أن يجتثّ
كل شيء مرتبط بالإسلام، وخاصة الإسلام السياسيّ.
- الإسلام السياسيّ الشيعيّ، أم كل الإسلام؟
الجعفري:
كل الإسلام، وقد بدأوا بإعدام السيد قطب، وقبله الشهيد حسن البنا، وعبد
القادر الحسيني الجزائري، وفي العراق عبد العزيز البدري، عندما اندلعت
الثورة كانت إيران موقع تقاطع وتلاقي المخابرات الدولية المختلفة، وفجأة
قامت دولة إسلامية، وهذه الدولة كانت سابقاً تحت أكبر معسكر في العالم، وهو
أميركا، وعلى حدود أكبر ثاني معسكر وهو الاتحاد السوفيتي، ومَن قاد الثورة
عمامة لا غبار، وشعب خرج إلى الشارع، وتحدّث بشعارات الثورة بطريقة
متحضّرة هذا كله وجه جديد مفاجئ لكل السياسيين، جعل بعض الذين كانوا إلى
الأمس القريب يُشكلون على الدعوة، وأهدافها، جعلهم يراجعون موقفهم، وكانوا
إيجابيين تجاه الدعوة، غير أن قسماً ليس بقليل بدأ يُشكل على منهج الدعوة،
ويقول ما الذي قدّموه لنا فهذه إيران وهذا الإمام الخميني - رحمة الله عليه
- عمل ما عمل، ويقولون: ما الذي عملوه لنا منذ عام 1957 إلى عام 1979، وهم
يتكلمون بالتغيير والمرحلية.
الدعوة
وجدت نفسها في حالة صعبة قد تصل إلى الحرج؛ لأن الشارع الذي كان يشكل إلى
الأمس القريب بعدم قناعته بإمكانية قيام الإسلام على مستوى الدولة، وبدأ
يتحرك، والذين كانوا يقفون ضد هذا الفكر بدأوا يتحركون بقوة إلى الأمام.
التهيئة
لفكر سياسيّ وممارسة سياسية يُراد له آلية مفاهيم، وترحيل، وما كان أمامها
إلا أن تواكب هذه الحالة، وبدأ الناس يطالبون بأن ما حصلت في إيران يمكن
أن يكون في العراق، ومع وجود السيد محمد باقر الصدر - قدس الله نفسه الزكية
- عندئذ بدأوا يفكرون بهذه الطريقة.
لقد
فـُوجئ العالم بقائد الثورة الإمام الخميني - رحمة الله عليه -، ولم
يكونوا يريدون أن يتكرّر الأمر في العراق، فكان السيد محمد باقر الصدر هو
الهدف، وكان الآليات التي تعبّئ الشارع وتـُنجح الثورة وهو حزب الدعوة،
فكانت الدعوة هي الهدف.
الثورة الإسلامية في إيران بهرت العالم بكل المعايير، فهي ثورة شعبية مسالمة.
- الثورة الثالثة في القرن العشرين بعد الثورة البلشفية؟
الجعفري:
الثورة البلشفية حدثت عام 1917، والثورة الصينية عام 1949، وهو مصطلح
سياسيّ يسمونها (الثورات الكبرى في التاريخ)، وهي خمس، لكن في القرن
العشرين ثلاثة، والثالثة هي الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.
إذا
رجعنا إلى أصل الثورات الكبرى في التاريخ، فالثورة الكبرى الأولى في
التاريخ، هي الثورة البريطانية 1677، والثورة الثانية هي الثورة الأميركية
1783، والثورة الثالثة، هي الثورة الفرنسية عام 1789، ثم جاءت الثورات
الثلاثة في القرن العشرين، فأصبحت إيران هي الثورة السادسة الكبرى في
العالم.
وحسناً
فعلت مادلين أولبرايت في كتابها (الجبروت والجبار) صفحة 47، حين تقول:
كانت المعلومات تأتينا بأن ما حصل في إيران هو أعمال شغب، وحين دققنا النظر
وجدنا هذه ثورة وليست شغباً، وإن هذه في مصافّ الثورة الفرنسية والثورة
الروسية.
ماذا تعني؟
ثورة
الإسلامية في إيران من الثورات الكبرى في التاريخ؛ لذأ أطلقتُ عليها مصطلح
(الثورة السادسة)، وربما يصدر كتاب عن مؤسسة دار الكتاب، أو مؤسسة بلادي
عن الثورة السادسة في التاريخ السياسيّ.
-
أقدم النظام على إعدام أعداد كبيرة واعتقالهم وتعذيبهم من الدعاة وحتى
المتدينين الذي لم يكن لهم انتماء سياسيّ لأجل إفراغ الساحة من العناصر
المؤثرة، ثم اتخذ قراراً بإعدام السيد محمد باقر الصدر.. هل خرجتَ قبل
إعدام السيد محمد باقر الصدر، أو قبل اعتقاله في الشهر الثاني عام 1980؟
الجعفري: في السابع من شباط عام 1980 وصلت إلى سورية، وكان عندي أحمد وليث، وليث لم يتم العام الأول، وأحمد لم يتم العام الرابع.
- هل كان اسم ليث من اختيارك؟
الجعفري: بالحوار مع أهلي. كان بودي أن أسمّيه (حيدر)، وسميته على اسم أخي علي، وبعدها سمّيناه (ليث)، وليث هو حيدرة.
- حين اتخذت قرار السفر هل كان الجواز رسمياً أم كان هناك منع؟
الجعفري:
كان عليه منع، لكن كانت هناك محاولة لتمرير وضعنا بالحدود، والله - تبارك
وتعالى - سدّدنا، ومررنا بهدوء عن طريق الحدود، وكادوا أن يكتشفوا أمرنا في
اللحظة الأخيرة، ثم
- الحمد لله - أصبحت في سورية يوم الثامن من شباط، وبقيت فيها ثلاثين يوماً، ثم اتجهنا إلى إيران.
-
هل كان قرار الذهاب إلى إيران بتأثير من الثورة الإسلامية، وأحسست أنه
المكان الطبيعي لشخص يحمل فكراً إسلامياً، والفكرة التي يؤمن بها قد تحققت؟
الجعفري:
حين ذهبت إلى سورية لم أكن قاطعاً أن أذهب إلى إيران، لكني درست الخيارات
الممكنة، وجاءتني المناشدة من خُلـَّص إخواني وأصدقائي الذي سبقوني في
الذهاب إلى إيران، يشيرون عليّ بضرورة المجيء إلى إيران، واحد منهم اسمه
الدكتور محمد صادق، وتفضّل بمبادرة منه، فذهب، وفاتح الخارجية الإيرانية،
وأرسلوا فيزا، فقلت: سأتجه إلى إيران بعد أن أغلقت الدول العربية الأبواب،
ولم تتقبّلنا بسهولة، وكانت أوروبا صعبة أيضاً، فذهبت إلى إيران، وقضيت 11
سنة من 8/3/1980 إلى اليوم الذي دخل فيه صدام إلى الكويت في آب 1991.
- دخلتَ إلى إيران، وأنت تحمل شهادة طب، هل مارست هذه الاختصاص؟
الجعفري:
لم أذهب بعنوان أن أعمل طبيباً، وإنما أبحث عن أفضل الفرص؛ لأواصل عملي في
الوضع العراقيّ، وبقيت شهراً واحداً في طهران، وبعده اتجهت إلى الأهواز،
ودخلت في معسكر الأهواز، وعملت في الجهاد، وكان مؤسسة اسمها (مؤسسة الجهاد
والبناء) لمدة شهر، ثم امتدت إلى شهرين؛ لأفهم طبيعة المجتمع الإيرانيّ،
وما لم تدخل في المؤسسة لا تستطيع أن تفهمها.
أردتُ
أن أفهم الثورة، وأفهم الشعب الإيراني، وزوجتي (أم أحمد) عملت في مستشفى
اسمه (مستشفى الرازي)، وبعدها ألحّ عليّ صديق مسؤول كبير، وناشدني أن أتولى
إدارة مستشفى من كبرى مستشفياتهم على الحدود بين عبادان – وخرمنشاه، فقبلت
على مضض، وتذكرت وصية السيد الصدر - رحمة الله عليه - الذي كلفني بهذه
القضية، فتصديت لإدارة المستشفى ذلك الوقت في عام 1980، ولاأزال شاباً
صغيراً، والمستشفى ضخم، وتوليت إدارته، وعمري كان 33 سنة.
- هل حملت السلاح، أعني هل كنت طبيباً مقاتلاً؟
الجعفري:
حملت السلاح، ولم يفارقني حتى خرجت من إيران؛ لأن كان هناك استهداف، وأنا
على الحدود في المستشفى، والدفاع عن النفس عمل واجب، فمن الطبيعيّ أن
أتسلح، وكان السلاح معي دائماً.
- هل كانت العيشة ميسورة؟
الجعفري:
الأطفال كانوا صغاراً فأحمد لم يتمّ الرابعة، وليث لم يتمّ سنته الأولى،
أما بالنسبة إلى الأهل فزوجتي وبنت أخي كانتا منسجمتين مع الحالة التي كنتُ
عليها، ولم أكن أفرض عليهما؛ لذا كنت منسجماً مع أفكاري ومع عواطفي ومع
أسرتي، وهم منسجمون مع عواطفهم وأسرتهم، واتجهنا إلى هناك، وما كانوا يجدون
ثمة حرج أو مضايقة عندما كنت أعيش في تلك الحالة.
ولطالما
كانت تسمع الدكتورة حديث بأن الدكتور ذاهب إلى عبادان في الوقت الذي هجرها
أهلها، وتركوها، فكانت تجيبهم، وتقول: هو أعرف بتحديد التكليف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق