25/9/2015
- نود السؤال عن العلاقات العراقيّة الإيرانيّة بشكل خاص وكيف يمكنك أن تراها من خلال موقعكم كوزير خارجيّة؟
الدكتور إبراهيم الجعفريّ: في البداية أرحب بكم جميعاّ ونشكر السيد نيغروبونتي على هذه الفرصة وأن نستمع لكم ونتحدث معكم مباشرة، وتعود علاقتي مع السيد نيغروبونتي إلى عام 2004 عندما كان سفيراً للولايات المُتحدة الأميركيّة في العراق.. أما عن العلاقات العراقيّة الإيرانيّة تحكمها الحقائق التاريخيّة وحقائق الجغرافيّة، إيران بلد يحادد العراق جغرافياً من الشرق وليس بقرار من العراق أن تكون إيران جيراننا.. حقيقة جغرافية لانستطيع أن نبدلها وهناك حدود بين العراق وبين إيران أكثر من 1000 كيلو متر.. وهناك حقائق التاريخ وتناقل مجتمعيّ عبر مراحل التاريخ المختلفة بين بلاد فارس والعراق، هناك أيضاً مصالح متبادلة هذا العنصر الثالث الذي يحكم العلاقات العراقيّة الإيرانيّة وهناك بعض روافد أنهار العراق تأتي من إيران، وهناك حقائق مجتمعيّة الغالبيّة العظمى من المجتمع الإيراني هم من المسلمين الشيعة ويوجد غالبية من المسلمين الشيعة يتواجدون في العراق ولكن ليس بذلك الحجم الكبير الموجود في إيران هذه أيضاً تشكل حالة من الروافد.. فاستحقاقات التاريخ والجغرافية والمصادر الحيوية والمصالح المتبادلة والآن أضيف شيئاً جديداً اسمه الخطر المشترك وهو الإرهاب، بعض هذه الحقائق تتشابه مثل ما تتشابه بيننا وبين إيران تتشابه بيننا وبين تركيا..
العراق محكوم بجوار جغرافيّ مُتعدِّد. ستّ دُول مُتعدِّدة الخلفيّات: إيران دولة ولاية الفقيه، وتركيا ليبراليّة إسلاميّة، والسعوديّة ملكيّة، والكويت أميريّة، وسورية جمهوريّة، ويجب على العراق أن يتعاطى مع هذه الدول المُختلِفة، ونحن لا نستطيع أن نـُبدِّل الجغرافية، لكننا نستطيع أن نـُكيِّف الديمغرافية والسكان، ونتعامل بالسياسة.
وكانت فلسفتنا في الخارجيّة عام 2015 أن نبني علاقات مع دول الحوض الجغرافيِّ المُحيط بالعراق، وكذلك مع دول العالم الأخرى على أساس القطبيّة الثنائيّة المُنفصِلة عن المحاور: العراق وإيران، والعراق وتركيا، والعراق والكويت، والعراق والسعوديّة، والعراق والأردن، والعراق وسورية. تقع إيران شرق العراق، وتقع السعوديّة غرب العراق، وبينهما ضُمُور في العلاقة، وبعض التوتر. نحن الآن لدينا علاقة جيِّدة، وقويّة مع إيران، ولدينا علاقة مع السعوديّة، كما نتمتـَّع بعلاقات جيِّدة مع تركيا، وعلاقات جيِّدة مع سورية؛ لذا وضعنا ضمن الاستراتيجيّة الدبلوماسيّة العراقـيّة الجديدة إقامة العلاقات الثنائيّة مع كلِّ دولة مُستقِلـّة عن الدول الأخرى، ولا ندخل محاور.
على هذا الأساس فإنَّ الخارجيّة العراقـيّة في هذا المكان في نيويورك العام الماضي عندما تسلـَّمت وزارة الخارجيّة، وقبل فترة جـِئتُ إلى نيويورك، وقبل أن أدخل إلى بناية وزارة الخارجيّة تعاملتُ مع المَهمّة الدبلوماسيّة، وشاء القدر أن أبدأ في جدّة، ومن جدّة إلى باريس، ومن باريس إلى نيويورك، وبعدها عِدّة دول، ومضت سنة على هذه الاستراتيجيّة.
العراق كبلد عربيّ فيه أكراد كقوميّة ثانية، وفيه آشوريّون، وإذا كان هناك ثمة تشابُه في الغالبيّة النسبيّة في العراق للشيعة، والغالبيّة العظمى لشيعة إيران فذلك لا يعني أنَّ التشيُّع فارسيّ، بل إنَّ التشيُّع عربيّ، وأنتم تعرفون لماذا يُسمَّى الشيعة شيعة؛ لأنـَّهم شيعة علي بن أبي طالب، وعلي كان عربيّاً، وعاصمته الكوفة، وليس أصفهان، ولا شيراز، ولا طهران. التشيُّع دخل إلى إيران في القرن السابع، أي: قبل فترة قصيرة، أمَّا العراق فقبل 1400 سنة الشيعة موجودون فيه، والعراق ليس انعكاساً لإرادة إيرانيّة، ولا انعكاساً لإرادة أميركيّة، نعم.. لدينا علاقات جيِّدة مع إيران كما تـُوجَد لدينا علاقات جيِّدة مع بقيّة الدول، ولكن يُوجَد فرق بين أن نتعامل بثقة مع هذه الدولة، وتلك الدولة سواء كانت إقليميّة، أم دوليّة، ولن نكون صدى لصوت هذه الدولة أو تلك الدولة، ولا نسمح بخرق السيادة، ورهن الإرادة العراقـيّة بأيّة دولة.. هذا شي لا يكون، ولن يكون.
العراقيون يحترمون الجوار، ويحترمون دول العالم، ومُواطِنوهم يتواجدون في كلِّ دول العالم، ونحن كأطباء كنا في بريطانيا من 3500 إلى 4000 طبيب عراقيّ، ولكنَّ هذا لا يعني أنـَّنا تحوَّلنا من جنسيَّـتنا إلى جنسيّة أخرى.. العراقـيّون يعتزُّون بعراقـيّتهم، ويعتزون بخُصُوصيَّاتهم، لكنَّ الاستحقاق الجغرافيَّ يقتضي أن نتعامل مع إيران مثلما نتعامل مع الدول المُجاورة الأخرى، ومنها: الكويت، وسورية، والأردن، وتركيا، والسعوديّة.
العلاقة بيننا وبين دول العالم تقوم على أساس علاقة دولة، وليست علاقة حكومة؛ لأنَّ الحكومة مُؤسَّسة من مُؤسَّسات الدولة، نحن نـُقيم علاقتنا مع أميركا على أساس دولة الولايات المُتحِدة الأميركيّة، فهي منذ عام 1775، وتعاقب على حكمها حوالى 45 رئيساً، لكنها ثابتة جغرافيّاً، وثابتة ديمغرافيّاً؛ لذا نـُثبِّت العلاقة على أساس الدول.
شعبنا ينظر إلى دول العالم بعين المَحبّة، ونتمنـَّى الخير لكلِّ هذه الدول.. عندما تعرَّضت أميركا في11 أيلول/سبتمبر 2001 إلى قصف نيويورك، وواشنطن تعاطفنا معها؛ لأنـَّه كان هُجُوماً على شعب، وخسرت أميركا أكثر من 3000 شخص كلـُّهم مدنيّون. هل تعرفون كم خسرت أميركا في (بيرل هاربر)؟ خسرت أقلَّ من عشرة من المدنيِّين، بينما خسرت في الهُجُوم الإرهابيِّ في 2001أكثر من 3000 شخص. هذا هو الفرق بين الهُجُوم الإرهابيِّ، والحُرُوب المُنظـَّمة، نعم.. خسِرَت أميركا في الحرب العالميّة الثانية أكثر من 300 شخص، ولكنها خسرت في نيويورك من المدنيِّين عدداً كبيراً.. هذا هو خطر الإرهاب.. تعاطفنا معها، وكتبتُ في وقتها مقالاً تعاطـُفاً مع هذه الحالة التي حصلت، وتـُرجـِمَ إلى اللغة الإنكليزيّة.
نحن نعتقد أنَّ الأمّة الأميركيّة أمّة تـُحِبُّ السلام، ومُجتمَع مُتنوِّع، واستطاعت أن تـُغيِّر التنوُّع في المُجتمَع الأميركيِّ إلى عنصر قوة، وتـُشكـِّل منهم منظومة تتعايش، وتتبادل الثقافات فيما بينها.. ليس لدينا حقد، أو كراهية لكلِّ مُجتمَعات العالم، وننظر إليها بكلِّ مَحبّة، ونتمنى لها كلَّ الخير.
أنا أعدُّ مجيء مُلوَّن (باراك أوباما) لرئاسة أميركا انتصاراً لأميركا من الناحية الحضاريّة، وقفزة نوعيّة في الحضارة الأميركيّة، وكذا وجود السيِّدات مادلين أولبرايت، وكونداليزا رايس، وهيلاري كلنيتون تطوُّر حضاريّ في الوضع الأميركيِّ؛ لأنـَّها استطاعت أن تتجاوز عُقـَد الماضي. فإلى 1917 إلى زمن نلسن أوَّل مرّة يسمح الدستور بالتصويت للمرأة، وأوَّل مرّة تـُمارِس حقَّ التصويت هذا شيء جيِّد.
- ما حدث في كلٍّ من العراق وسورية أعتقد أنَّ هناك صدمة كبيرة في هذا البلد قبل سنة ونصف ما يُسمَّى الدولة الإسلاميّة بدأت بتحقيق تقدُّم كبير في كلٍّ من العراق كسقوط الموصل، وتكريت، والفلوجة.. كيف ترى بالمنظور المُستقبَليَّ للعراق في التعامُل مع ما يُسمَّى الدولة الإسلاميّة، وما تعليقاتكم على الوضع الحاليِّ في سورية؟
الدكتور إبراهيم الجعفريّ: الإرهاب المُعاصِر بدأ هنا في أميركا. أوَّل اعتداء إرهابيٍّ مُعاصِر أخذ صفة مُعولـَمة هو الهُجُوم عام 2001 في نيويورك وواشنطن. هذا كان تاريخ الإرهاب المُعاصِر في القرن الحادي والعشرين، وبعد ذلك انتقل من أميركا إلى أوروبا، ومن أوروبا إلى جنوب شرق آسيا، ومنه إلى آسيا، وجاء إلى أفغانستان، ثم عبر إلى الشام، ومنه إلى العراق.
هذا العاصف الإرهابيُّ جاءنا من هذا المكان.
الإرهاب يستهدفنا كلـَّنا. قـُلتُ في عام 2004: إنَّ الإرهاب لا أرض له، ولا وطن له، ولا دين له، ولا مذهب له. من الخطأ أن نتصوَّر أنَّ الإرهاب آسيويّ، أو أفريقيّ، أو أميركيّ، أو أستراليّ، أو أيّ بلد آخر. الإرهاب حالة شاذة يُمكِن أن تـُمنـّى بها كلُّ بلدان العالم. فعندما استقرَّ الإرهاب في الشام كنا نتوقـَّع قبل خمس سنوات أنـَّه سينتقل إلى العراق، وانتقل إلى العراق، وهذا لم يكـُن يحتاج إلى جدول لوغاريتمات، ولا يحتاج إلى مِجْهَر. التداخـُل المُجتمَعيُّ بين سورية والعراق، والتجاور الجغرافيّ سيجعل من السهل أن يقرأ أيُّ شخص أنَّ ما حَصَلَ اليوم في سورية سينتقل غداً إلى العراق، فعندما كنا نحذر، وندعو إلى حلِّ المُشكِلة في سورية ليس فقط لاستحقاق الجوار والجغرافية، وإنقاذ سورية، وإنما لإنقاذ العراق أيضاً.
الإرهاب سيبقى مرهوناً بطريقة تعامُل العالم معه؛ لذا استخدمتُ مصطلح الحرب العالميّة الثالثة في عام 2006، وقلتُ: هذه حرب عالميّة ثالثة. كيف نـُقرِّر أنَّ هذه الحرب عالميّة، أو غير عالميّة؟
أنا أشكُّ أنَّ الحرب الأولى كانت عالميّة، وكذا الثانية؛ لأنَّ بعض البلدان لم تحضر ومنها أميركا التي لم تكن داخلة في الحرب لولا حماقة اليابان.
إذا أخذنا مفهوم العالميّة على أساس المساحات القارّيّة فحرب الإرهاب عالميّة؛ لأنـَّها في كلِّ القارّات، وإذا أخذنا مفهوم العالميّة على أساس الشرائح الاجتماعيّة فكلُّ الشرائح الاجتماعيّة بلا استثناء مُستهدَفة من قِبَل الإرهاب، وإذا أخذنا الإنسان الذي يُستهدَف بالقتل من أيِّ دين، ومن أيِّ مذهب، ومن أيّة منطقة فكلُّ الشرائح بلا استثناء حتى الطفل الذي عمره يومان سجَّل في العراق ارتـُكِبت بحقـِّه جريمة.
هذه هي الحرب العالميّة الحقيقيّة الثالثة، وتلك كانت حرباً أوروبيّة-أوروبيّة، ولم تكـُن حرباً عالميّة، بينما نحن الآن نعيش حرباً عالميّة ثالثة بامتياز. كلُّ دول العالم بلا استثناء، نعم.. هي ليست حرباً ذريّة، ولكنَّ العالميّة لا تعني نوع السلاح، بل تعني الجُناة المُجرمين وتعني الضحايا. عندما يكون الجُناة من كلِّ دول العالم، والضحايا من كلِّ دول العالم فهذه حرب عالميّة؛ لذا على العالم كلـِّه أن يضع هذه القضيّة بعين الاعتبار، ويقف وقفة حقيقـيّة، ومسؤولة.
قـُلتُ هذا الكلام في نيويوك في مجلس الأمن العامَ الماضيَ، واستمعت له دول العالم، والتقيتُ بأكثر من 50 وزير خارجيّة في العام الماضي هنا في نيويورك، وكنتُ سعيداً عندما سمعتُ منهم جميعاً بأنـَّهم لن يتركوا العراق وحده، وأقرّوا بأنَّ عناصر داعش في العراق ينتمون في ذلك الوقت إلى أكثر من 80 دولة، والآن بلغ عددهم 92 دولة في العالم، منهم مَن ينتمون إلى ديمقراطيّات العالم الغربيِّ من أميركا، وكندا، وأستراليا، وبريطانيا، وفرنسا، وكلّ دول العالم حتى الصين، نعم.. نحن لا نحكم على هذه الدول من خلال هؤلاء الشُذاذ، بل نحكم على هذه الدول من خلال برلماناتها، وثقافتها، وتاريخها، وفنونها، ومواقفها الإنسانيّة، ولكن يجب أن تقف إلى جانب العراق، وتبعث رسالة إلى الشعب العراقيِّ، وشُعُوب المنطقة بأنَّ هؤلاء الشُذاذ لا يُمثـِّلوننا، والذي يُمثـِّل بلداننا هو حقوق الإنسان، والوقوف إلى جانبكم، ودعمكم، والمُشارَكة معكم في مُواجَهة الإرهاب.
طلبنا منهم مُساعَدات سوى شيء واحد لم نطلبه، وهو: لا نـُريد لأبنائكم أن يأتوا إلى العراق، ويُحارِبوا بدلاً عن أبنائنا. أغلى شيء هو الدم. نحن نـُعطي هذا الدم في الدفاع عن بلدنا، ولكننا بحاجة إلى إسنادكم عسكريّاً على مُستوى الغطاء الجوّيّ، وأجهزة نقل معلومات، وخدميّاً، وإنسانيّاً.. كان لدينا العام الماضي مليون وأربعمائة ألف مُواطِن عراقيّ نزحوا من الموصل إلى مناطق أخرى بعضهم إلى كردستان، وبعضهم الآخر ذهبوا إلى الوسط والجنوب، والآن وصل العدد إلى مليوني نازح، وبعضهم هاجروا من داخل العراق إلى خارج العراق. كنا نتطلع، ولانزال أن يقف العالم إلى جانب الشعب العراقيِّ في هذه المحنة.
ما لم يقف العالم معاً في مُواجَهة الإرهاب الذي رُبّما ينتهي في العراق، لكنه سينتقل إلى بلدان أخرى..
نصيحتي لكلِّ بلد بلا استثناء: لا يتصوَّر أنـَّه في مأمن من الإرهابيِّين.. هذه خلايا نائمة قد تتحرَّك في أيِّ وقت، ولا تستثني أحداً.. هذا الذي عنده استعداد لأن يقتل طفلاً عمره سنتان، وعمره يومان يقتله بدم بارد ماذا تتوقع من هؤلاء.. هؤلاء تعبير عن ثقافة؛ لذا طرحنا في الأسبوع الماضي مشروعاً عراقـيّاً في مُؤتمَر الخارجيّة العرب بعد حوار طويل صوَّت عليه، وهو تجريم الفكر التكفيريّ، ونتمنـَّى أن يشقَّ طريقه إلى الأمم المُتحِدة.
- ذكرتم أنـَّكم تحتاجون إلى القوة، ودعم القوة الجوّيّة، ودعم الأسلحة، ولكن يبدو لي أنَّ السؤال هو: كيف ننظر إلى ذلك، وكيف نـُحدِّد، ونعرف النتائج؟ العالم مُربَك جدّاً؟
الدكتور إبراهيم الجعفريّ: بالنسبة إلى القوّة الجوّيّة نحن مُحتاجون إليها بشرط أن تبتعد عن الأهداف المَدَنيّة، وتـُنسِّق مع القوات العراقـيّة. وفعلاً دخلت قوات التحالف الأجواء العراقـيّة بالتنسيق مع القوات المُسلـَّحة العراقـيّة، وضربت بعض الأهداف غير أنَّ الوتيرة ترتفع وتنخفض بين فترة وأخرى.
أتمنى أن تكون ذات وتيرة مُرتفِعة، ومُستوى أعلى؛ لأنـَّها تـُؤثـِّر بدرجة كبيرة. وللعلم نحن نحتاج الغطاء الجوّيَّ؛ لأنَّ العدوَّ الداعشيَّ يستخدم أساليب وحشيّة كبيرة من استخدام الشاحنات المُفخَّخة، ومادة (تي أن تي)، وتقوم بتفخيخ بُيُوت المُواطِنين، وجعلهم دُرُوعاً بشريّة. هم يعرفون أنَّ القوات العراقـيّة المُسلـَّحة إذا أرادت أن تقتحم منطقة تتحاشى المناطق الآهله بالسُكـّان، وفي مثل هذه المُلابَسات، والأجواء يلعب الغطاء الجوّيّ دوراً حاسماً في توجيه بوصلة المعركة لصالح الشعب العراقيِّ، والقوات المُسلـَّحة العراقـيّة، والآن حققت القوات المُسلـَّحة العراقيّة انتصارات على الأرض ليست قليلة، وزحفت من جنوب بغداد بين الحلة وكربلاء منطقة جرف الصخر، وأبعدت الإرهابيِّين عن بغداد، وعن ديالى، وعن بلد، وعن سامراء، واتجهت بهم نحو الشمال، وتراجعوا إلى مناطق قرب الموصل، وكانت الانتصارات لصالح القوات العراقية، وتضافرت بها جُهُود القوات العراقـيّة بكلِّ مجاميعها، ولعبت قوات التحالف الدوليِّ دوراً مُهـِمّاً في إسناد القوات العراقـيّة.
- الطائرات الروسيّة التي تنقل الأسلحة اليوم إلى القاعدة الجوّيّة في سورية من خلال الأجواء العراقـيّة، والإيرانيّة، وبلغاريا أغلقت مجالها الجوّيَّ أما الطائرات الروسيّة، ووزارة الخارجيّة الأميركيّة تسأل: لماذا قام العراق بالسماح للطائرات الروسيّة بالطيران لسورية، ومن خلال مجاله الجوّيّ، هل إنَّ روسيا ستقوم بدعم إيجابيٍّ في الصراع السوريِّ، ومجموعة صغيرة من الضُبّاط الروس الآن في بغداد. ما دورهم في بغداد؟
الدكتور إبراهيم الجعفريّ: روسيا تلعب دوراً في فضِّ النزاع، وتخفيف الأزمة في سورية، ونحن مع تخفيف الأزمة في سورية، وأعتقد أنَّ الأزمة لا تتجزَّأ، والأزمة التي تكون في سورية ستـُفرِّخ أزمات في مناطق أخرى.. من تفريخات الأزمة السوريّة الأزمة في البحرين، والأزمة في العراق، والأزمة في تونس، والأزمة في مصر. كلها نشأت ابتداءً في الأرض السوريّة. القاعدة وُلِدَت من رحم أفغانستان، ثم سورية، وجبهة النصرة، وداعش في سورية، واحتمال يأتي الجيل الرابع بعد داعش يكون أشدَّ خطراً من هذه يُولـَد -أيضاً- في سورية؛ إذن سورية بهذا الجوِّ الموجودة فيه هي ليست من صالح الشعب السوريِّ، وهي من صالح الإرهاب، فكنا نقول منذ البداية بضرورة حلِّ المُشكِلة سياسيّاً، وقد مَضَت الآن خمس سنوات في سورية، والنظام موجود، والشعب يعيش بين مطرقة القوات المُسلـَّحة السوريّة، وسندان المُعارَضة المُسلـَّحة. ما الذي استفادوه من هذه، والآن دخل في السنة الخامسة.
أمّا عن تواجُد خبراء رُوس في العراق فأنا لا أعرف المصدر الذي موَّلك بهذه المعلومات، ولكن قدر تعلق الأمر بي وإلى هذا اليوم الذي لا تـُوجَد عندي معلومات بأنَّ خبراء روساً جاؤوا إلى العراق للتنسيق.
- إسرائيل حدث مُهـِمٌّ جدّاً للولايات المُتحِدة، والقائد الأعلى لإيران نادى، ودعا لتدمير إسرائيل.. إسرائيل تشارك قلقها من الإرهاب الدوليِّ، ما رأيكم أن تبدأ حكومتكم بمُبادَرة دبلوماسيّة لبدء الحوار بين إيران وإسرائيل؟
الدكتور إبراهيم الجعفريّ: من ثوابتنا السياسيّة التي هي أكبر من الحجم الدبلوماسيِّ هو عدم التدخـُّل في شُؤُون الدول، وأنت تعرف أنَّ ملفَّ فلسطين، وما ترتبت عليه ملفّ مُعقـَّد، وساخن، وقديم، والعراق لديه موقف ثابت، وهو احترام الشُعُوب، واحترام الدول التي ترعى خـُصُوصيّات شُعُوبها. نحن لا نتدخـَّل في هذا الأمر مثلما لم نتدخـَّل في شُؤُون الدول الأخرى التي أزماتها أخفُّ من هذه الأزمة.
- قلتَ: إنَّ القوات العراقـيّة تفوز، لكنَّ الأخبار تقول: إنَّ القوات العراقـيّة توقـّفت. الرمادي لم تـُحرَّر بعدُ، وكيف ستـُحرَّر الموصل، وهل هو قرار عراقيّ، أم قرار إيرانيّ بأنَّ إيران يجب أن تـُقرِّر بأن تـُدافِعَ عن الشيعة، وأنـَّها لا يُمكِن أن تـُوفـِّر الكثير من الموارد لهزيمة داعش في مناطق سُنـّـيّة أخرى؟
الدكتور إبراهيم الجعفريّ: أمّا عن التوقـُّف في الرمادي فهذه حرب، والحرب كما تقول العرب: كـَرٌّ وفـَرٌّ. تتقدَّم وتتوقـَّف، وقد تتأخـَّر. أنا تكلمتُ عن الحركة الإجماليّة إذا عقدنا مُقارَنة بين ما نحن عليه الآن على الأرض عمّا كنا عليه العام الماضي عندما كانت داعش بين الحلة وكربلاء جنوب بغداد، والآن انسحبوا من جرف الصخر، وانسحبوا من الإسحاقيّ، وانسحبوا من منطقة حمرين، ومن بلد، وانسحبوا من كثير من المناطق، حتى من بعض مناطق الفلوجة، وتكريت لصالح القوات المُسلـَّحة العراقـيّة بمُكوِّناتها المُختلِفة من الجيش، والبيشمركة، والحشد الشعبيّ الذي انخرط تحت القوات المُسلـَّحة، وأبناء العشائر العراقـيّة. تـُوجَد الآن حالة استنفار جماهيريّ تـُضاف إلى القوات المُسلـَّحة العراقـيّة في مُواجَهة خطر داعش.
أمّا إيران فالعراق ليس جزءاً من إيران، ولا ولاية إيرانية، وليس أرضاً لإيران، نعم.. نحن نـُقدِّر حرص إيران، وحرص تركيا، وحرص كلِّ دول الجوار الجغرافيِّ على أن لا ينتقل الإرهاب، وتشتعل نيرانه من داخل العراق، وتنتقل إليها مثلما انتقلت من الشام إلى العراق.. عندما يحترق بيت جارك تتحرَّك لإطفائه؛ لسببين السبب الأوَّل كجار، وله حقٌّ عليك، والسبب الثاني أنَّ النار لا تـُفرِّق، ولا يحجزها سياج.. عندما تكون هناك حالة مُستعِرة من الإرهاب في العراق تـُوجـِد قلقاً عند الكويت، والسعوديّة، وتركيا، وإيران..
إيران لا تـُقرِّر شيئاً عن العراق، ولا تـُحوِّل العراق إلى ميدان صراع إيراني.
نحن نتقـبَّل مُساعَدات من إيران كما تقـبَّلناها من أميركا، ومن أوروبا، ومن مُختلِف مناطق العالم، وطالبناهم، وأرسلت مُستشارين، ولدينا الآن عدد كبير من المُستشارين من الولايات المُتحِدة الأميركيّة، وأستراليا، وغيرها من البلدان يُقدِّمون استشارات على مُستوى عالٍ، ونحن بحاجة لها؛ لأنَّ هذه الدول سبقتنا في تجارب الحُرُوب، وتعرف كيف تـُدير الحرب. العراق قد لا تكون لديه مثل هذه التجربة.
غير هذا لا يُوجَد شيء. وإيران لا تـُقرِّر، وليس لها الحقّ أن تـُقرِّر أموراً تخصُّ العراق.. نتقـبَّل مُساعَدة، ولكن لا نتقـبَّل التدخـُّل. هذا موقفنا ثابت ليس مع إيران فقط، بل مع كلِّ دول العالم.
- كيف ترى مُستقبَل الكرد في العراق، وفي الدول المُجاوِرة؟
الدكتور إبراهيم الجعفريّ: الكرد أمّة موجودة عمليّاً في خمسة بلدان: العراق، وسورية، وتركيا، وإيران، وبعض مناطق جمهوريّات الاتحاد السوفيتيّ، وهم أمّة لها تاريخها، ولها أدبها، ولها فكرها، ولها تضحياتها.
هم اليوم في العراق يُساهِمون مُساهَمة فعّالة، وطرف أساسيّ، وفاعل في العمليّة السياسيّة، وكانوا في المُعارَضة، وقدَّموا تضحيات في حلبجة، وفي الأنفال إذ استخدم صدّام الكيمياويّ في حلبجة. والعالم كـُلـُّـه -للأسف الشديد- أصابه الخرس، ولم يتكلم. الكرد الآن انتقلوا من المُعارَضة كشريك إلى الحكم أيضاً كشريك. الآن رئيس جمهوريّتنا كرديّ استمراراً لرئيس جمهوريـّتنا السابق الذي كان كرديّاً، وهما صديقان لي الأخ جلال، والأخ فؤاد معصوم، كما يتواجد الأكراد في مرافق أساسيّة في الحكومة.
أنت تنتمي إلى أكبر بلد فدراليّ في العالم، إذ لديكم خمسون ولاية في أميركا، وخمسون دستوراً محليّاً، وخمسون كونغرساً محليّاً، وخمسون رئيس ولاية، وخمسون عَلـَماً باستثناء تكساس تأخـّرت قليلاً في رفع العَلم المركزيِّ إلى جانب عَلم تكساس -أليس هذا صحيحاً؟- ثم قبلته.
في العراق الآن لدينا انفتاح حيث الكرديّ شريك أساسيّ في العمليّة السياسيّة، وموجود في البرلمان، وموجود في الوزارات، وموجود في رئاسة الجمهوريّة يُمثـِّل سيادة الدولة، وهم -بكلِّ تأكيد- أقلُّ حجماً، وأقلّ عدداً من العرب، ويُدرِكون ذلك، ويقولونها بثقة، إضافة إلى ذلك يتمتعون بحقِّ الإقليم، ويأخذون حُقوقاً به.
في الفترة الماضية حصل شيء من التأزُّم بين الحكومة المركزيّة الاتحاديّة وحكومة الإقليم، كان من ثوابت الحكومة الحاليّة ورقة الميثاق التي اتفقنا عليها، وهي عشرون نقطة نـُذلـِّل بها العقبات التي حصلت في التعامُل بين الحكومة المركزيّة الاتحاديّة وحكومة الإقليم. والآن أعتقد أنَّ الأزمة لم تكن بذلك الحجم.
أمّا عن مصير الأمّة الكرديّة فأنا أعتقد أنَّ هذا شيء تـُقرِّره الأمّة الكرديّة نفسها. ليس من حقي أن أتكلم نيابة عنها، ولكني كقارئ، وصديق لها أعتقد أنـَّها تتمتع بتجربة ناجحة في العراق، وأتمنى لدول العالم الأخرى أن تـُعطي الحقَّ للأكراد، وتتعامل معهم بنفس الطريقة التي يتعامَل بها الشعب العراقيّ بمُجمَله بكلِّ مُكوِّناته معهم.
- قرار غير مسبوق من لجنة الأمم المُتحِدة دعت الحكومة العراقـيّة لتشريع قانون لتأمين ملاجئ خاصة للذين يهربون من العنف من خلال مُنظمات المرأة، ووزارة المرأة.. سؤالي لكم: ماذا ستقوم به الحكومة العراقـيّة لتشجيع هذا القرار الشجاع لحماية النساء من أعمال داعش الوحشيّة ضدّها؟
الدكتور إبراهيم الجعفريّ: أشرتُ قبل قليل إلى أنَّ المُهاجـِرين العراقـيِّين عندما يلوذون سواء كان في داخل العراق كنازحين، أو خارج العراق كمُهاجرين لا يهربون من الحكومة مثلما نحن هربنا سابقاً من الحكومة؛ لأنَّ الحكومة بطشت بنا، وقتلت أعداداً كبيرة من عوائلنا. أنا جالس أمامك وعندي خمسة من عائلتي شهداء أعدمهم صدّام حسين، أمّا الذين يخرجون الآن فلا يخرجون من الحكومة، بل يخرجون من داعش، ومن الإرهاب من محافظة إلى محافظة كنازحين، ومن العراق إلى خارج العراق كلاجئين.
المُواطِن العراقيّ ابننا، ومُعبِّر عن إرادتنا الوطنيّة سواء تواجَدَ داخل العراق، أم ذهب إلى خارج العراق، وهو سفير العراق، ويتحدَّث بلا زيف إعلاميٍّ؛ لأنَّ الإعلام الآن ظلمنا.
المُواطِن العراقي عندما يخرج سينقل حقيقة الأشياء في العراق. إنـَّه هارب من الإرهاب.. هارب من الاضطهاد، وحرق الجثث، وغيرها مما يفعله داعش.
نحن نـُقدِّر الظروف التي يمرُّ بها العراق. مثلما تمرُّ بها دول أخرى، ونـُقدِّر المُبرِّرات التي تقف وراء هُرُوب هؤلاء. لعلكِ نظرتِ إلى صورة الطفل إيلان الكرديّ من سورية إلى جانب طفلين زينب وحيدر من العراق. ماذا يعني هرب الطفولة.. هل الطفولة سياسيّة.. هل الطفولة مُؤدلـَجة.. هل الطفولة مُعنصَرة قوميّاً؟!
الطفولة بطاقة تعريف أبلغ من أبلغ مقال في أشهر صحيفة في العالم.. هذا الطفل الذي كان نائماً على وجهه حتى يُسمِع العالم بأنـَّه ضحيّة الإرهاب؛ لذا عندما نـُناشِد العالم أن يرعوا هؤلاء المُهاجرين نـُناشِدهم أن يُشجِّعوهم على العودة في الوقت المُناسِب.
سمعتم بما حصل في سنجار وهي مدينة يسكنها الإيزيديّة قتلت داعش عدداً منهم، واعتدت على بعض النساء، وباعت بعض الأطفال.
نحن نـُرحِّب بدول العالم التي تحتضن هؤلاء، وستجد فيهم خُلقاً عالياً، واختصاصات مُتعدِّدة، وهم ليسوا هاربين من الفشل، ولا هاربين من الحكومات، وإنـَّما هربوا من ظلم داعش.
يجب أن يتحوَّل هؤلاء إلى أجراس خطر يُذكـِّرون العالم بأن يقفوا إلى جانب العراق حتى يسترجع مكانته التاريخيّة.
أنتم جغرافية قويّة في العالم. الأمّة الأميركيّة لديها اقتصاد قويّ، ولكن أعتقد أنـَّكم تتفقون معي بأنكم ليس لديكم تاريخ كتاريخ العراق نحن دولة منذ 6000 سنة 4000 سنة قبل ولادة السيِّد المسيح -عليه السلام- نحن بلد الحضارة التي شعَّت شمسها على العالم حين أشرقت من جنوب العراق.
هؤلاء يجب أن يعودوا، ولكن بلا ضغط.. الأمر متروك لهم، ولتقديرهم. ظاهرة الهجرة لم تعُد في العراق، ولم تنتهِ بالعراق.. أميركا بلد مُهاجرين، فنـُؤيِّد رعاية العراقـيِّين، والاهتمام بهم.
أمّا المرأة فنحن نهتمُّ بها اهتماماً خاصّاً، وعندي كتاب أتمنى أن أوفـَّق لأن أراه مُترجَماً إلى اللغة الإنكليزية عنوانه (المرأة معركة الهُويّة).
المرأة في العالم تـُعاني من معركة الهُويّة، وأقصد بها مُحارَبة كامرأة بغضِّ النظر عن دينها، واتجاهها السياسيِّ، ووطنها.
المرأة بما هي مرأة حُورِبت..
كلُّ بلدان العالم قدَّمت لنا المرأة قويّة بجمال البدن، واختزلوا جمالاتها بجمال واحد، وهذا الجمال لن يبقى إلى الأبد؛ لأنَّ المرأة ذات العشرين عاماً غير المرأة ذات الخمسين، والستين عاماً.. يقبلون الرجل بجمالات إضافيّة بجمال العقل، وجمال الأسلوب، وجمال الإرادة، لكنَّ المرأة اختزلوها بالبدن فقط، وهذه جناية المُجتمَع المُعاصِر، والمُجتمَع المَدَنيِّ على المرأة.
للمرأة جمالات مُتعدِّدة: العقل عندما تفكر، والإرادة عندما تتحرَّك، واختزلوها بشيء واحد.
المرأة العراقـيّة قدَّمت عدداً كبيراً من الشهيدات في المُعارَضة.