بسم الله الرحمن
الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة،
والسلام على رسوله، وآله الطيِّبين الطاهرين، وعلى صحبه المُنتجَبين، وجميع عباد
الله الصالحين..
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله
وبركاته..
في رحاب ذكرى ولادة رسول الله -صلى الله
عليه وآله- ولادة الحُبّ، والسِلم، والهدى، والنور.. هذا اليوم كان مُنعطَفاً في
تاريخ البشرية أرَّخ لمرحلة جديدة تنعطف فيها البشرية من التمزُّق إلى
الوحدة.
أنطلق في حديثي معكم من الآية القرآنية
الكريمة:
((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ
الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ
وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ))
الإيمان هو الحُبّ، الإيمان انطلاقة من
القلب حيث تتفجَّر معاني الحُبِّ قبل أن تنطلق من العقل على شكل مفاهيم؛ لذا لا
نستطيع أن نتصوَّر مُؤمِناً لا يكون قلبه مُفعَماً بالحُبّ، وهل الدين -كما تقول
الرواية الشريفة- إلا الحُبّ.
هذه المناسبة العزيزة - مؤتمر الوحدة
الإسلامية-، واقترانها بمولد الرسول -صلى الله عليه وآله- مُوفـَّقة إلى حدِّ كبير
بأنها ربطت بين رائد الوحدة، وبين ما يحتاجه العالم الإسلاميُّ اليوم في طوله
وعرضه.
رسول الله -صلى الله عليه وآله- منذ بداية
دعوته انطلق من الحُبِّ، وخاطب القلب قبل أن يخاطب العقل، يقول الله -تعالى-:
((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ
لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ
حَوْلِكَ))
انطلق رسول الله -صلى الله عليه وآله- من
قلبه، وهكذا علينا أن نتأسّى برسول الله، ونُحسِن عندما ننطلق كمُعطين أن يكون
المُعطى القلبيّ متقدِّماً على المُعطى العقليِّ؛ لأنَّ التلقّي القلبيَّ يتقدَّم
على التلقّي العقليِّ، فنحن نخاطب الناس قلوبهم قبل أن نخاطبهم عقولهم.. هكذا كان
رسول الله -صلى الله عليه وآله-.
لا يستطيع الفكر أن يتركَّز، ويمتدَّ دون
أن يكون القلب مُفعَماً بالحُبّ، ويُولَد من أواصر المَحبّة والمَودّة؛ لذا شدَّدت
الآيات القرآنية الكريمة على المَودّة، وصوَّر الغيب المُجرَّد في أقصى صوره بأن
يخاطب الله -تبارك وتعالى- عبده بلغة الحُبّ، يقول الله -تعالى-:
((الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا
لِلَّهِ))
خاطب الله -تبارك وتعالى- عشر فصائل في
القرآن الكريم بلغة المَحبّة، ومنها:
إنَّ الله يحبُّ المتوكِّلين، ويحبُّ
التوّابين، ويحبُّ المتطهِّرين، ويحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان
مرصوص.
هذا الحُبُّ ليس تعبيراً عن شهونة العقل،
إنما هو تعبير عن عقلنة الشهوة، عن عقلنة العاطفة؛ لذا حين يتقدَّم الحُبُّ يقدِّم
إليه الفكر مبرِّرات هذا الحُبِّ، ويضبط إيقاعاته.

نجد من التناقض أنَّ المشتركات الفكرية
بين المسلمين لا تقوى على أن تُوجِد بينهم المَحبّة، فأصبح العدو بالفكر صديقاً
بالتعامل، وأصبح الصديق بالفكر عدوّاً بالتعامل، وأصبحت الدول التي تخطِّط لتدمير
بلداننا صديقة في عُرف البعض، وأصبحت الدول الصديقة التي انطلقت تتفانى من أجل
قضايانا ومبادئنا تكرِّس لها أساطير، وتكرِّس لها أروقة الفكر، وتحاول أن تشوِّه
صورتها.
انطلق رسول الله -صلى الله عليه وآله-
ليخاطب الأبعد القوميّ، والأبعد الجغرافيّ بلغة المَحبّة؛ لا لشيء إلا لمشترك
فكريّ.
أين الأمّة الإسلامية من هذه الأخلاق؟ كيف
خاطب رسول الله -صلى الله عليه وآله- سلمان الفارسيّ بأنه سلمان المحمديّ، بقوله:
سلمان منا أهل البيت. وهو من بلدان فارس على الرغم من البُعد الجغرافيّ، والبُعد
القوميّ، والخلفية المجوسية، والخلفية النصرانية.
أين نحن من هذه القيم، أين نحن من القرآن
الكريم:
((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ))
كيف شاعت هذه الثقافة في أوساط العالم
الإسلاميّ، أين نحن من القرآن الكريم، ومن فهم الدين بطريقة
صحيحة:
((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ))
أين نحن من قول الله -تبارك وتعالى-:
((فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً
وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ))
أين مبدأ نفع الناس، فهم ينتظرون منا أن
نكرِّس ثرواتنا وخيراتنا لنفع مُطلَق الناس، هذا هو شعار الإسلام إذ انطلق من هذا
الثلاثي: ما قام الإسلام إلا على أخلاق محمد، وسيف عليّ، وأموال خديجة.. هذه القوة
الأمنية والاقتصادية والأخلاقية والفكرية هي التي جعلت الإسلام يدوم، وحوَّل العرب
من قِلّة قليلة لا يعرفهم أحد ينتشرون في العالم، والإسلام الذي انطلق من مختلف
أمصار العالم اليوم أكثر من مليار ونصف مُسلِم، ولم يعُد العرب إلا أقلّية في
هؤلاء.
كنا ننتظر بفارغ الصبر الربيع العربيّ،
كنا ننتظر الموقف التاريخيَّ، عُمَر المختار يظهر من جديد من ليبيا، وحسن البنا
وسيد قطب يتحرّكان من جديد من مصر، وكنا ننتظر عبد الكريم الخطابيّ يتحرَّك من
المغرب العربيِّ، وعبد القادر الحسينيّ الجزائريّ كلُّ هؤلاء القادة، وكلُّ الشهداء
ننتظرهم يتحرّكون من جديد، فجاء الفصل الرائع فصل الربيع العربيّ، وكنا نتوقّع أن
تعقب تلك الدكتاتوريات التي جاءت بعد زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، ومعمر
القذافي، وتأتي مُوحِّدة لعالمنا.
تأتي تبشِّر بالأخوّة الإسلامية، تنطلق
قرآنية المُنطلَق، وإنسانية الغاية، وإسلامية الهدف.. كنا ننتظر ساعة بعد أخرى أن
يشهد العالم فصلاً جديداً فصل ما بعد الفصل العربيّ، لكن - للأسف الشديد- تنتاب هذه
البلدان بعض الشوائب؛ لذا أوجّه لهم رسالة: إنَّ أهمية فصل الربيع العربيّ
والإسلاميّ تكمن في أن ينشر بشائر الوحدة، وهدف الوحدة، ومصداقية الوحدة، ويكرِّس
الثروات التي حبا الله -تبارك وتعالى- بها عالمنا
الإسلاميّ.
نحن أكثر من خمسين بلداً إسلامياً في
منطقة الشرق الأوسط، ونحن ملتقى القارّات الثلاث: (آسيا، وأفريقيا، وأوروبا)،
ونمتلك ثلثي احتياطيِّ نفط العالم، ولدينا ثروة معنوية هائلة، يقول (إستاف أبلون)
صاحب كتاب (الموسوعة الحضارية): لقد حسم المُسلِمون أمرهم في الحياة، واعتقدوا
بالآخرة بعد الدنيا؛ لذلك لا يخافون أحداً.
الشهيد عندنا يدخل مرحلة العُرس في حياته؛
لذا لا يخشى أحداً، وهذه الطاقات المعنوية، والفكرية، والسياسية، والاقتصادية
مُعطَّلة -للأسف الشديد-.
إخوتي الأعزاء أوروبا كانت مُمزَّقة حيث
حروب بين قوميات متعدِّدة، وديانات متعدِّدة، ومنها: حرب المائة عام بين فرنسا
وبريطانيا، وحرب الثلاثين عاماً بين الشمال والجنوب الألمانيين، والحرب العالمية
الأولى وهي حرب أوروبية، والحرب العالمية الثانية وهي حرب أوروبية أيضاً، وعلى
الرغم من كلِّ هذه الحروب، والاختلافات القومية، وكلِّ المصالح المتضاربة
والمتعارضة إلا أنهم انتهوا إلى الاتحاد الأوروبيّ؛ لأنهم عملوا بهذا الحديث
الشريف، فانطلقوا بوحدة اقتصادية جمعت اقتصادهم، وحَمَوا
أنفسهم.
يجب أن نعمل بالحديث الشريف، ونوحِّد
طاقاتنا، ونفجِّر ثرواتنا، ونتفقد بعضنا الآخر.
أودُّ أن أوجِّه كلمة من هنا إلى أبناء
شعبي العراقيّ البطل:
نحن مع مَطالب كلِّ أبناء شعبنا. الحكومة
في خدمة الشعب، والبرلمان في خدمة الشعب، والسلطة القضائية في خدمة الشعب، وكلُّ
شيء في خدمة الشعب..
نحن مع المَطالب المشروعة لأبناء شعبنا..
نحن مع التظاهرات، ونعتقد أنها تعبير عن الرأي العامّ الذي يختار الحكومة بصناديق
الاقتراع، وينتقد الحكومة عن طريق التظاهرات، لكننا نعوِّل على أبناء شعبنا بأن
يعوا الخطورة المُحدِقة بالتظاهرات، وأن لا تكون فرصة لاختراقات حزب البعث العميل،
والثقافة الصدّامية الجديدة التي تحاول أن تأتي مرة أخرى، وتنقضَّ على مُكتسَبات
شعبنا.
يجب أن يعي شعبنا هذه المَخاطر، ويقف
موقفاً واعياً وواضحاً وجريئاً وشجاعاً، ونحن مع كامل مطالب شعبنا من دون
تردُّد.
إخوتي الأعزاء.. أتمنى على مؤتمركم هذا أن
ينتهي إلى تحديد آلية معيَّنة تتهجّى النتائج بشكل دقيق، ولا ينبغي أن ينتهي هذا
اللقاء بانتهاء المؤتمر..
لابدَّ أن تترتّب نتائج على هذا اللقاء من
خلال مجموعة توصيات سواء كان على الصعيد الاجتماعيِّ في حفظ وحدة الصفِّ بين
المسلمين في كلِّ العالم الإسلاميِّ، أو توحيد المواقف السياسية، أو في استثمار
الثروات بكلِّ الجوانب، وأن تتولّى هذه الآلية متابعة أعمالها، ووظائفها، وأعمالها
بشكل دقيق ومستمرٍّ وحيوية كاملة؛ حتى يُؤتي ثماره، ولو بعد حين.
السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق