السبت، 11 نوفمبر 2017

الجعفريّ في ختام زيارته للدوحة: ليس شرفاً لنا أن نـُطوِّق أيّ بلد.. أيّ دولة عربيَّة تتعرَّض للحصار على البقـيَّة أن يحسبوا حسابهم اليوم أو غداً ستتهدَّد الدول الأخرى.. ما يجمعنا أكثر بكثير ممَّا يُفرِّقنا وقلنا: لا نقبل بأن تـُطوَّق أيَّ دولة



دول العالم أكاد أقول: لا تـُوجَد دولة في العالم إلا وفيها أزمة امتدَّت جغرافيّاً بآفاق الدول من دون استثناء، وتاريخيّاً بدأت منذ وطأ آدم -عليه السلام- بقدميه أديم الأرض جاءت المصائب معه، رُبْع العالم اغتال رُبْع العالم بحُضُور نصف العالم: هابيل، وقابيل، وآدم وحواء، قتل هابيل قابيل، وبدأ الصراع منذ اليوم الأوَّل، رُبْع العالم قتل رُبْع العالم بشهادة نصف آدم وحواء.. هذه هي الحقيقة المُرَّة، وتتكرَّر عمليَّة العراك، والصراع، والاقتتال، والتآمر على سطح الأرض، لا يُوجَد يوم تخلو الأرض من المشاكل، لكننا ينبغي أن نكون عنصراً يُغلـِّب عناصر الخير، ونـُطوِّق الشرَّ بأضيق دائرة مُمكِنة.. هذا نستطيع أن نفعله، أمَّا أن نجعل الأرض خالية من كلِّ مُشكِلة فهذا دعاء لا يُستجاب، وحلم لا يتحقق.
العالم اليوم اختلف عن قبل، فوَضْعُ المرأة اختلف نسبيّاً عن قبل، ووضع إرادة الشُعُوب اختلف عن قبل، وإن كان لايزال بعيداً عن مُستوى الطموح، لكنَّ العالم اليوم يتطوَّر، كنا بالأمس القريب نعاني، ولطالما كرَّرتُ في بعض خطبي أنَّ العراق في الوقت الذي يأتي بأكثر من 80 سيِّدة في البرلمان العراقيِّ يعيش إلى جواره بعض الدول لا تعترف بالمرأة، ولا تسمح لها أن تسوق سيارة.. هذا تقليد بائس موجود شئنا أم أبينا، لكنَّ العالم الآن بدأ يتطوَّر قليلاً قليلاً، ويتطلع، ويصنع شيئاً جديداً.
الإرهاب في العراق بدأ منذ زمن بعيد، وقد كُتِبَ على العراق أن يُعاني من بعض الحكومات، ومن بعض الطغاة الذين جثموا على صدره الحبيب، وأساؤوا له، أحد النماذج كان الحجاج بن يوسف الثقفيّ، وقبله، وقبله، وبعده، وكذلك كثير من دول العالم، لكنَّ ذروة الإرهاب بلغت -أنا أتكلم عن إرهاب الدولة، إرهاب الحكومة- في زمن المقبور صدام حسين، وكان العالم كلـُّه سادراً في نوم عميق عمَّا يجري في العراق، فلا يدري أنَّ الأكراد في العراق استـُخْدِمَ بحقهم الكيمياويِّ في حلبجة والأنفال، وفقدوا في حلبجة أربعة آلاف إلى خمسة آلاف شهيد فيهم أطفال، وفي الأنفال أضعاف هذا العدد، والثورة الشعبانيَّة التي حصلت عام 1991 فقدنا فيها  ثلاثمائة وخمسة وستين ألف شهيد بطريقة -في تقديري- كانت أخطر من هيروشيما وناكازاكي.
وقفت على أطلال هيروشيما، وكتبتُ من هناك رسالة اسمها (هيروشيما المُبتسِمة) أحسستُ كيف أنَّه في تلك الدقائق بلغت درجة الحرارة مليون درجة مئوية، فصهرت كلَّ ما فيها، لكنَّ عدد الذين قـُتِلوا فيها يتراوح بين 160 أو 170 ألف، أمَّا الثورة الشعبانيَّة فقد قـُتِلَ ثلاثمائة وخمسة وستون ألف إنسان؛ وباعتباري طبيباً فإنَّ الذرِّيَّ لا يُعطيك مجالاً لأن تـُفكّر، مليون درجة مئويَّة في أقلَّ من جزء الثانية ينتهي كلُّ شيء، لكن أن يُهال عليك التراب، وتراه أمامك، ويدك مشدودة من الخلف، وأنت في الحفرة، ويُهال عليك التراب، نساء، ورجال، وحوامل، وأطفال.. إلى الآن أتذكّر إحدى العوائل تبحث عن طفلها في مدينة كربلاء -وأنا من مدينة كربلاء- بعد فترة عثروا على ملابس بالية جاؤوا يُشخِّصون الولد، فقالت لهم أمُّ الولد: ابني كان في ثوبه كرات زجاجيَّة نحن في العراق نسمِّيها (دعبل)، فبحثوا وجدوا الدعابل في جيبه..
هؤلاء الذي استهدفهم صدام حسين بطل العُرُوبة، وحامي الأمة العربيَّة، والجناح الشرقيّ، هو هذا صدام حسين الذي قتل، وقتل، وقتل، ولم يعرف شيئاً إلا القتل، والعالم كلـُّه كان يرى بأمُّ عينيه، وأُصِيْبَ بالصمم، ولم يقف أحد إلى جانبنا، ولم يستنكر أحد، وما كنا نتمنى أن يحدث لغيرنا ما يحدث في العراق؛ لذا سنبقى نشهر أقلامنا، وكلَّ ما لدينا من إمكانيَّة لدعم أيِّ بلد مظلوم، وأيِّ بلد يتعرَّض لحصار؛ لأنـَّنا ذقنا ويلات الحصار، ونعرف ماذا يعني الحصار.
المجاميع الإرهابيَّة لم تأتِ منا فقط في الشرق الأوسط، فإذا قرأنا التاريخ بناءً على هذه الكلية التي قدَّمتها لكم، ورجعنا مثلاً إلى القرن السابع عشر 1618 إلى 1648 إذ بدأت حُرُوب طائفيَّة بين الكاثوليك والبروتستانت في ألمانيا سمَّوها حرب الـ30 عاماً، واكتسحت ألمانيا، ثم عبرت من الداخل الألمانيِّ إلى الخارج الألمانيِّ، فصارت أوروبيَّة قـُتِلَ فيها عدد كبير جدّاً، وجاء هيغل يكتب الدستور الألمانيَّ عام 1802 قال: صحيح أنه من 1648 إلى 1802 انتهت أكثر من مئة سنة، ولكن بقيت ويلات، وبصمات، وآثار حرب الـ30 عاماً لم تنتهِ.. نعم، تستطيع أن تـُؤرِّخ انتهاء الحرب، لكن لا تستطيع أن تـُؤرِّخ آثارها المُدمِّرة التي تنتقل عِبر الأجيال.
نحن نتعاطى معها وفق الثابت الوطنيِّ العراقيِّ والمُتغيِّر الإقليميِّ، نحن لدينا ثوابت نتمسَّك بها، ولا نتجاوزها، وإلى جانب هذا الثابت تـُوجَد مُتغيِّرات.. ما يجمعنا مع تركيا غير ما يجمعنا مع غيرها؛ لذا لا نشعر بوُجُود تناقض في نشر ظلِّ العلاقة بيننا وبين هذه الدول في الوقت الذي نعلم أنه يُوجَد تقاطع حادّ بين السعوديّة وإيران في وقت ما، لكننا أقمنا علاقة بينهم الاثنين، وما حدث ازدواج لدينا بالموقف، نحن نتكلم مع إيران كدولة جوار جغرافيّ، ونتكلم مع السعوديَّة كدولة جوار جغرافيّ، ونتكلم مع تركيا كدولة جوار جغرافيّ، ونتكلم مع سورية كدولة جوار جغرافيّ، ونعلم أنَّ الأربعة كلّ اثنين مُتحاربان مع بعض.. أنا غير مسؤول عن سبب احتراب هذه الدول، وإنما أنا مسؤول كيف أتعامل مع هؤلاء، إن لم أكن جزءاً من حلٍّ ففي الأقلّ أمتنع أن أكون جزءاً من مُشكِلة، أنا مشروع حلّ، ولستُ مشروع مُشكِلة.
العالم ينتظركم، الأجيال القادمة تنتظر مَن يُبحِر في هذه الفرص، والإمكانيّات؛ حتى يُوصِل هذه الأمّة إلى شاطئ الاستقرار -أنا لستُ داعية- أتشرَّف بكوني عربيّاً، لكني لا أؤدلج انتمائي إلى قوميّ، ولا أحد يُنافِسني على انتمائي لقوميَّتي، أنا ابن رسول الله القائل: أنا ليث العرب، وليث العرب مني، لكني أحبُّ كلَّ أمم العالم، وكلَّ لغات العالم، وأعشق اللغة العربيَّة، لكني ما حوَّلتـُها إلى فكر، وعقيدة، هي لغة بديعة، ولطيفة، لغة الثلاثة ملايين مُفرَدة، يكفينا شرفاً أنها لغة القرآن الكريم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق