الأحد، 7 أغسطس 2016

وزارة الخارجيّة العراقيّة تـُقيم حفلاً تكريميّاً للفريق الوطنيِّ المُفاوض الذي ساهم في ضمِّ الأهوار، والمواقع الأثريَّة على لائحة التراث العالميِّ لليونيسكو بمقرِّ الوزارة ببغداد

أقامت وزارة الخارجيّة العراقـيَّة حفلاً تكريميّاً للفريق الوطنيِّ المُفاوض الذي ساهم في ضمِّ الأهوار، والمواقع الأثريَّة على لائحة التراث العالميِّ لليونيسكو في مقرِّ الوزارة ببغداد، وتضمَّن الحفل كلمات أشادت بالجهود الوطنيَّة التي بُذِلت، وتكلـَّلت بالحصول على رعاية اليونيسكو لعدد من المواقع الأثريَّة العراقـيَّة.
وأكـَّد الدكتور الجعفريّ خلال كلمته: أنَّ جُهوداً مُكثـَّفة جبَّارة قد بُذِلت لتحقيق هذا الإنجاز، وأدرك أنَّ هناك شخصيّات قد لا نراها، ولا نسمع صوتها، لكنها فعلت فعلها خلف الستار من أجل أن نصل إلى ما وصلنا إليه، وهكذا يكون تعبير الجنديّ المجهول يُمكِن أن يُعمَّم على السياسيِّ المجهول، والإعلاميِّ المجهول، وليس فقط الجنديّ المجهول؛ لأنَّ المُبدِعين كـُثـُر، ورُبَّما لم تـُسلـَّط عليهم الأضواء.
مُشيراً إلى: أنَّ علينا أن لا نستهين بالإنجاز الذي حصل. كان العراق إلى حدِّ 2016 مُعرَّضاً للاندثار، بل حصل الاندثار في بعض الحالات، وتهدَّدت الأهوار عِدَّة مرَّات.
مُبيِّناً: أنَّ المواقع أصبحت تحت خيمة اليونسكو، فامِّن لها غطاء، وهذا جاء بفضل جُهُودكم سواء كانت الحكومة المحليَّة، أم مُؤسَّسات المُجتمَع المدنيِّ الوطنيَّة، أم كلّ العناصر الشريفة والنزيهة التي عملت.
مُشدِّداً بالقول: إنَّ تراثنا تراث إنتاج، وليس تراث ادِّعاءات، وما حصل ليس أمراً سهلاً لو لم تتضافر جُهُودكم، وقبل الجُهُود نيَّاتكم، وإخلاصكم، ووطنيتكم، ودأبكم المُتواصِل، وانشغالكم بما يعمر العراق، وابتعادكم عن ثقافة الصراخ، والادِّعاءات، والاستهلاك.
داعياً إلى أهمّية أن نـُركـِّز على التراث، ونفكر كيف نستثمره، وكيف نستقطب عُشَّاق السياحة في العالم، وكيف نجعل بوَّابة العراق إحدى البوَّابات الاقتصاديَّة.. إذا تطوَّرت السياحة فهي مورد جديد للاقتصاد.. مَن المُستفيد؟ العراقيُّ مُستفيد.. ماذا تتطلب؟ شوارع، وفنادق، ووسائط نقل جوّية، وبحريّة، وبرّية.. مَن المُستفيد؟ المُدُن ستعمر.
مُناشِداً الحكومة، ومجالس المحافظات، ومجلس النواب أن تنشغل ببناء العراق، وجعل الأولويَّة لبناء العراق سياسيّاً، وأمنيّاً، واقتصاديّاً، وتراثيّاً، وفنيّاً، ورياضيّاً. عندنا طاقات هائلة.
من جانبه أشاد رئيس اللجنة العليا لضمِّ المواقع الأثرية مُستشار رئيس الجمهوريَّة الدكتور قحطان الجبوريّ خلال كلمة ألقاها في الاحتفال بجُهُود كلِّ الوزارات بخاصّة وزارة الخارجيّة، وسفارات العراق في دول العالم المُختلِفة، والتي دعمت، وساهمت بشكل فاعل في حشد المُجتمَع الدوليِّ، وحثه على دعم طلب العراق بضمِّ عدد من مواقعه على لائحة التراث العالميِّ، مُشيراً إلى أنَّ وزارة الخارجيّة عوَّدتنا دائماً على تحقيق الإنجازات الكبيرة، والمساهمة الفاعلة في دعم التراث الحضاريِّ للعراق، واسترجاع العديد من الآثار من خلال جُهُودها الدبلوماسيَّة، مُبيِّناً: أنَّ جُهُود سفارة العراق في أنقرة، والاتصالات الهاتفيَّة التي أجراها الدكتور الجعفريّ كان لها الأثر الكبير في دعم التصويت على طلب العراق.
من جهته استعرض عضو اللجنة العليا لضمِّ المواقع الأثريَّة مُستشار وزير الخارجيّة الأستاذ إحسان العواديّ الجهود المُتميِّزة التي بذلتها كوادر الوزارة خلال الفترة الماضية بالتعاون مع الرئاسات الثلاث، واللجان المُختصَّة، ومجالس المحافظات، ووسائل الإعلام، والوطنيِّين كافة، مُوضِحاً: أنَّ وزارة الخارجيَّة استنفرت كلَّ طاقاتها من خلال الاتصالات المُباشِرة لوزير الخارجيَّة، واستثمار لقاءاته الثنائيَّة في المحافل الدوليَّة مع نظرائه الوزراء، وجهود سفارات العراق في دول العالم كافة في فتح الحوارات، والتعريف بأهمّية دعم هذا الملفِّ المُهمِّ إضافة إلى المعارض التي أقامتها الوزارة، وزيارة المواقع الأثريَّة التي نظمتها لسفراء العالم المُعتمَدين في العراق، كاشفاً: أنَّ تركيا رفضت مشروع ضمِّ المواقع العراقيّة حتى الساعات الأخيرة للتصويت، لكنَّ الاتصال الهاتفيَّ الذي أجراه الدكتور الجعفريّ مع نظيره التركيِّ كان سبباً رئيساً في تغيُّر الرفض التركيِّ، ودعم الملفِّ، والتصويت عليه.

مقتطفات من كلمة الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيّة العراقيّة في احتفالية تكريم الفريق الوطني المفاوض الذي ساهم بضم الأهوار والمواقع الأثرية على لائحة التراث العالمي لليونيسكو والتي أقامتها وزارة الخارجية
الجعفريّ: علينا أننا لا نكتفي بما حبانا الله -تبارك وتعالى- من هذه النِعَم والثروات في العراق من دون أن نـُحمِّل أنفسنا مسؤوليّة استثمار هذا التراث الضخم، ونـُحوِّل هذا التاريخ من خزين حضاريٍّ سابق إلى حاضر، ونعبر به من الماضي إلى الحاضر عبر المستقبل..
الجعفريّ: إنَّ جُهوداً مُكثـَّفة جبَّارة قد بُذِلت لتحقيق هذا الإنجاز وأدرك أنَّ هناك شخصيّات قد لا نراها، ولا نسمع صوتها، لكنها فعلت فعلها خلف الستار من أجل أن نصل إلى ما وصلنا إليه، وهكذا يكون تعبير الجنديّ المجهول يمكن أن يُعمَّم على السياسيِّ المجهول، والإعلاميِّ المجهول، وليس فقط الجنديّ المجهول؛ لأنَّ المُبدِعين كـُثـُر، ورُبَّما لم تـُسلـَّط عليهم الأضواء..
الجعفريّ: أدرك أنَّ هذا مُحصِّلة لجُهُود جبَّارة بُذِلت، وَعَرَق تفصَّد من جبين الكثير الذين عملوا. لا تستهينوا بالإنجاز الذي حصل. كان العراق إلى حدِّ 2016 مُعرَّضاً للاندثار، بل حصل الاندثار في بعض الحالات، وتهدَّدت الأهوار عِدَّة مرَّات..
الجعفريّ: -الحمد لله- الذي حصل أنها صارت تحت خيمة اليونسكو، فأمِّن لها غطاء، وهذا جاء بفضل جُهُودكم سواء كانت الحكومة المحليّة، ومُؤسَّسات المُجتمَع المدنيِّ الوطنيَّة، وكلّ العناصر الشريفة والنزيهة التي عملت..
الجعفريّ: تراثنا تراث إنتاج ليس تراث ادِّعاءات، وما حصل ليس أمراً سهلاً لو لم تتضافر جُهُودكم، وقبل الجُهُود نيَّاتكم، وإخلاصكم، ووطنيتكم، ودأبكم المُتواصِل، وانشغالكم بما يعمر العراق، وابتعادكم عن ثقافة الصراخ، والادِّعاءات، والاستهلاك..
الجعفريّ: تنتظركم مجموعة من المَهمَّات ليست قليلة، ولا تـُبنى إلا بالجُهُود المُخلِصة. اليوم شقَّ الخطاب العراقيّ طريقه إلى أروقة العالم، وأنا لا يهمُّني مَن الخطيب، بل يهمُّني أنَّ الخطاب يخرج إلى العالم، ويخترق هذه الحواجز التي فـُرِضَت عليه اليوم..
الجعفريّ: عندما نتحدَّث عن العراق في دول العالم لا نستطيع أن تتناول مُفرَدة حضاريَّة مُهمَّة مُعاصِرة إلا ويكون العراق في الصدارة، بل حتى في الإنجازات، بل في التحدِّيات. هو في خط التماسِّ الأوَّل في المُواجَهة مع الإرهاب، وخط القوة، والشجاعة لما حققه أبناؤنا المُقاتِلون في كلِّ منطقة، وفي كلِّ معركة من المعارك إلا ويحتلُّ العراق الصدارة لا ينبغي أن يبعث ذلك على الغرورـ بل كلما زاد مُنجَز الإنسان الكفوء، وزادت كفاءته زاد تواضعه..
الجعفريّ: لا ينبغي أن نكون خجولين عندما نتحدَّث بثقة من دون أن يتملـَّكنا الغرور، ونتحدَّث بمُستقبَل مُشرق من دون أن نقفز على الواقع، ونكون مُتفائِلين من دون أن يغزونا المُنى كما يقول أمير المُؤمِنين: "إياكم والمُنى فإنها بضائع الموتى"..
الجعفريّ: الواقع العراقيّ ينتظر سواعدكم مثلما أنجزتم شيئاً ليس قليلاً تنتظركم فرص أخرى تنجزون أكثر عدداً ورُبَّما يكون الأكثر أهمّية..
الجعفريّ: اقتصاد البلد بعد إلى الآن لم يرتقِ إلى مُستوى المسؤوليّة بكلِّ جوانبه، وأجنحته: (تجارة، وصناعة، وزراعة)، والمُجتمَع العراقيّ لايزال هو المُجتمَع الذي ورث الثروات الأغزر في العالم، لكنه يعيش الحالة الأفقر بين مُجتمَعات العالم.. هذه المُفارَقة يُراد لها مُناضِلون، وأناس يعقدون العزم على أن يتفانوا من أجل بلدهم، والذين يبنون بلدانهم لا يبنونها من خلال الادِّعاءات الإعلاميَّة، ولا من خلال الزيف، ولا من خلال تحقيق المصالح، ولا من خلال الفساد الذي تفشَّى..
الجعفريّ: صرخنا، وطالما صرخنا أنَّ الفساد تحوَّل إلى ثقافة، وأخطر شيء في الفساد عندما يتحوَّل إلى ثقافة..
الجعفريّ: كلُّ شيء من حولكم تعبير عن ثقافة. نبني جيلاً من المُضحِّين، جيلاً من المُبدِعين، جيلاً من المُؤثِرين على أنفسهم يجب أن تسبق هذه النمطيّات ثقافة..
الجعفريّ: العراق الجديد بُنِيَ على جماجم الأبطال في زنازين السُجُون، وما جاء هذا مجَّاناً، بل بقطار من التضحيات حتى يَصِلَ العراق إلى ما وصل إليه. أعتى دكتاتور حكم العراق 35 سنة لا تـُوجَد مُوبقة، وجريمة إلا فعلها، وقد وصل العراق إلى ضفة الحُرّية، والديمقراطيّة، والانتخابات المُتعدِّدة، والتداول السلميِّ للسلطة، وزجِّ المرأة في الخط الأوَّل، فتأتي في الحكومة الانتقالية بست سيِّدات إلى الوزارة. ما جاء اعتباطاً، بل تـُوجَد مبادئ، ومفاهيم، وإخلاص..
الجعفريّ: أمَّا اختطاف الثقافة باسم الثقافة فهذا لا ينبغي أن يكون؛ المثقف مُلتزم. أنا لا أستطيع أتصوَّر مُثقـَّفاً غير مُلتزم، ولا أستطيع أن أتصوَّر مُثقـَّفاً غير مُضحٍّ، ولا أفهم مُضحِّياً يضع حُدُوداً للتضحية، لا يُوجَد سقف مفتوح للموت، نعم ستموت، ولكن مُت مثقفاً مُلتزماً وشجاعاً ومُضحِّياً..
الجعفريّ: أنت ميِّت فمُت مثل النخلة وأنت واقف شامخ.. العراق مُحتاج أناساً مُضحِّين.. الذين ضحَّوا قبلنا من كلِّ الجهات، ومن كلِّ الديانات، ومن كلِّ المذاهب، ومن كلِّ القوميَّات، ومن كلِّ الاتجاهات السياسيَّة لسنا أحسن منهم..
الجعفريّ: نحن جالسون هنا ويُوجَد أناس من أبنائنا وأولادنا تركوا زوجاتهم، وتحوَّلن إلى أرامل، وآباؤهم وأمّهاتهم ثكالى، وتركوا أطفالهم، وتحوَّلوا إلى أيتام .هؤلاء ما شغلهم شيء إلا تحرير العراق، والدفاع عن سيادة العراق، وحماية حُرمة العراق، وكرامته..
الجعفريّ: المثقف لا يتجزَّأ، والثقافة لا تتجزَّأ.. في كلِّ معركة من المعارك يجب أن نحضر، وقد حان الوقت لأن نبني بلدنا، ونـُحرِّر اقتصادنا، ونسأل أنفسنا هذا السؤال: هذه الثروات المُتعدِّدة لماذا لا تشق طريقها إلى جُيُوب العراقيِّين مالكيها الشرعيِّين، متى نحقق هذا الحلم في أن يكون لكلِّ عراقيٍّ بيت، وسيارة، وحرفة شريفة يمتهنها، ويأكل من عَرَق جبينه؟..
الجعفريّ: لو كنا شعباً فقيراً لرضينا بوضعنا، ونقول: ثقافة الصبر والصمود، ونقول: هذا قدَرُنا، لكنَّ الله -تبارك وتعالى- جعلنا أغنياء، أمَّا أن نـُفقـَر فمعناه لا يُوجَد أناس يُفكـِّرون بعقل نضاليٍّ، وجهاديٍّ، وتضحويٍّ؛ حتى يمنحوا هذه الثروة لهؤلاء..
الجعفريّ: توجد أولويّات للبلد عندما نـُقدِّرها يجب أن نحرص عليها، ونضحِّي من أجلها.. ليس لغفلتنا، بل هذا من موقع الوعي -الحمد لله- ثقافة الوعي دبَّت في أوساط العراقيِّين اليوم، وأبناء شعبنا يتحدَّثون بكلِّ جرأة وشجاعة، ويضعون أولويَّة مصلحة العراق، وهذا أروع شيء في المثقف.. هذه مَهمَّتنا جميعاً لا تتجزَّأ..
الجعفريّ: وزاراتنا مُتعدِّدة، لكنَّ عراقنا واحد لا يتجزَّأ، ويستحقّ أن نـُضحِّي له، ويستحقّ أن نـُقدِّم له كلَّ شيء. العراق قدَّم لنا كلَّ شيء فلنـُقدِّم نحن -العراقيِّين- كلَّ شيء للعراق.. العراق أعطانا أرضه، وتاريخه، وحضارته، وهواءه، وماءه.. كلُّ شيء في العراق مُتميِّز أعطانا إياه..
الجعفريّ: هذا الإنجاز المُبارَك الذي شقَّ طريقه على أيديكم، وأنا إذ أبارك لكم إنما أبارك لنفسي أن أقف أمام هذه الجُهُود المُمتازة المُبارَكة.. كان جولة، وتنتظركم جولات قادمة.. المُنجَز ما كان قليلاً، وسيكون فاتحة خير لبقيَّة الآثار؛ حتى نصونها من يد السوء، وما أكثر أياديَ السوء التي تحاول أن تـُشوِّه التاريخ العراقيَّ!..
الجعفريّ: مرَّة أخرى أقدِّر أنَّ هذا جاء مُحصِّلة لمجموعة جهود شملتها كلُّ مُؤسَّسات الدولة، و لا أقصد أشخاصاً، بل مُؤسَّسات الدولة، والموظفين الذين يعملون في هذه المُؤسَّسات، وأطبع قبلاتي على جباههم لما حققوه من إنجاز تاريخيٍّ يُسجَّل لكم، ومن خلالكم إلى الأجيال الصاعدة القادمة..
الجعفريّ: تنتظرنا جُهُود مُتمِّمة.. السياحة ليست من أجل السياحة، بل السياحة لما يترتب عليها من إبراز وجه العراق الحضاريِّ المُشرِق، ومن أجل تحقيق وفرة اقتصاديَّة.. بعض الدول لا يُوجَد لديها شيء إلا ثروة سياحيَّة.. بعض المرات أتأمَّل في بعض الدول القويَّة، وأحاول أن أعرف أسرار الصعود، فأرى أنَّ فلان دولة بالزراعة، وفلان دولة بالسياحة، وفلان دولة بالنفط، وفلان دولة بالفكر، وفلان دولة بالثروة التاريخيَّة، وعندما أنظر إلى العراق أرى جميع هذه الثروات..
الجعفريّ: ما المانع من لو أن كل ثروة من ثروات العراق تشق طريقها إلى صالح العراقيين لو ثروة واحدة من ثروات العراق موجودة في أيِّ دولة من العالم، وفيها من الإخلاص، والدأب، والمُواصَلة لأصبح نجماً ساطعاً في السماء..
الجعفريّ: كلُّ الثروات تجمَّعت في العراق لماذا لا يكون هناك ثقافة التباري، والتسابُق من أجل البناء؟.. لماذا لا تسود هذه الثقافة بدلاً من ثقافة الإقصاء للأكفاء، ليس من السهل إسقاط إنسان كفوء.. الشُعُوب الحيَّة، والأمم الحيَّة، والمُجتمَعات الحيَّة، والعوائل الحيَّة تضع الكفوء في محله، ولا تتنكر له.. إقصاء الكفوء قتلٌ لجزء من الوطنيّة العراقيّة..
الجعفريّ: علينا أن نـُركـِّز على التراث، ونفكر كيف نستثمره، وكيف نستقطب عُشَّاق السياحة في العالم، وكيف نجعل بوَّابة العراق إحدى البوَّابات الاقتصاديَّة.. إذا تطوَّرت السياحة فهي مورد جديد للاقتصاد.. مَن المُستفيد؟.. العراقيُّ مُستفيد.. ماذا تتطلب؟.. شوارع، وفنادق، ووسائط نقل جوّية، وبحريّة، وبرّية.. مَن المُستفيد؟.. المُدُن ستعمر..
الجعفريّ: يجب أن نتمتع بنظرة استشرافيَّة، لا حالة من الخيال، وهذه هي ميزة الإنسان الذي لديه قدرة استشراف كيف يبني بلده من الآن ينظر إلى مستقبل بلده، و لا يخطو خطوة إلا وهو مُستشعِر الخطوات اللاحقة له..
الجعفريّ: الذي حصل ليس قليلاً، ولكن ليس كلَّ ما نريد، فلاتزال تنتظرنا أمور أخرى؛ لذا أنا أناشد الحكومة كحكومة بغضِّ النظر عن الشخصيَّات، ومجالس المحافظات، ومجلس النواب أن ينشغل ببناء العراق، وجعل الأولويَّة لبناء العراق سياسيّاً، وأمنيّاً، واقتصاديّاً، وتراثيّاً، وفنيّاً، ورياضيّاً. عندنا طاقات هائلة..
الجعفريّ: انظروا إلى إخوانكم في الخارج كيف يحظون باحترام كلِّ دول العالم، يُشرِّفني أني عراقي؛ ليس قضيّة أنانيّة..
الجعفريّ: أبناء، وسفراء حقيقيّون للعراق موجودون في الخارج يعملون لأجل العراق بلا راتب؛ لأنَّ تحوَّل إلى همٍّ دائم، وزاد لن ينضب.. تركوا كلَّ شيء، وما تركوا العراق، وخرجوا من أرض العراق، لكنهم لم يخرجوا من الوطنيَّة العراقـيَّة.. هؤلاء إخوانكم من مختلف الاختصاصات.. متى نستقطبهم؟.. متى نـُعيدهم؟.. لا نستطيع أن نـُدخِلهم بصفقة مع الدولة التي احتضنتهم، ونقول لهم: أرجعوهم إلينا، وهذا ليس من حقنا، ولا نفعله، ولكن عندما نـُحسِّن الظروف في العراق، ونجعل المناخ العراقيَّ مناخاً يستقطب سيعودون في أسرع وقت، وننتظر هذا اليوم.. ننتظر هؤلاء الإخوة أن يعودوا إلى العراق كبلد نشأوا فيه، و-إن شاء الله- يبقون فيه إلى نهاية الحياة.. هذا سيعتمد على قدرتنا على بناء العراق..
الجعفريّ: بعض الأحيان -للأسف الشديد- نـُحسِن البدء، لكننا لا نـُحسِن الاستمرار، ولا يكفي أن نكون أقوياء في أوَّل الطريق فقط، بل يجب أن نكون أقوياء على مدى الطريق، ويجب أن نعيد ترتيب الأولويّات في خطابنا، في تظاهراتنا، في كلِّ شيء..
الجعفريّ: الأولويّات، الهمَّ العراقيّ، والبناء العراقيّ، والتطوُّر، والوضع العراقيّ، والمخاطر العراقـيَّة.. ليس من الصحيح أن نغفل أموراً أكثر أهمّية، ونجعلها مُتأخرة، وليس لها تلك الدرجة من الأهمية، ونجعلها مُتقدِّمة..
الجعفريّ: عندما يكون العراق همَّنا الحقيقيَّ ستهون كثير من الخلافات، والمشاكل، وعندما نفكر كباراً في أهدافنا، وكباراً في هُمُومنا، وكباراً في المخاطر التي تحدق بنا سنجد أنَّ هذه الأمور الجانبيّة ليست خلافات. ليست المُشكِلة أن يُوجَد سُنـِّي وشيعيّ في العراق.. ليخرج علينا من يقول: نعم المُشكِلة مُشكِلة سُنـَّة وشيعة، أو مُسلِم وغير مُسلِم في العراق.. متى غابت التنوُّعات عن العراق؟.. العراق بلد التنوُّعات، وتنوُّعات نوعيَّة مُمتازة.. كلُّ الديانات، وكلُّ المذاهب، وكلُّ القوميّات التقت في العراق. هذا خزين، وباقة ورد مُنوَّعة الألوان..
الجعفريّ: لماذا يحاول العالم بخبث من خلال هذا التنوُّع المُتكامِل أن يُحوِّله إلى تنوُّع مُتشاكِس، بل مُتقاتِل، ونحن نستجيب؟!.. أخطر شيء يُمنى به أيُّ بلد عندما يتحوَّل جزء من شعبه إلى عدوّ..
الجعفريّ: هل سأل مَن يحقد نفسَه: لماذا يحقد: إذا كان يحقد على سارق، أو قاتل، أو مُغتصِب فإنه يستحقُّ كلَّ الحقد، وشرف أن نحقد على الفاسد.. العداوات الوهميّة ليست هي المطلوبة، بل العداوات الحقيقـيَّة مع الإرهاب..
الجعفريّ: الدواعش منذ دخلوا العراق إلى اليوم كلـَّفونا ثمناً غالياً، إذ استشهد خِيَرة أبنائنا، وخيرة بناتنا ترمَّلن، وخيرة العوائل أُثكِلت، وفـُجـِعت بأبنائها.. هذا هو العدوّ الحقيقيّ..
الجعفريّ: من سمات الإنسان القويّ فرداً كان أم مجموعة أنَّ لديه أولويَّات، ولا يصرف وقته بالقضايا الجزئيَّة، بل يصرف وقته في بناء بلده، لا يقرأ مقالة لا تزيده إلا بُعداً عن الحقيقة، أو يقرأ مقالة تـُلوِّثه، بل يقرأ مقالة تـُنوِّر عقله، وقلبه، وتفتح آفاقه، وتجعله يُقرِّب الإنسان البعيد، ويُحوِّل العدوَّ إلى صديق..
الجعفريّ: المثقف الحقيقيّ لا يحقد عندما يختلف، ويُحوِّله إلى عمليَّة اغتيال.. الذين قـُتِلوا بالثقافة أكثر من الذين قـُتِلوا بالسُيُوف. يُحدِّثنا القرآن الكريم عن بني إسرائيل أنهم كانوا يقتلون أنبياءهم ليس دائماً بالبدن، بل يصفونهم بالاتهامات، لأنَّ الذين يجرحون، ويقتلون، والذين يغتالون بألسنتهم أكثر خطراً، لماذا قال رسول الله -ص-: (ما أوذي نبي مثلما أوذيت)..
الجعفريّ: فكروا كلّ واحد وحده، ولا تفكر بالعقل الجمعيِّ؛ لأنَّ التفكير بالعقل الجمعيِّ مشلول، ومن يتكلم لسانه معقود..
الجعفريّ: فكر بالعقل المُتحرِّر وحدك، أو مع آخر، وراجعوا المسموعات بالمرئيّات، وراجعوا الاتهامات بحقائق الأمور.. أنا أشعر أنه توجد محاولة لاغتيال الحقيقة.. الحقيقة لا يُمكِن اغتيالها، هي تبقى رضينا أم أبينا، ولا تـُغيِّر من نفسها شيئاً، إذا غابت اليوم ستظهر غداً، وتفرض نفسها رغم أنف المعارضين.. بكم يكون العراق قويّاً شامخاً مُنتِجاً، وأرجو أن يكون هذا المُنجَز باكورة لمزيد من الأعمال والنشاطات..
وإلى حضراتكم النص الكامل لكلمة الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيّة العراقيّة في احتفالية تكريم الفريق الوطني المفاوض الذي ساهم بضم الأهوار والمواقع الأثرية على لائحة التراث العالمي لليونيسكو والتي أقامتها وزارة الخارجية
4/8/2016
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..
قال الله -تبارك وتعالى- في محكم كتابه العزيز:
)وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا( [العنكبوت : 69]
وفي آية شريفة أخرى:
)لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى( [يوسف:111]
الحديث عن العراق عُمُوماً حديث يستهوي المُتحدِّثين، ويستهوي المُستمِعين كذلك؛ لأنه يكتنز في داخله الحضارة بكلِّ جُذورها المُوغِلة في القِدَم، وبواكيرها التي بدأت منذ بداية الألف الرابع قبل ميلاد السيِّد المسيح -ع-.
من العراق بدأ كلّ شيء. بدأ الحرف يتحرَّك فأنشأ منظومة معرفيَّة كلاميَّة، ومن العراق بدأت الأسطوانة تتحرَّك، ومن العراق بدأ البيت يُبنى كأوَّل بيت كأنـَّنا على موعد مع القدر أن يجعل غنى العراق محطة استقطاب لكلِّ بواكير الحضارة البشريَّة؛ ليس هذا من موقع الغرور، والأنانيّة، والاحتكار، وإنـَّما من موقع التعاطي الحقيقيِّ لما يختزنه العراق من مواهب، وقدرات، لكننا لا نكتفي بما حبانا الله -تبارك وتعالى- من هذه النِعَم من دون أن نـُحمِّل أنفسنا مسؤوليّة استثمار هذا التراث الضخم، ونـُحوِّل هذا التاريخ من خزين حضاريٍّ سابق إلى حاضر، ونعبر به من الماضي إلى الحاضر عبر المستقبل.
هذه مسؤوليتكم في الوقت الذي أقف لأحيِّيكم على الإنجاز الذي قدَّمتموه، وأدرك جيِّداً أنَّ عدداً غير قليل، وُجُهوداً مُكثـَّفة جبَّارة قد بُذِلت لتحقيق هذا الإنجاز أدرك أنَّ هناك شخصيّات قد لا نراها، ولا نسمع صوتها، لكنها فعلت فعلها خلف الستار من أجل أن نصل إلى ما وصلنا إليه، وهكذا يكون تعبير الجنديّ المجهول يمكن أن يُعمَّم على السياسيِّ المجهول، والإعلاميِّ المجهول، وليس فقط الجنديّ المجهول؛ لأنَّ المُبدِعين كـُثـُر، ورُبَّما لم تـُسلـَّط عليهم الأضواء.
أنا أدرك أنَّ هذا مُحصِّلة لجُهُود جبَّارة بُذِلت، وَعَرَق تفصَّد من جبين الكثير الذين عملوا. لا تستهينوا بالإنجاز الذي حصل. كان العراق إلى حدِّ 2016 مُعرَّضاً للاندثار، بل حصل الاندثار في بعض الحالات، وتهدَّدت الأهوار عِدَّة مرَّات.
النظام المقبور عَمِدَ إلى تجفيف علنيّ، والعالم كله شهد ذلك حتى العتبات المُقدَّسة كانت مُعرَّضة لتنتهي بعنوان توسعة الحدائق العامَّة، وإمداد الشوارع. كلمة حقّ يُراد بها باطل في الوقت الذي ينفتح العالم اليوم على تراثه، ويحاول أن يستلَّ بعض مُفرَداته من غابر التاريخ لأنه تسلطت على حكم العراق حكومات قاسية دكتاتوريّة حاولت أن تطمر هذا التراث الحاكي في كلِّ شيء فيه بأهواره، بمُدُنه الأثريَّة، بالإرث الحضاريّ الذي يربو على 300 أو 400 حسب وجهات نظر المُؤرِّخين، والمهتمين بالحضارة؛ لذا كان الألم يعتصرني في المُعارَضة عندما أسمع أخباراً عن احتمال أن تـُطمَر المعالم الحضاريّة تحت عنوان إعمار وبناء، ولكن -الحمد لله- الذي حصل أنها صارت تحت خيمة اليونسكو، فأمِّن لها غطاء، وهذا جاء بفضل جُهُودكم سواء كانت الحكومة المحليّة، ومُؤسَّسات المُجتمَع المدنيِّ الوطنيَّة، وكلّ العناصر الشريفة والنزيهة التي عملت.
تراثنا تراث إنتاج ليس تراث ادِّعاءات، وما حصل ليس أمراً سهلاً لو لم تتضافر جُهُودكم، وقبل الجُهُود نيَّاتكم، وإخلاصكم، ووطنيتكم، ودأبكم المُتواصِل، وانشغالكم بما يعمر العراق، وابتعادكم عن ثقافة الصراخ، والادِّعاءات، والاستهلاك.
تنتظركم مجموعة من المَهمَّات ليست قليلة، ولا تـُبنى إلا بالجُهُود المُخلِصة. اليوم شقَّ الخطاب العراقيّ طريقه إلى أروقة العالم، وأنا لا يهمُّني مَن الخطيب، بل يهمُّني أنَّ الخطاب يخرج إلى العالم، ويخترق هذه الحواجز التي فـُرِضَت عليه اليوم.
عندما نتحدَّث عن العراق في دول العالم لا نستطيع أن تتناول مُفرَدة حضاريَّة مُهمَّة مُعاصِرة إلا ويكون العراق في الصدارة، بل حتى في الإنجازات، بل في التحدِّيات. هو في خط التماسِّ الأوَّل في المُواجَهة مع الإرهاب، وخط القوة، والشجاعة لما حققه أبناؤنا المُقاتِلون في كلِّ منطقة، وفي كلِّ معركة من المعارك إلا ويحتلُّ العراق الصدارة لا ينبغي أن يبعث ذلك على الغرورـ بل كلما زاد مُنجَز الإنسان الكفوء، وزادت كفاءته زاد تواضعه.
المُهمّ أننا اليوم نعيد العراق إلى موقع الصدارة. تربَّع العراق على عرش الصدارة منذ زمن بعيد. كلّ العالم أنما يختلفون على كلِّ شيء، لكنهم لا يختلفون على العراق. ما التقيتُ وزيراً، أو رئيساً في أيِّ دولة من دول العالم إلا ويُثني على العراق، وتنشرح أساريره عندما أحدِّثه عن العراق كأني أحدِّثه عن بلده، وليس عن بلدي.
لا ينبغي أن نكون خجولين عندما نتحدَّث بثقة من دون أن يتملـَّكنا الغرور، ونتحدَّث بمُستقبَل مُشرق من دون أن نقفز على الواقع، ونكون مُتفائِلين من دون أن يغزونا المُنى كما يقول أمير المُؤمِنين: "إياكم والمُنى فإنها بضائع الموتى"..
الواقع العراقيّ ينتظر سواعدكم مثلما أنجزتم شيئاً ليس قليلاً تنتظركم فرص أخرى تنجزون أكثر عدداً ورُبَّما يكون الأكثر أهمّية.. اقتصاد البلد بعد إلى الآن لم يرتقِ إلى مُستوى المسؤوليّة بكلِّ جوانبه، وأجنحته: (تجارة، وصناعة، وزراعة)، والمُجتمَع العراقيّ لايزال هو المُجتمَع الذي ورث الثروات الأغزر في العالم، لكنه يعيش الحالة الأفقر بين مُجتمَعات العالم.. هذه المُفارَقة يُراد لها مُناضِلون، وأناس يعقدون العزم على أن يتفانوا من أجل بلدهم، والذين يبنون بلدانهم لا يبنونها من خلال الادِّعاءات الإعلاميَّة، ولا من خلال الزيف، ولا من خلال تحقيق المصالح، ولا من خلال الفساد الذي تفشَّى.
صرخنا، وطالما صرخنا أنَّ الفساد تحوَّل إلى ثقافة، وأخطر شيء في الفساد عندما يتحوَّل إلى ثقافة.
كلُّ شيء من حولكم تعبير عن ثقافة. نبني جيلاً من المُضحِّين، جيلاً من المُبدِعين، جيلاً من المُؤثِرين على أنفسهم يجب أن تسبق هذه النمطيّات ثقافة.
العراق الجديد بُنِيَ على جماجم الأبطال في زنازين السُجُون، وما جاء هذا مجَّاناً، بل بقطار من التضحيات حتى يَصِلَ العراق إلى ما وصل إليه. أعتى دكتاتور حكم العراق 35 سنة لا تـُوجَد مُوبقة، وجريمة إلا فعلها، وقد وصل العراق إلى ضفة الحُرّية، والديمقراطيّة، والانتخابات المُتعدِّدة، والتداول السلميِّ للسلطة، وزجِّ المرأة في الخط الأوَّل، فتأتي في الحكومة الانتقالية بست سيِّدات إلى الوزارة. ما جاء اعتباطاً، بل تـُوجَد مبادئ، ومفاهيم، وإخلاص.
أمَّا اختطاف الثقافة باسم الثقافة فهذا لا ينبغي أن يكون؛ المثقف مُلتزم. أنا لا أستطيع أتصوَّر مُثقـَّفاً غير مُلتزم، ولا أستطيع أن أتصوَّر مُثقـَّفاً غير مُضحٍّ، ولا أفهم مُضحِّياً يضع حُدُوداً للتضحية، لا يُوجَد سقف مفتوح للموت، نعم ستموت، ولكن مُت مثقفاً مُلتزماً وشجاعاً ومُضحِّياً.
رحم الله المتنبي إذ قال:
إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ                  فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ    
فَطَعمُ المَوتِ في أَمرٍ حقيرٍ           كَطَعمِ المَوتِ في أَمرٍ عَظيمِ
أنت ميِّت فمُت مثل النخلة وأنت واقف شامخ.. العراق مُحتاج أناساً مُضحِّين.. الذين ضحَّوا قبلنا من كلِّ الجهات، ومن كلِّ الديانات، ومن كلِّ المذاهب، ومن كلِّ القوميَّات، ومن كلِّ الاتجاهات السياسيَّة لسنا أحسن منهم.
نحن جالسون هنا ويُوجَد أناس من أبنائنا وأولادنا تركوا زوجاتهم، وتحوَّلن إلى أرامل، وآباؤهم وأمّهاتهم ثكالى، وتركوا أطفالهم، وتحوَّلوا إلى أيتام .هؤلاء ما شغلهم شيء إلا تحرير العراق، والدفاع عن سيادة العراق، وحماية حُرمة العراق، وكرامته.
المثقف لا يتجزَّأ، والثقافة لا تتجزَّأ.. في كلِّ معركة من المعارك يجب أن نحضر، وقد حان الوقت لأن نبني بلدنا، ونـُحرِّر اقتصادنا، ونسأل أنفسنا هذا السؤال: هذه الثروات المُتعدِّدة لماذا لا تشق طريقها إلى جُيُوب العراقيِّين مالكيها الشرعيِّين، متى نحقق هذا الحلم في أن يكون لكلِّ عراقيٍّ بيت، وسيارة، وحرفة شريفة يمتهنها، ويأكل من عَرَق جبينه؟
لو كنا شعباً فقيراً لرضينا بوضعنا، ونقول: ثقافة الصبر والصمود، ونقول: هذا قدَرُنا، لكنَّ الله -تبارك وتعالى- جعلنا أغنياء، أمَّا أن نـُفقـَر فمعناه لا يُوجَد أناس يُفكـِّرون بعقل نضاليٍّ، وجهاديٍّ، وتضحويٍّ؛ حتى يمنحوا هذه الثروة لهؤلاء.
توجد أولويّات للبلد عندما نـُقدِّرها يجب أن نحرص عليها، ونضحِّي من أجلها.. ليس لغفلتنا، بل هذا من موقع الوعي -الحمد لله- ثقافة الوعي دبَّت في أوساط العراقيِّين اليوم، وأبناء شعبنا يتحدَّثون بكلِّ جرأة وشجاعة، ويضعون أولويَّة مصلحة العراق، وهذا أروع شيء في المثقف..
هذه مَهمَّتنا جميعاً لا تتجزَّأ.. وزاراتنا مُتعدِّدة، لكنَّ عراقنا واحد لا يتجزَّأ، ويستحقّ أن نـُضحِّي له، ويستحقّ أن نـُقدِّم له كلَّ شيء. العراق قدَّم لنا كلَّ شيء فلنـُقدِّم نحن -العراقيِّين- كلَّ شيء للعراق.. العراق أعطانا أرضه، وتاريخه، وحضارته، وهواءه، وماءه.. كلُّ شيء في العراق مُتميِّز أعطانا إياه.
هذا الإنجاز المُبارَك الذي شقَّ طريقه على أيديكم، وأنا إذ أبارك لكم إنما أبارك لنفسي أن أقف أمام هذه الجُهُود المُمتازة المُبارَكة.. كان جولة، وتنتظركم جولات قادمة.. المُنجَز ما كان قليلاً، وسيكون فاتحة خير لبقيَّة الآثار؛ حتى نصونها من يد السوء، وما أكثر أياديَ السوء التي تحاول أن تـُشوِّه التاريخ العراقيَّ!
مرَّة أخرى أقدِّر أنَّ هذا جاء مُحصِّلة لمجموعة جهود شملتها كلُّ مُؤسَّسات الدولة، و لا أقصد أشخاصاً، بل مُؤسَّسات الدولة، والموظفين الذين يعملون في هذه المُؤسَّسات، وأطبع قبلاتي على جباههم لما حققوه من إنجاز تاريخيٍّ يُسجَّل لكم، ومن خلالكم إلى الأجيال الصاعدة القادمة.
تنتظرنا جُهُود مُتمِّمة.. السياحة ليست من أجل السياحة، بل السياحة لما يترتب عليها من إبراز وجه العراق الحضاريِّ المُشرِق، ومن أجل تحقيق وفرة اقتصاديَّة.. بعض الدول لا يُوجَد لديها شيء إلا ثروة سياحيَّة.. بعض المرات أتأمَّل في بعض الدول القويَّة، وأحاول أن أعرف أسرار الصعود، فأرى أنَّ فلان دولة بالزراعة، وفلان دولة بالسياحة، وفلان دولة بالنفط، وفلان دولة بالفكر، وفلان دولة بالثروة التاريخيَّة، وعندما أنظر إلى العراق أرى جميع هذه الثروات.
ما المانع من لو أن كل ثروة من ثروات العراق تشق طريقها إلى صالح العراقيين لو ثروة واحدة من ثروات العراق موجودة في أيِّ دولة من العالم، وفيها من الإخلاص، والدأب، والمُواصَلة لأصبح نجماً ساطعاً في السماء..
كلُّ الثروات تجمَّعت في العراق لماذا لا يكون هناك ثقافة التباري، والتسابُق من أجل البناء؟
لماذا لا تسود هذه الثقافة بدلاً من ثقافة الإقصاء للأكفاء، ليس من السهل إسقاط إنسان كفوء:
ووضع الندى في موضع السيف مضر    كوضع السيف في موضع الندى
الشُعُوب الحيَّة، والأمم الحيَّة، والمُجتمَعات الحيَّة، والعوائل الحيَّة تضع الكفوء في محله، ولا تتنكر له.. إقصاء الكفوء قتلٌ لجزء من الوطنيّة العراقيّة.
علينا أن نـُديم هذا الإنجاز، ونرتب عليه أثراً، وما هو إلا حلقة في مسلسل.
علينا أن نـُركـِّز على التراث، ونفكر كيف نستثمره، وكيف نستقطب عُشَّاق السياحة في العالم، وكيف نجعل بوَّابة العراق إحدى البوَّابات الاقتصاديَّة.
إذا تطوَّرت السياحة فهي مورد جديد للاقتصاد.
مَن المُستفيد؟
العراقيُّ مُستفيد.
ماذا تتطلب؟
شوارع، وفنادق، ووسائط نقل جوّية، وبحريّة، وبرّية.
مَن المُستفيد؟
المُدُن ستعمر.
يجب أن نتمتع بنظرة استشرافيَّة، لا حالة من الخيال، وهذه هي ميزة الإنسان الذي لديه قدرة استشراف كيف يبني بلده من الآن ينظر إلى مستقبل بلده، و لا يخطو خطوة إلا وهو مُستشعِر الخطوات اللاحقة له.
الذي حصل ليس قليلاً، ولكن ليس كلَّ ما نريد، فلاتزال تنتظرنا أمور أخرى؛ لذا أنا أناشد الحكومة كحكومة بغضِّ النظر عن الشخصيَّات، ومجالس المحافظات، ومجلس النواب أن ينشغل ببناء العراق، وجعل الأولويَّة لبناء العراق سياسيّاً، وأمنيّاً، واقتصاديّاً، وتراثيّاً، وفنيّاً، ورياضيّاً. عندنا طاقات هائلة.
انظروا إلى إخوانكم في الخارج كيف يحظون باحترام كلِّ دول العالم، يُشرِّفني أني عراقي؛ ليس قضيّة أنانيّة.
سافرتُ من بلد إلى بلد، وفي كلِّ بلد أتنقل من بلدة إلى بلدة، وكلُّ مَن يقول لكم: جاء عندنا، ودخل بيتنا فهذا صحيح في الأعم الأغلب. ليس لديَّ مصلحة شخصيَّة -الحمد لله- لكن لديَّ قضيَّة اسمها العراق، وأبناء، وسفراء حقيقيّون للعراق موجودون في الخارج يعملون لأجل العراق بلا راتب؛ لأنَّ تحوَّل إلى همٍّ دائم، وزاد لن ينضب.
تركوا كلَّ شيء، وما تركوا العراق، وخرجوا من أرض العراق، لكنهم لم يخرجوا من الوطنيَّة العراقـيَّة..
هؤلاء إخوانكم من مختلف الاختصاصات.
متى نستقطبهم؟
متى نـُعيدهم؟
لا نستطيع أن نـُدخِلهم بصفقة مع الدولة التي احتضنتهم، ونقول لهم: أرجعوهم إلينا، وهذا ليس من حقنا، ولا نفعله، ولكن عندما نـُحسِّن الظروف في العراق، ونجعل المناخ العراقيَّ مناخاً يستقطب سيعودون في أسرع وقت، وننتظر هذا اليوم.
ننتظر هؤلاء الإخوة أن يعودوا إلى العراق كبلد نشأوا فيه، و-إن شاء الله- يبقون فيه إلى نهاية الحياة.
هذا سيعتمد على قدرتنا على بناء العراق.
أتمنى عليكم جميعاً أن تـُواصِلوا جُهُودكم، ولا تقفوا؛ لأننا بعض الأحيان -للأسف الشديد- نـُحسِن البدء، لكننا لا نـُحسِن الاستمرار، ولا يكفي أن نكون أقوياء في أوَّل الطريق فقط، بل يجب أن نكون أقوياء على مدى الطريق، ويجب أن نعيد ترتيب الأولويّات في خطابنا، في تظاهراتنا، في كلِّ شيء.
الأولويّات، الهمَّ العراقيّ، والبناء العراقيّ، والتطوُّر، والوضع العراقيّ، والمخاطر العراقـيَّة.. ليس من الصحيح أن نغفل أموراً أكثر أهمّية، ونجعلها مُتأخرة، وليس لها تلك الدرجة من الأهمية، ونجعلها مُتقدِّمة.
عندما يكون العراق همَّنا الحقيقيَّ ستهون كثير من الخلافات، والمشاكل، وعندما نفكر كباراً في أهدافنا، وكباراً في هُمُومنا، وكباراً في المخاطر التي تحدق بنا سنجد أنَّ هذه الأمور الجانبيّة ليست خلافات. ليست المُشكِلة أن يُوجَد سُنـِّي وشيعيّ في العراق.. ليخرج علينا من يقول: نعم المُشكِلة مُشكِلة سُنـَّة وشيعة، أو مُسلِم وغير مُسلِم في العراق.
متى غابت التنوُّعات عن العراق؟
العراق بلد التنوُّعات، وتنوُّعات نوعيَّة مُمتازة.
كلُّ الديانات، وكلُّ المذاهب، وكلُّ القوميّات التقت في العراق. هذا خزين، وباقة ورد مُنوَّعة الألوان.
لماذا لا نـُحافِظ عليها؟
لماذا يحاول العالم بخبث من خلال هذا التنوُّع المُتكامِل أن يُحوِّله إلى تنوُّع مُتشاكِس، بل مُتقاتِل، ونحن نستجيب؟!
أخطر شيء يُمنى به أيُّ بلد عندما يتحوَّل جزء من شعبه إلى عدوّ..
هل سأل مَن يحقد نفسَه: لماذا يحقد:
إذا كان يحقد على سارق، أو قاتل، أو مُغتصِب فإنه يستحقُّ كلَّ الحقد، وشرف أن نحقد على الفاسد..
إخواني.. العداوات الوهميّة ليست هي المطلوبة، بل العداوات الحقيقـيَّة مع الإرهاب.
الدواعش منذ دخلوا العراق إلى اليوم كلـَّفونا ثمناً غالياً، إذ استشهد خِيَرة أبنائنا، وخيرة بناتنا ترمَّلن، وخيرة العوائل أُثكِلت، وفـُجـِعت بأبنائها.
هذا هو العدوّ الحقيقيّ.
من سمات الإنسان القويّ فرداً كان أم مجموعة أنَّ لديه أولويَّات، ولا يصرف وقته بالقضايا الجزئيَّة، بل يصرف وقته في بناء بلده، لا يقرأ مقالة لا تزيده إلا بُعداً عن الحقيقة، أو يقرأ مقالة تـُلوِّثه، بل يقرأ مقالة تـُنوِّر عقله، وقلبه، وتفتح آفاقه، وتجعله يُقرِّب الإنسان البعيد، ويُحوِّل العدوَّ إلى صديق.
المثقف الحقيقيّ لا يحقد عندما يختلف، ويُحوِّله إلى عمليَّة اغتيال.. الذين قـُتِلوا بالثقافة أكثر من الذين قـُتِلوا بالسُيُوف. يُحدِّثنا القرآن الكريم عن بني إسرائيل أنهم كانوا يقتلون أنبياءهم ليس دائماً بالبدن، بل يصفونهم بالاتهامات، لأنَّ:
جراحات السنان لها التئام         ولا التئام لما جرح اللسان
الذين يجرحون، ويقتلون، والذين يغتالون بألسنتهم أكثر خطراً، لماذا قال رسول الله -ص-: (ما أوذي نبي مثلما أوذيت)..
هم لم يقتلوه، وما قصُّوه بالمنشار، ولكنه عانى شيئاً أكثر من هذا وهو أنهم نعتوه بالكذاب، والمجنون، والساحر، وهم كانوا يقولون عليه: الصادق الأمين.. ادرسوها كظاهرة علم اجتماعيّة أعطاهم المُعادِل للعلم الاجتماعيِّ، فقال لهم: أعطيكم نصيحة واحدة:
)أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا(      [سبأ : 46]
فكروا كلّ واحد وحده، ولا تفكر بالعقل الجمعيِّ؛ لأنَّ التفكير بالعقل الجمعيِّ مشلول، ومن يتكلم لسانه معقود..
فكر بالعقل المُتحرِّر وحدك، أو مع آخر، وراجعوا المسموعات بالمرئيّات، وراجعوا الاتهامات بحقائق الأمور.
أنا أشعر أنه توجد محاولة لاغتيال الحقيقة.. الحقيقة لا يُمكِن اغتيالها، هي تبقى رضينا أم أبينا، ولا تـُغيِّر من نفسها شيئاً، إذا غابت اليوم ستظهر غداً، وتفرض نفسها رغم أنف المعارضين.
بكم يكون العراق قويّاً شامخاً مُنتِجاً، وأرجو أن يكون هذا المُنجَز باكورة لمزيد من الأعمال والنشاطات.
كتب الله لكم وللعراق السلامة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق