الاثنين، 30 مايو 2016

الجعفريّ في معرض الآثار العراقيـّة وبحضور سفراء وممثلي البعثات الدبلوماسيـّة المعتمدين ببغداد يدعو المُجتمَع الدوليَّ إلى ضرورة التعاون لإعادة العيِّنات الأثرية العراقيّة المسروقة.. مشيراً أن العراق تقدَّم بطلب تسجيل سبعة مواقع على لائحة التراث العالميِّ

افتتح الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجية العراقية معرض الآثار العراقيـّة والذي أقيمَ في مقر وزارة الخارجيـّة وبالتعاون مع هيئة الآثار وبحضور سفراء وممثلي البعثات الدبلوماسيـّة المعتمدين في بغداد.
أكـَّد الدكتور الجعفريّ على أهمّية حفظ التراث لِمَا فيه قيمة حضاريّة تـُعزِّز حاضر الإنسان بالخبرة، وتحفظ مستقبله، مُوضِحاً: كلُّ أمّة لا يُمكِن أن تنفكَّ عن تاريخها. الأمّة التي تفقد تاريخها تفقد حاضرها، ويتهدَّد مُستقبلها، مُضيفاً: الآثار عِبرة، ومعبر، ومنفذ حتى نستحضر الأمم التي سبقتنا، فنأخذ منها ما ساهم في بناء الحضارة، ونتجنـَّب ما وقعت فيه من أخطاء.
الجعفريّ شدَّد على أنَّ الإرهاب اليوم يعمل على اغتيال كلِّ شيء ينبض بالحياة؛ فيقتل الإنسان، ويقتل الحضارة، ويقتل التاريخ. رأيتم كيف يُهشِّمون بالفؤوس حضارة أور وأكد في الموصل. هؤلاء هم أعداء الإنسانيَّة.
وثمَّن الجعفريّ قرار اعتبار سرقة الآثار جريمة دوليّة: نحن سعداء أن تـُعَدَّ السرقات التي امتدَّت إلى الآثار التاريخيّة في كلِّ مناطق العالم، والمتاجرة بها ضمن القرارات الدوليّة عمليّات إجراميّة يُدينها القانون.
داعياً المُجتمَع الدوليَّ إلى ضرورة التعاون في إعادة العيِّنات الأثرية العراقيّة المسروقة، مُبيِّناً: نـُناشِدهم أن يُكثـِّفوا جُهُودهم لإعادة هذه العيِّنات إلى أرضها الأمّ، وحضارتها الأم.
وأفصح بالقول: العراق تقدَّم بطلب تسجيل سبعة مواقع على لائحة التراث العالميِّ، منها ثلاثة مواقع لقيمتها التراثيّة، والآركولوجيّة، وأربعة مواقع لقيمتها الطبيعيّة، وأبعادها الثقافيّة المرتبطة بها، وهي هور الحويزة، والأهوار الوسطى، وهور الحمَّار بجزئيه الغربيِّ والشرقيّ، مُشيراً إلى أنَّ لها قيمة كبيرة جداً؛ لأنها عندما تستظلها المنظمات الدوليّة تكون بعيدة عن غائلة الاغتيال، وبعيدة عن محاولات الاقتطاع.

وإلى حضراتكم النص الكامل لكلمة الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيـّة في معرض الآثار العراقيـّة والذي أقيمَ في مقر وزارة الخارجيـّة وبالتعاون مع هيئة الآثار وبحضور سفراء وممثلي البعثات الدبلوماسيـّة المعتمدين في بغداد

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..
قال الله -تبارك وتعالى- في مُحكـَم كتابه العزيز:
)لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى(    [يوسف:111]
أقدِّم وافر الشكر، والتقدير لهيئة الآثار العراقيّة، ودائرة التخطيط السياسيِّ على هذا الإعداد الرائع الذي اطـَّلعت عليه قبل قليل، كما لا يفوتني أن أرحِّب بكم وافر الترحيب والتقدير على حُضُوركم، ومشاركتكم لنا هنا في وزارة الخارجيّة للاطلاع على التأثير الحضاريِّ، والإرث التاريخيِّ لما زخر به العراق.
حين تقع عين الإنسان على بعض الآثار التاريخيّة سواء كانت تراثاً، أم إرثاً يُطِلُّ من خلالها على التاريخ بأعماق مُتفاوتة ليس فقط إطلالة صمَّاء خالية من الأحاسيس، والأفكار، والمشاعر، بل إطلالة تنبض بالوعي، وتـُعطي، وتـُسجِّل السبق الحضاريَّ للأمم التي رُبَّما نـُسِيَت في التاريخ، لكنها مازالت تفرض وُجُودها على ساحة الواقع.
العراق أبى إلا أن يتربَّع على عرش الحضارة التاريخيَّة في العالم منذ بُزُوغ الفجر الحضاريِّ في بداية الألف الرابع قبل ميلاد السيِّد المسيح -ع-... العراق الذي تميَّز بعِدَّة ملكات، ومواهب، وقدرات هبَّت عليه رياح التحدِّي من كلِّ جانب.
نحن بأمسِّ الحاجة للنظرة إلى نتاجاتنا، وتاريخنا من الناحية الآركولوجيّة، أعني: الجانب الفنيَّ، والجانب الأثريّ.
من دون شكّ أنَّ حاضر كلِّ أمّة لا يُمكِن أن ينفكَّ عن تاريخها. الأمّة التي تفقد تاريخها تفقد حاضرها، ويتهدَّد مُستقبلها. الآثار التي ترونها هنا مُزدَانة بها القاعة تنبض بالبيئة العراقيّة التاريخيّة التي أنتجت هذه العيِّنات الحضاريَّة التي يتسابق العالم للاطلاع عليها، وتتسابق الأيدي الآثمة لسرقتها.
السارق قد يملك العيِّنة، لكنه لا يملك الروح، والبيئة الاجتماعيّة التي حفـَّت بهذه العيِّـنة؛ لأنـَّه ما من أثر إلا وعكس حضارة، وعكس قِيَماً تاريخيّة عاصرت هذا الأثر في وقتها؛ لذا رُبَّما يأخذ بعض المُؤرِّخين على أهرام مصر أنـَّها أنشِئَت في مكان ليس المكان الذي نـُقِلَ منه الصخر إذ نـُقِلَ من أماكن بعيدة على ظهر العبيد، وجيء به إلى هذا المكان.
أجمل ما في الآثار العراقـيَّة أنـَّها تضفي الطابع الإنسانيَّ على التاريخ الحضاريِّ العراقيِّ برَّز دور المرأة على شكل سفور لا يُمكِن أن تخضع لقانون التعرية، أو التآكل، وتتلاشى.
سجَّل العراقيون سبقاً رائعاً في هذا الشيء منذ آلاف السنين؛ لذا نـُناشِد دول العالم كافة في عصر تتسابق فيه الجهات والمنظمات الخيِّرة لحفظ حقوق الإنسان، والحيوان، والشجر، والبيئة أن تـُساهِم في إعادة هذه العيِّنات المسروقة التي اقتـُلِعَت من واقع العراق، لكنها لا يُمكِن أن تـُقتلـَع من تاريخ العراق. أينما تحلّ فهي تعكس حضارة، وتاريخاً عراقيَّين زاخرين.
نـُناشِد هؤلاء أن يُكثـِّفوا جهودهم لإعادة هذه العيِّنات إلى أرضها الأمّ، وحضارتها الأم.
نحن سُعَداء أن تـُعَدَّ السرقات التي امتدَّت إلى الآثار التاريخيّة في كلِّ مناطق العالم والمتاجرة بها ضمن القرارات الدوليّة عمليّات إجراميّة يُدينها القانون.
في الوقت الذي أرحِّب بكم هنا في بهو الوزارة أجمل ترحيب آمل أن تمارسوا دوركم المأمول في الاجتماع المُزمَع عقده في 10 تموز في البلد الجار تركيا؛ لتذكير الدول الأعضاء كافة بأهمّية التعاون لإعادة هذه العيِّنات، وإعطاء الآثار العراقـيَّة حجمها المطلوب، وأهمّيتها المنشودة.
كلّ شيء يخضع لقانون الموت غير أنَّ التاريخ يبقى عصيّاً على الموت، وكلُّ شيء عندما يفرض نفسه بتاريخ، ويتدوَّر إلى أن يصل إلى الحاضر. تجد أنك تـُحني هامتك احتراماً لها. لعلّ ما ميَّز شجرة الزيتون عن غيرها من الأشجار في فلسطين، وفي الشام أوَّل ما اكتـُشِفت شجرة الزيتون لعله مضى عليها بضعة آلاف سنين، ومن هناك انتشرت إلى الشمال الأفريقيِّ، وإلى الجنوب الأوروبيّ، ولكنها بقيت بكلِّ ما تعبق به رمزاً للأرض التي أنجبتها غير مفصولة عنها، وإن كان اليوم في علم النبات يُدرَس إيجاد ظروف البيئة لنقل النخيل إلى بلدان أخرى، والزيتون إلى بلدان أخرى، ولكن تبقى شجرة الزيتون تحكي الأمّ.
لا تستغربوا عندما ترون الحضارة العراقيّة تواجه ظاهرتين: تواجه المُحِبِّين والمُخلِصين، وتواجه إلى جانب آخر وُحُوشاً يُحاولون أن يقتلعوا حاضر العراق، بل امتدَّت يدهم الآثمة لاقتلاع تاريخ وحضارة العراق.
إنـَّما أستهلّ الحديث معكم بالآية القرآنيّة الكريمة: )لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى(    [يوسف:111]
لأنَّ هذه الآية الشريفة تـُسجِّل سبقاً لأهمّية العبور إلى التاريخ، واستحضاره، ووضعه بين اليدين حتى نـُطِلَّ من خلال التاريخ على ما جرى على الإنسان، وقد كان في تتبُّع آثارهم عِبرة، أي: معبر، ومنفذ حتى نستحضر الأمم التي سبقتنا، فنأخذ منها ما ساهم في بناء الحضارة، ونتجنـَّب ما وقعت فيه من أخطاء.
فرحتُ كثيراً عندما سمعتُ أنـَّكم ستزورون الناصريّة، وأهوارها؛ لأنَّ معنى أن تزوروا الناصرية، ولو وُفـِّقتم في سفرة لاحقة لزيارة العمارة هو إنَّ هذه المناطق تـُسجِّل لكم بواكير الحضارة، وكيف بدأت حضارة العالم من أهوار الناصريّة، والعمارة، والبصرة.
صحيح أنَّ هذه المناطق مازالت تعيش فقيرة؛ ليس لأنـَّها فقيرة بالذات، وإنـَّما أفقِرَت بسبب الاحتلالات التي مرَّت على العراق سابقاً، وبسبب الأنظمة الدكتاتوريّة، وبسبب الإرهاب الحديث الذي يحاول أن يتقصَّى كلَّ موارد النهضة، وكلَّ عناصر النهضة التي تمَّ اغتيالها.
الإرهاب اليوم يعمل على اغتيال كلِّ شيء ينبض بالحياة؛ فيقتل الإنسان، ويقتل الحضارة، والتاريخ. رأيتم كيف يُهشِّمون بالفؤوس حضارة (أور، وأكد) في الموصل. هؤلاء هم أعداء الإنسانيَّة، وسيبقى العراق طوداً شامخاً صامداً وإن سقطت بعض رجالاته ضحيَّة في هذا الطريق.
تعوَّدت منذ الصغر عندما أزور مدينة، أو أسافر إلى بلد أن أقرأ عن ذلك البلد قبل أن أراه. أنا على يقين أنـَّكم قرأتم عن العراق. أوجِّه الرسالة إلى إخواني، وأعزائي، وأشقائي الذين هم ليسوا عراقيِّي الجنسيّة، لكنهم عراقيّو المودّة، والمحبّة، والإنسانيّة.
أتمنى عليكم أن تنفتحوا على العراق، وتروا حضارته، وتقرأوا تاريخه من كثب، وتتعرَّفوا إلى إنسانه كيف سجَّل في تاريخه الحافل بالتضحيات أسمى آيات الانتصارات في مُختلِف المراحل التاريخيّة حيث بداية الحضارة، وحيث مسلة حمورابي في الألف الثاني قبل الميلاد، وحيث بلد الأديان، والمذاهب، والشهداء، وعظماء المُفكرين، وبلد الكرم.
تقدَّم العراق بطلب تسجيل سبعة مواقع على لائحة التراث العالميِّ، منها ثلاثة مواقع لقيمتها التراثيّة، والآركولوجيّة، وأربعة مواقع لقيمتها الطبيعيّة، وأبعادها الثقافيّة المرتبطة بها، وهي هور الحويزة، والأهوار الوسطى، وهور الحمَّار بجزئيه الغربيِّ والشرقيّ.
نحن نتطلع إلى مُشارَكة دولكم بما تتمتع به من مكانة، وبما تتحلـَّون به من ثقافة تدركون فيها قيمة الحضارة، وقيمة التاريخ، وأمانة أن تكون هذه العيِّنات الحضاريَّة هي بالأساس نبتت في مثل هذه الأراضي.
نأمل أن تـُؤدُّوا دوركم في تعزيز حضارة العراق. لعل أروع آيات التعزيز هي إرجاع هذه العيِّنات، والحفاظ على هذا التراث التاريخيِّ لئلا يتعرَّض إلى السرقة.
أختم حديثي بتقديم وافر الشكر والتقدير لإخواني الأعزاء في لجنة الآثار العراقيّة، ودائرة التخطيط السياسيِّ في وزارة الخارجيّة على تنظيم هذا المعرض، وقد رأيتُ هذه العيِّنات، ووجدتُ أنها منافذ تاريخيّة، وحضاريّة نقلتني بشكل عفويّ إلى آلاف من السنين السابقة.

بإسم إخواني، وأخواتي، وأبنائي، وبناتي كافة في وزارة الخارجيّة أقدِّم لكم وافر الشكر والتقدير مُتمنياً لكم سفرة مُمتِعة لأهوار الناصريّة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق