المُؤتمَر الصحفيّ للدكتور إبراهيم الجعفريِّ وزير الخارجيّة العراقيّة في مجلس الأمن
الجعفريّ: بسم الله الرحمن الرحيم
طرح العراق اليوم مشروع قرار لإدانة التدخـُّل التركيِّ في الأرض العراقيّة، وخرقه السيادة..
بداية ً فـُوجـِئ العراق بدخول قوات مُسلـَّحة تركيّة في الثالث من شهر كانون الأوَّل/ديسمبر إلى عمق 110 كيلومتر من دون مُوافقة العراق، ولا حتى علم العراق؛ وهو سابقة خطيرة أن تـُخترَق سيادة العراق.
العراق يتمسَّك بسيادته، ووحدة أرضه، ولا يسمح لأحد أن يخترقه، وفي الوقت نفسه تعامل مع تحالف دوليٍّ شُكـِّل في العام الماضي إثر انتهاك حُرمة العراق من قِبَل داعش، والتزمت كلُّ قوات التحالف بأن لا تطير طائرة، ولا تدخل أيَّ جنديّ إلى أرض العراق إلا بإذن عراقيٍّ.
كان من الطبيعيِّ أن يدرس العراق هذا الموضوع بشكل طارئ، واتخذ مجلس الأمن الوطنيّ قراراً بالاستنكار، وبإبلاغ الحكومة التركيّة بسحب قواتها، والإعلان عنه في مُدَّة لا تتجاوز 48 ساعة، وفي الوقت نفسه أبلغ العراق تركيا عبر سفيرها في بغداد، ووجَّه له رسالة استنكار، وطالبه بإبلاغ الحكومة التركيّة بسحب هذه القوات خلال مُدَّة 48 ساعة، كما استضاف العراق سفراء الدول الدائمة العضويّة في مجلس الأمن في بغداد، وشرح لهم الموقف، وكلهم اتفقوا على النقاط التالية:
أوَّلاً: أدانوا هذا التدخـُّل.
ثانياً: أيَّدوا العراق بأنـَّه خرق للسيادة.
ثالثاً: يُساعِدون العراق في سحب هذه القوات، ووعدوا بأن يقفوا إلى جانب العراق في مجلس الأمن.
رغب الجانب التركيّ أن يُرسِل وفداً إلى بغداد، واستقبلناه، وكان برئاسة السيِّد وزير الخارجيّة الانتقاليّ السيِّد فريدون أوغلو مع مسؤول المُخابَرات، وجرى حديث مُفصَّل معه. في نهاية الحديث أعرب عن قناعته المبدئيّة بسحب القوات التركيّة، وطلب منا أنـَّه عندما يعود إلى أنقرة سيُعلِن بشكل رسميٍّ عن الانسحاب، ولكننا فـُوجـِئنا مرّة ثانية أن يُعلـَن من أنقرة بأنهم يُؤكـِّدون عدم سحب هذه القوات، وأنَّ القوات تبقى كما هي، وأنه يُعاد انتشارها، فواصلنا جُهُودنا، وأجرينا اتصالات عالية المُستوى مع السادة وزراء الخارجيّة للدول دائمة العضويّة، وشرحنا موقف العراق بحثاً عن الحلِّ السلميِّ، وظلت جُهُودنا تتواصل إلى ما قبل اجتماع مجلس الأمن بدقائق؛ من أجل أن نحلَّ القضيّة بطريقة سلميّة.
اختلفنا أنَّ الطرف التركيَّ لا يذكر كلمة (الانسحاب)، وإنـَّما يُعرِّف وجود القوات المُسلـَّحة التركيّة بـ(مع إعادة الانتشار)؛ ممّا يعني بقاءها في العراق؛ وهذا بالنسبة لنا يُشكـِّل استفزازاً، وسابقة خطيرة.. يُؤسِفني أن أسمع منهم أنَّ هذا جرى بالاتفاق مع مُحافِظ الموصل. في الوقت الذي يكون أمر خرق السيادة وعلى مُستوى قوات مُسلـَّحة غير عراقيّة تدخل العراق بهذا العمق وبهذا الانتشار على أنه جرى بالاتفاق مع مُحافِظ، أو حكومة محليّة.. أؤكـِّد لكم أنَّ كلَّ أعضاء دول التحالف الدوليِّ الذي شُكـِّل في 2014 هنا في نيويورك لا يُدخِلون المُستشارين العسكريِّين إلى العراق إلا بإذن، وترخيص عراقيّ، كما لا تطير أيّ طائرة إلا بتنسيق مع القوات المُسلـَّحة العراقيّة..
نحن اضطررنا إلى تقديم هذه الشكوى إلى مجلس الأمن مع تمسُّكنا الشديد بحفظ العلاقة الطيِّبة مع دول العالم عامّة، ودول الجوار الجغرافيّ بصورة خاصّة، ولكن عندما تـُخرَق السيادة بهذه الطريقة، ونستنفد أساليب الحوار مع تركيا لم يكن أمامنا إلا اللجوء إلى مجلس الأمن.
- تلقـَّيتم وعداً من الدول الخمس دائمة العضويّة بدعم مسعاكم في مجلس الأمن.. هل تتوقـَّعون أن يُترجَم بخطوة عمليّة هنا، كما أنَّ هناك جُهُوداً أميركيّة ثنائيّة، وفي بغداد -أيضاً- في هذا الشأن.. كيف تتوقـَّعون أن تـُثمِر الجُهُود الأميركيّة؟
الجعفريّ: نحن نبقى نتمسَّك بالدفاع عن السيادة، ونعتبره ضرورة، وتتفق معنا دول العالم كافة التي أخبرت مُباشَرة عن موقفها سواء كان على مُستوى السفراء في بغداد، أم وزراء الخارجيّة الأجانب، أم وزراء الخارجيّة العرب، ودَعَوْنا إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجيّة العرب..
كلُّ مَن التقيناه، أو تحدَّثنا معه كان يتفق معنا أنَّ هذا الخطوة تـُعَدُّ خرقاً للسيادة العراقـيّة، وأعرب عن موقفه الإيجابيِّ المُتضامِن مع العراق.
- في رسالتكم إلى مجلس الأمن تقول: العراق يتخذ كلَّ الإجراءات الضروريّة كافة لإنهاء هذا العمل العدائيِّ.. هل هذا يشمل أيَّ إجراءات عسكريّة إذا أمكن من قِبَل العراق في المُستقبَل، كما تطرَّقت إلى موقف الحكومات المحليّة منها حكومة إقليم كردستان التي رحَّبت بالوجود التركيِّ في محافظة الموصل.. ما موقف الحكومة العراقيّة إزاء هذا؟
الجعفريّ: هذا الشأن سياديّ تـُقرِّره الحكومة، والقوات المُسلـَّحة العراقـيّة، والقائد العامّ للقوات المُسلـَّحة العراقيّة هو رئيس الوزراء. هذا ليس شأناً محليّاً، نعم.. عندما تكون إعادة انتشار القوات المحليّة من محافظة إلى محافظة كأن يكون من كركوك إلى سليمانيّة، أو داخل سليمانيّة، أو دهوك فهذا شأن محليّ، أمّا عندما تدخل قوات أجنبيّة بهذا الحجم بعمق 110 كيلومترات فهذا شأن سياديّ تـُقرِّره الحكومة، ويتفاعل معه البرلمان، والسلطات المعروفة.
بالنسبة لنا لا نبدأ حرباً، ولا نـُحبِّذ أن نـُوجـِد أجواءً من شأنها أن تجرَّ العراق، ودول الجوار الجغرافيِّ إلى حُرُوب.. لدينا تجربة طويلة مع الحكومات التي ورَّطت العراق سواء كانت في حُرُوب محليّة، أم إقليميّة، لكننا نضع مجلس الأمن أمام مسؤوليّـته، أمّا إذا كان العراق في حالة دفاع عن كرامته، وعن أرضه، وعن ثرواته، وما شاكل فهذا بحث آخر.. العراق يجب أن يُدافِع عن نفسه بكلِّ السُبُل المشروعة.
- ذكرتم في نهاية كلمتكم أنَّ من حقِّ العراق حسب ميثاق الأمم المُتحِدة والمادّة 51 الردِّ من أجل الحفاظ على سيادته.. هل الحلّ العسكريّ، واستخدام القوة هو أحد هذه الخيارات، وذكرتم أنَّ سفراء الدول الدائمة العضويّة يدعمون العراق. هل السفراء الخمسة سيُؤيِّدون العراق في هذا المجال؟
الجعفريّ: نحن لن ننزل إلى المعركة، والحرب إلا مع داعش؛ باعتبارها عدوَّة للعراق، وعدوة للإنسانيّة كلـِّها.. نحن مَن حمل شعار: يجب تجميد كلِّ المعارك في كلِّ الدول مادامت المعركة الحقيقـيّة التي تـُهدِّد كلَّ العالم هي معركة الإرهاب عُمُوماً، وداعش بصورة خاصّة..
نحن لا ننوي فتح معركة مع أيِّ دولة من دول العالم، لكن عندما يتعرَّض العراق، وثروة العراق، وسيادة العراق تبقى الأبواب كلـُّها مفتوحة.. نحن لجأنا إلى مجلس الأمن بعد أن استنفدنا أسلوب الحوار كمحطة، ونأمل أن نبتعد كلَّ البُعد عن الحرب؛ لأنَّ الحُرُوب لا رابح فيها. كلُّ الذين يشتركون في الحُرُوب بشكل أو بآخر يتقاسمون الخسارة قبل أن يتقاسموا الربح.
- لماذا أُثيرَت المُشكِلة الآن، وما أثيرت العام الماضي حين كانت القوات التركيّة تتواجد في الموصل كما أوضح السفير التركيّ أنَّ هدف تواجُد القوات التركيّة هو قتال داعش.. ألا ترون في ذلك وجود عوامل مُشترَكة، وأرضيّة مُشترَكة بين العراق وتركيا وهو عدوّ مُشترَك، وهدف مُشترَك، وهو القتال ضدّ داعش؟
الجعفريّ: القوات التركيّة دخلت في الثالث من كانون الأوَّل/ ديسمبر عام 2015، ولا يُوجَد أيُّ اتفاق سابق بين العراق وتركيا على أن تدخل قوات مُسلـَّحة على الإطلاق. كان هناك محضر اجتماع في عام 1983 اتخذ البرلمان العراقيّ في 2009 قراراً لإلغاء الاتفاقات العسكريّة كافة التي تـُبيح لتركيا أن تدخل في الأراضي العراقيّة. نحن مُنسجـِمون مع القرارات التي اتخذناها، ونـُدرك أنَّ ما فعله العراق هو حفظ السيادة، وقبل 3/12/2015 لم تـُوجَد قوات مُسلـَّحة تركيّة قد دخلت هذه المناطق.
- الجانب التركيّ يعتقد أنَّ ذهاب العراق إلى مجلس الأمن خطوة تصعيديّة.. هل كانت لديكم مسارات مع الجانب التركيِّ قبل أن تتوجَّهوا إلى مجلس الأمن؟
الجعفريّ: نحن لم نبدأ بتقديم طلب إلى مجلس الأمن. نحن بدأنا بالحوار المُباشِر مع السادة الأتراك، وسلـَّمنا رسالة عبر السفير، وبذلنا الجُهُود تلو الجُهُود من أجل أن نحلَّ القضيّة بشكل أخويٍّ بين الدولتين، وبعد أن تعذر علينا ذلك قدَّمنا رسالة إلى مجلس الأمن، والحوار كان جارياً بطرق الوسطاء، والأصدقاء من أجل تخفيف هذه القضيّة، والاستغناء عن طرح الموضوع في مجلس الأمن إلى الدقائق الأخيرة قـُبَيل اجتماع هذا اليوم، وأنا في الطريق في هذه البناية كانت المُحاوَلات مُستمِرّة من قبل الأصدقاء من أجل حلِّ القضيّة، وكنا نتعامل بروحيّة طيِّبة، وبحُسن نيّة، ولكنَّ الطرف التركيَّ أصرَّ على أن لا يذكر كلمة (سحب القوات من العراق)، وإنما (إعادة انتشار).
إعادة انتشار تعني أن تبقى في العراق، وهذا غير مسموح به، ويُشكـِّل استفزازاً حقيقـيّاً لضمير المُواطِن العراقيِّ، ونحن حريصون أشدَّ الحرص أوَّلاً على عدم خرم السيادة العراقـيّة، وثانياً: احترام مُواطِنينا، واحترام مُكوِّنات الشعب العراقيِّ، والسلطات العراقـيّة المُختلِفة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق