بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلاة، وأتمُّ السلام على أشرف الخلق أجمعين
سيِّد الأنبياء والمُرسَلين أبي القاسم مُحمَّد، وعلى آل بيته الطيبين
الطاهرين، وصحبه المُنتجَبين، وجميع عباد الله الصالحين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
قال الله -تبارك وتعالى- في مُحكَم كتابه العزيز:
((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) [البقرة: 142]
منذ
انطلاقة الإسلام المُباركة أراد لها الله -تبارك وتعالى- أن تكون الأمّة
الإسلامية أمّة تبدأ من الإنسان إلى الأمة، من مُحمَّد -صلى الله عليه وآله
وسلم- لتنتهي إلى الأمّة الجمع.
منذ
انطلق رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بدأ ركبه المُبارَك يستقرب
الأبعدين باللغة، والأبعدين بالجغرافية كصهيب الروميّ وسلمان الفارسيّ
وبلال الحبشيّ، فيجعلهم في الخط الأول إلى جانب أحبّائه وأعزّائه أهل البيت
-عليه السلام-، وهكذا مشت الأمّة مشية؛ تنفيذاً، واستجابة لإرادة الله
-تبارك وتعالى- بقيادة رسوله الحبيب، ومضت شوطاً آخر، وبدأت الأمّة تبني
نفسها حجرة فوق حجرة، وتقطع الطريق مِكماداً بعد مكماد.. هكذا أراد الله
لهذه الأمّة، أرادها أمّة الوسط، الوسط بين العقل والعاطفة، والوسط بين
الروح والمادة، والوسط بين الآخرة والدنيا، والوسط في كلِّ ثنائيات تنتهي،
وتفضي إلى التباعد.
أراد
لها أن تكون عقداً وسطاً؛ حتى تـُبشـِّر أمم العالم بأنَّ هذه الأمة تملك
القدرة على الاتساع للأمم الأخرى، تتسع لها بقلبها الكبير وما يختزن من
مشاعر الحُبِّ، والمودّة، والثقة، والألفة، وبعقل كبير يرث كلَّ رسالات
السماء، وكلَّ الأنبياء والرُسُل؛ بهذا الشيء امتدّت، ولم تمتدَّ على أساس
أنها تملك أساطير الدنيا، أو أموال الدنيا، أو سلاح الدنيا إنما امتدّت
بالحُبِّ، والفكر، والعدل، والمساواة.
هكذا
أراد الله لها، لكنَّ هذا الأمّة فيها أنواع من داخلها، فيها الآخر الذي
يحمل نفس العقيدة، وينبض قلبه بنفس الإحساس والحُبِّ؛ لذا كان الشعار:
((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) [الحجرات: 10]
وهناك
آخر في داخل الإسلام.. لا إسلام بلا آخر يجتهد يُصيب ويُخطئ، لكنَّ شعارنا
أن نتعامل مع الآخر بكلِّ محبّة حتى إذا أخطأ الآخرون بحقنا لا نفترض أننا
حقٌّ مُطلَق، وأنهم باطل مُطلَق:
((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [سبأ: 24]
لذا
سارت هذه المسيرة المُظفّرة تجمع أبناءها وبناتها على حُبِّ الإسلام، تمضي
إلى الأمام تـُبشـِّر الدنيا بأنَّ مرحلة بدأت، وأنَّ البشرية طوت مسافة
جديدة، وحدّاً فاصلاً بين عمر مضى ومستقبل آتٍ أشرقت بإشراقة رسول الله
-صلى الله عليه وآله وسلم- حين صدح بصوته في كلِّ العالم؛ حتى يسمع العالم
الذي بدأ فرداً، وقلّة من العرب في مكة وفي الحجاز وهو اليوم مليار ونصف
مليار، ولم يعُد العرب إلا أقلية في هؤلاء، والأعاجم هم الكثرة الكاثرة،
وكلّهم يهتفون باسم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فلا تصحُّ صلاة
بدون ذكر اسمه الشريف، ولا يصحُّ أذان إلا بذكر اسمه الشريف، ولا تصحُّ
إقامة إلا بذكر اسمه الشريف.
أراد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لهذه الأمة أن يملأها حُبّاً وثقة؛ فانطلقت هذه الأمة تحاور أمم العالم:
((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [سبأ: 24]
ما
قمعت الأمة الإسلامية أحداً، إنما اتسعت للآخرين، ولم تُقصِ أحداً من دون
أن تشيع ثقافة الحرب، والقتل، إنما كان رسول الله -صلى الله عليه وآله
وسلم- مصداقاً لقول الله تبارك وتعالى:
((وَلَا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
حَمِيمٌ)) [فصلت: 34]
الآخر موجود في داخل الأمة:
((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [النمل: 64]
هكذا
كان يتعامل الإسلام مع الآخر، حتى الآخر المُعادي كان يبسط له جناح الذلِّ
من الرحمة، كان يعامله بطريقة إنسانية، ويحاول أن يُقرِّب الآخر بمنطق
الحُبِّ والتقارب، لا بمنطق الدم، وعندما يكون الآخر عدوانياً يواجهه بمنطق
الجهاد..
منطق
الجهاد عندما يكون الآخر مُصِرَّاً على قتل المُسلِمين، وهدر كرامتهم،
وسلب بلدانهم، فكَتَب الجهاد على المُسلِمين، ولكنَّ هذه الحالة بقيت في
تاريخ المُسلِمين استثنائية:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق