السبت، 27 أبريل 2013

كلمة الدكتور إبراهيم الجعفريّ في المُؤتمَر الإسلاميِّ الدوليِّ للحوار والتقريب في فندق الرشيد ببغداد


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..
قال الله -تبارك وتعالى- في مُحكَم كتابه العزيز:
((أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))  (الأنعام / 122)

الوحدة ليست جعلاً تكوينياً يُنزله الله على الأمّة إنما الوحدة تنبع من عُمقها، كما حدَّدتها الآية القرآنية الكريمة في صريح الكتاب العزيز:
((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا))  (آل عمران / 103)
حدَّدت مُفرَداتها، ثم أشفعتها في الآية التي بعدها؛ لتنتقل الآية القرآنية الكريمة من الوحدة كيف تنطلق إلى الوحدة كيف تُصان، وتدوم؛ حتى نُجيد فنَّ الاستمرار والحفاظ على الوحدة ففي الآية 104 من سورة آل عمران سِرُّ الوحدة:
((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))   (آل عمران / 104)
نتحمَّل مسؤولية الوحدة، ونتحمّل صيانتها؛ إذن كلُّ ثقافة تحاول أن تتجه إلى الوحدة، فتصدع في بُنيتها يجب أن ننبري لردِّها.. هذه البِدَع التي استطاعت أن تصل في بعض المناطق إلى منابر الإسلام، وتنظـِّر، وتُشوِّق لأدب الفرقة تدلُّ على انحراف فكريٍّ..
بماذا نواجه هذا الانحراف الفكريَّ، وهو أخطر أنواع الانحرافات.. ما هو المُعادِل لمثل هذا الفساد؟
إنه المُعادِل الفكريّ:
(إذا انتشرت البِدَع في أمتي فعلى العالم أن يُظهِر علمه، وإلا فعليه لعنة الله، وملائكته، والناس أجمعين)
منبر الإسلام وُضِع لبناء الإنسان (وحدة بناء المُجتمَع) لبناء قلبه، وبناء عقله، وهذا المنبر ليس من مهمّته أن يُسعِّر الخلافات الجزئية، وليس من مهمّته أن يُلقي مُفرَداته، وخطابه على المُتلقين؛ حتى يُؤجِّج في صدورهم نار الحقد.
مُجتمَعنا مُجتمَع طوائف، وليس مُجتمَعاً طائفياً..
مُجتمَع الطوائف يجب أن يُصان. أمّا مُجتمَع الطائفية فيجب أن يُرفَض.
العلاقة مُتبادَلة بين المُجتمَع والمُتصدّي، فالمُتصدّي يجد نفسه -بالضرورة- ينصاع، ويستجيب للمُكوِّن الاجتماعيِّ. القائد متلقٍ، ومُجتمَعه مُعطٍ، والمُجتمَع تتفاعل فيه القِيَم، والمبادئ، والمفاهيم، فيعكسها على القائد والمُتصدّي. الأمّة تثق في شوطها الأول، وتراجع في شوطها الثاني، وتعاقب فيما بقي من أشواط الطريق كلّها, ولا ينبغي أن يُفسَّر سكوتها بأنه جهل.
علي الخطيب الذي يعتلي المنبر أن يعرف أنه على موعد لاحق بأنَّ الأمة ستحاكمه ولو بعد حين.
لابدَّ أن أوجِّه خطابي إلى أبناء شعبنا العزيز في العراق، ومن خلالهم إلى كلِّ أبناء الأمة الإسلامية في طول وعرض الأمة، وفي كلِّ مكان.. لا تستمعوا إلى صوت التفرقة، واستمعوا إلى صوت الوحدة، والمحبّة، والثقة؛ فالاستماع مسؤولية:
((الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ))  (الزمر / 18)
هذا هو القرآن الكريم يدفع المُستمِع لأن يتحمَّل مسؤولية ما يستمع؛ حتى يبني عليه، ويرتب أثراً.. وردت في مُؤتمَركم الموسوم (مؤتمر الوحدة) مُفرَدات المرأة والشباب.
ما هذا الخطاب الذي نسمعه من منابر المسلمين إلى الشباب والمرأة؟!
المرأة ينبوع الحُبِّ، وعنوان السلام، ومِصداق المودّة، ولم يقف القرآن الكريم عند أن يكون المرأة والرجل مُتحابَّين بل أراد منهم أن يكونا مُتوادَّين:
((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً))  (الروم / 21)
ولم يكتفِ عند حدود المحبّة إنما حُبٌّ يغمر القلب، وينعكس على شكل سلوك والتزام؛ وهو المودّة؛ لذا وردت المودّة مرتين: مرة في العلاقة الزوجية كأساس لبناء المُجتمَع، وأخرى لأهل البيت -عليهم السلام- قال الله -تعالى-:
((قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى))  (الشورى / 23)
تشيع الآن عملية تمزيق المُجتمَع، وتمزيق الأسرة باسم الإسلام ومن منابر المُسلِمين.
أمّا الشباب فهم عنوان الإرادة، عنوان الرفض لكلِّ أنواع الظلم..
نريد من الشباب أن يستمعوا إلى خطاب يدفعهم؛ حتى يُقدِّموا عَرَق جبينهم في بناء البلد، ودموع عيونهم لمواساة المظلومين والمحرومين، ويختزنوا، ويُبقوا قطرات دمهم للدفاع والذود عن حياض العراق، وحياض الكرامة..
هذا هو ما نريد منهم..
أمَّا الخطاب الذي يُؤجِّج في صدورهم الحقد والكراهية فهو مرفوض.

إخوتي الأعزاء.. هناك مَن يعتلي المنبر -للأسف الشديد- الذي كان يعتليه رسول الله -صلى الله عليه وآله-؛ ليبثَّ الفكر، ويُعطي الحُبَّ، ويُعلّم الآخرين كيف يصونون كرامتهم ودماءهم، أمّا اليوم فنجد بعض قراصنة الفكر، وعُشّاق السادية يُثيرون أدب القتل، والحقد على الآخرين، واستباحة الدم؛ فنحن بأمسِّ الحاجة لأن نتأسّى برسول الله -صلى الله عليه وآله-؛ لأنه كان عنوان وحدة المُسلِمين، بل وحدة الإنسانية كلّها في طولها وعرضها، في وقته وفي الأزمنة اللاحقة.
والإعلام هو الآخر ابتُلِي بعمى بصيرة يحاول بشكل آو بآخر أن ينفخ بالكثير من الصغار، فيُضخِّم حجومهم، ويُقلّص من حقائق الأمور؛ حتى يختزلها بحجم ضئيل، ويُبعِد القريب، ويُقرِّب البعيد.
عمى البصيرة الإعلاميّ هو هَوَس الإعلام الذي بدأ يمتدُّ إلى بعض فضائياتنا.
الإعلام الذي ينطلق من بلد يختنق فيه الرأي والحرية حتى ضاق بشاعر قال قصيدة هجاء فحُكِم عليه بـ 20 سنة، وتنطلق تلك الفضائية من ذلك البلد لتعرِّف لنا معنى الحرية، ومعنى الثورة!!

رسالتي إلى كلِّ مُبلـِّغ، وكلِّ عالم أن يرتقي إلى مستوى مهمّته عندما يعتلي المنبر، وإذا كان الناس ينظرون إلى رؤوس العلماء، وما توشَّحت فيه من تاج العمامة -وهو شرف- تأسّياً برسول الله -صلى الله عليه وآله- إلا أنَّ الله -تبارك وتعالى- لا ينظر إلى ما ارتدوا، ولا ينظر إلى ما على رؤوسهم إنما ينظر إلى عقولهم كم حملت من الفكر، وإلى قلوبهم كم كانت مُوشَّحة ومُعمَّقة بالتقوى، وحُبِّ الخير والثقة بالآخرين.
هذا ما يريده الله -تبارك وتعالى-، وهو يعلم خائنة الأعين، وما تُخفي الصدور.

إخوتي الأعزاء.. اليوم نعاني من خطر يداهم الإسلام كلّه في مناطق المُسلِمين كلّها من دون استثناء.. الفتنة عندما تشتعل في بلد لا تستطيع أن تمنع وقوعها، لكنك تستطيع أن تحجِّمها، أو تحول دون انتشارها إلى مناطق أخرى.
يذكّرني ما يحصل اليوم ليس في العراق فقط إنما في مصر، وليبيا، واليمن، وتونس بعض الشيء، وفي العراق يُعيدني إلى زمن أبعد إلى القرن السابع عشر، وإلى جغرافية أبعد إلى أوروبا، وتحديداً في ألمانيا وحرب الثلاثين عاماً بين الشمال والجنوب الحرب الطائفية التي امتدّت من عام 1618 إلى 1648، وعمَّت البلدان الإسكندنافية كلّها؛ لذا ينبغي أن ننظر إلى الحرب، والشغب، والعنف بأنها كُلّي يُهدِّد الوضع كلّه في كلِّ مناطق العالم الإسلاميّ.

إخوتي الأعزاء.. المُشترَكات بين السُنة والشيعة تُتعِبنا إذا أردنا أن نقوم بعدِّها، وتُوصِلنا إلى حدِّ الإعياء؛ لكثرتها؛ لذلك دعونا نعدُّ ما نختلف، وهو لا يتجاوز الأرقام الضئيلة جداً.
المُشكِلة ليست في العدد إنما المُشكِلة في العدِّ وفي العادِّ الذي يعدُّ علينا هذه المشاكل على ضآلتها، وقلّتها يقرع دائماً آذاننا بأننا مُختلِفون، وينبغي أن يأتي الردُّ بأننا إنما نختلف فلا نختلف على أصول الإسلام، ولا نختلف على ثوابت الإسلام، ولا نختلف على المُسلّمات التي جاء بها رسول الله -صلى الله عليه وآله- كلُّ هذه من ثوابتنا.. نحجُّ إلى بيت واحد، ونصوم في شهر واحد، ونتأسَّى برسول واحد، ونُؤدّي الفريضة خمس مرات على نحو الوجوب، ونردِّد ((إياك نعبد)) في كلِّ صلاة 10 مرات على نحو الوجوب في الصلاة يومياً.
ماذا تعني: ((إياك نعبد))؟
هذه الكلمة قليلة في حروفها، وكبيرة في ميزان الله، أي نعبدك، ولا نعبد سواك.
سِرُّ التوحيد في هاتين الكلمتين ثالوث التوحيد العابد والعبادة والمعبود في هاتين، بل حتى في العبادة لك من موقع استعانتي بك، ((وإياك نستعين)) أيُّ عبادة تسمح، وأيُّ إنسان يسمح، وأيُّ دين يسمح بأن يُهدِر دماً، ويهتك عرضاً، ويُبدِّد مالاً، ويلوذ بالأجنبيّ؟
((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ))  (النساء / 60)
يستعينون، ويلوذون بأعداء الإسلام على المُسلِمين.

إخوتي الأعزاء.. جاء مُؤتمَركم على موعد في ظرف يعيش فيه العالم الإسلاميِّ إرهاصاً حادّاً، ونريده أن يبقى ربيعاً ليس فقط في الدول التي اندلع، وبدأ بها الربيع، نريده أن يستمرَّ ربيعاً يعمُّ المنطقة، بل يعمُّ العالم كلّه؛ لأنَّ الظلم أطبق في كلِّ مكان، والأعناق مُشرئبّة لحامل لواء العدل أن يُوقِف مسيرة الظلم؛ لذا يجب أن تنطلقوا من العراق موقع التجربة والتاريخ، ومجال التنظير والتطبيق والتعايش بين أبناء المذاهب؛ لتصوغوا نظرية تتكفّل بمعالجة كلِّ الخلافات في كلِّ العالم الإسلاميِّ..
أتمنى لكم المُوفـَّقية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق