السبت، 21 يوليو 2012

كلمة الدكتور إبراهيم الجعفري في المؤتمر التاسع لأئمة وخطباء مساجد وحسينيات بغداد


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة، وأتمّ السلام على أشرف الخلق أجمعين سيد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، وجميع عباد الله الصالحين..

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

قال الله - تبارك وتعالى - في محكم كتابه العزيز:

((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ))

عندما يكون الحديث في حضرة أصحاب العلم والفضيلة، والذين ينطلقون من المسجد هذا المكان المبارك الذي يتولى بناء الإنسان بناءً يدخل إلى عمق عقله ونفسه، ويدخل إلى قلبه وعقله، وكل جوانب حياته لابد أن نقف - ولو بشكل سريع - عند المسجد مادام الحديث مع أئمة المساجد خصوصاً أننا نوشك أن ندخل في شهر الله - تبارك وتعالى - شهر رمضان المبارك.

المسجد يتولى عملية بناء القلب، وهو مكان الله، وإنما سُمّي مسجداً لأن الناس يسجدون فيه لله تعالى.

افتتحتُ كلمتي بالآية القرآنية الكريمة:

((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ))

حيث انطلق رسول الله (ص) بين مسجدين المسجد الحرام في البداية، وانتهى بالمسجد الأقصى المبارك.







لماذا يسمى المسجد مسجداً؟

لأن الإنسان، وهو في حالة السجود، كما في الرواية الشريفة عن الإمام جعفر بن محمد (عليهما السلام) حين يقول: إن الإنسان في السجود أقرب ما يكون فيه إلى الله.

فاكتسبت مفردة السجود أهمية استثنائية؛ لأن الإنسان المصلي يسجد فيه، نعم.. هو يقوم، ويركع، ويسجد غير أن السجود يموّله بما لا يموّله في أي جزء من أجزاء حركته في الصلاة، ومما يموّل العبد به، هو الثقة بالله والابتعاد عن الغرور، قال الله تعالى:

((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا))

ترى الإنسان يمشي مشية المتواضع لو استنطقت الأرض من تحت أقدامه لقالت: إن هذا في مشيته يختلف عن الآخرين، لا يمشي مشية المغرور، ولا يمشي مشية المستعرض في بدنه وعلمه، ولا بأي شيء.

تلك الفائدة تتأتى من الآية التي بعدها مباشرة:

((وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا))

ولم يقـُل قياماً وسُجَّداً، ولم يراع ِالتراتبية البدنية في الصلاة، من قيام وركوع وسجود غير أن الآية القرآنية الكريمة أخذت السجود، ولم تأخذ القيام والركوع لا لشيء إلا لأن الإنسان في حالة السجود يكون أقرب ما يكون إلى الله تبارك وتعالى، وهو في السجود لا يرى موضع سجوده، فيكون منقطعاً إلى الله.

يكتسب المسجد أسماء أخرى، ومنها: الجامع.

مثلما عبّر المسجد عن نفسه بأنه يرمز إلى العمق الحقيقي لرسالته، وهو الإنسان المؤمن بقلبه أخذت كلمة (الجامع) امتداداً أفقياً يستوعب الجماعة الكبيرة من الناس؛ لأن الناس يجتمعون في المسجد بكل فصائلهم، وبمختلف أعمالهم ومن مختلف ثقافاتهم، ويأتون إلى المسجد، ويجتمعون إليه فيمتد أفقياً، وتجد أن إمام الجماعة يمتد بامتدادهم، يخاطب الجميع فهم على موعد في كل يوم إذا كانوا يُوفـَّقون لصلاة الجماعة، وفي كل يوم جمعة إذا كانوا يُوفـَّقون لصلاة الجمعة، يوجه خطابه إليهم؛ من هنا اكتسب المسجد أهمية استثنائية في الإسلام، فهو المصنع الذي يتولى بناء الشخصية، يغسل القلب من الأدران، يصوغ العقل، يعكس تلك المفاهيم والقيم على سلوكنا جميعاً.. ما بين أن ندخل إلى المسجد، ونخرج منه يتحقق فرق كبير.. هذا الفرق يتناسب ومقدار ما نفتح عقولنا وقلوبنا؛ لننشر المحبة في عالم يغصّ في الأحقاد، ونمد الجسور مع الآخرين في الوقت الذي تـُفرَض كل أنواع الحصارات والغيتو بين الناس، ويميّزون بين طبقاتهم الاجتماعية غير أن الذي ينطلق من المسجد ينطلق بعقل كبير وبصدر كبير وبقلب كبير يمتدّ مع رسالة المسجد إلى أبناء الطبقات الاجتماعية، وهم يصلـّون، يتقربون إلى الله بذات الكعبة حيث يتوجهون إليها، وخلف الإمام العادل الذي نصلي خلفه، ويجتمعون لذات الخطاب، ويتوجهون لتحقيق ذات الأهداف.







نحن على موعد مع المسجد المكان المُشرَّف، ومع الخطيب المكين، ونتطلع إليه وهو يؤدي رسالته، ويوجّه خطابه إلى المجتمعين، ويؤثر هذا الثالوث (الخطيب المعطي، والمستمع المتلقي، والخطاب الجسر المُوصِل بين المعطي والخطيب) في الناس.

يستطيع الخطيب أن يؤثر في الناس إذا استطاع أن يُوصِل حمولته الفكرية إلى عقولهم وأذهانهم فيكون معلماً، وحين يطبّق يتحوّل التعليم إلى تربية.

حين تخرج المفاهيم من عقل ممزوجة بالعاطفة يكون الخطاب خطاباً تربوياً، وبقدر ما ينطلق من قلبه كمعطٍ تربوي سينفذ إلى قلوب المستمعين كمتلقين؛ لذا يسجّل إمام المسجد فرقاً نوعياً في صفوف الذين يتلقون منه بين أن يبدأوا رحلتهم في المسجد يومياً كان أم أسبوعياً أم شهرياً أم موسمياً كأنهم على موعد للتزوّد والتموّل من تلك المحطة الرائعة.

في المسجد المبارك، ونحن على أبواب شهر رمضان المبارك، ومن موقع الالتصاق ببيوت الله ننفتح على كتاب الله، يقول الله تبارك وتعالى:

((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ))

جاءت هذه العظمة لشهر رمضان؛ لأنه أنزل فيه القرآن هذا الكتاب العظيم الذي وصفه الله تعالى:

((لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ))

الإنسان وهو في بيت الله في المسجد ينفتح على كتاب الله كتاب الحياة، ويتحرّك فيه مع كل آية، يترقب في العشرة الأولى والعشرة الثانية حتى يحين موعد ليالي القدر المباركة من ليلة التاسع عشر إلى الحادي والعشرين إلى الثالث والعشرين، وكأنه أخذ قسطاً وافراً لترويض الجسم حتى تستفيق إرادته لتغلب شهوته، ويستفيق عقله ليغلب جهله، ويكون على موعد مع ليلة القدر تلك الليلة النوعية التي لا تـُقدَّر ببقية الليالي حيث الزمن النوعيّ، وحيث الجزاء، وحيث اختزال المسافات للرحلة من شاطئ المعصية إلى شاطئ التوبة.

في ليلة القدر نزل القرآن الكريم:

((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ))

((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ))

((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ))

((لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ))

وفيها نكون على موعد مع الزمن النوعيّ؛ حتى تكوّن لدينا الفرصة التي نـُولـَد فيها ولادة نوعية.. هناك إنسان اعتيادي وإنسان نوعي ومكان نوعي وزمن نوعي، والقرآن الكريم يبث علينا هذه المفاهيم؛ حتى ننسلخ من وحدات القياس المادية إلى وحدات القياس المعنوية في شهر رمضان المبارك، ونكون على موعد مع كتاب الله العزيز القدير، ننفتح عليه في كل جوارحنا، هذه الفرصة التي يقوى فيها الإنسان تمتد إرادته على شهواته ليس فقط شهوات الحرام حتى شهوات الحلال تجمد، وتهدأ، ولا تستطيع أن تأكل، ولا تستطيع أن تشرب، ولا تستطيع أن تمارس أياً من المفطرات الأحد عشر المعروفة في الكتب الفقهية؛ وبذلك تأخذ الإرادة حصة كافية من الامتداد إلى كل جوارح البدن.. لا ينبغي أن نمرّ مروراً سريعاً على شهر رمضان من دون أن نحوّل هذا الشهر المبارك إلى ولادة، ونكون قد حققنا فرقاً نوعياً بين أن نبدأ في شهر رمضان المبارك، وما ننتهي منه.. لا ينبغي أن نمرّ مرور الغافلين.. لا ينبغي أن تمرّ نهارات شهر رمضان ولياليه مروراً عابراً من دون أن نعرّج إلى الله - تبارك وتعالى - ونستثمر كل ليلة فيه وكل ساعة فيه وكل فرصة من فرصة؛ حتى نستطيع أن نتموّل، ونتغذى على هذا الزاد المعنوي زاد التقوى مادام المعيار هو التقوى:

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ))

لم يقـُل أقواكم بالبدن، ولم يقـُل حتى أكثركم في العلم، نعم:

((يرفع الله الذين آمنوا منكم درجات والذين أوتوا العلم درجات))

ربما يعتري الإنسان بعض الأحيان مع كونه يعلم بعض مُغريات الدنيا، وربما يكون وهو يتدرّج على السُلـّم العلميّ يخترقه الرياء، أما التقوى فلا توجد تقوى جيدة وتقوى سيئة التقوى هي نفسها في كل الأحوال، وهي معيار مطلق في التفاضل بين الناس:

((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ))

هذا الجهاز الداخلي الذي يتولى كبح جماح الشهوة في السر وفي ظلام الليل، هذه الرقابة الذاتية تمنع الإنسان من أن يمدّ يده إلى محرّم، أو يرمق بعينه إلى محرّم، أو يتكلم بلسان، ويرتكب محرّماً.

التقوى هي الأساس في كل شيء..

الآية القرآنية الكريمة المباركة:

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ))

الصيام ليس تشريعاً إسلامياً إنما تشريع سبق الإسلام:

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))

نعم.. بجعول تختلف من شريعة إلى أخرى، لكن تشريع الصوم سبق تشريع الإسلام بزمن في

الآية منصوصة العلة:

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))

والمعيار التفاضليّ في القرآن الكريم، هو:

((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ))

من أين تتزوّدون بهذه التقوى، أيّ شهر يتولى عملية توفير حصة التقوى التي يقف فيها الإنسان سليم القلب، وما يفيض على جوارحه، على عينه حين ينظر، وعلى لسانه حين يتكلم، وعلى ماله حين يحاول أن يجمعه، وعلى تصدّيه حين يكون سياسياً، وعلى خطابه حين يكون إعلامياً، وما شاكل ذلك؟

كيف نؤمّن تلك الطاقة؟

إنها التقوى، إنها الروح التي تدبّ في البدن فتحوّله إلى عمل صالح.. شهر رمضان شهر التقوى.. شهر الخير والعطاء الذي يقترن فيه العمل بالتقرّب إلى الله.





ماذا يعني الصوم؟

هو الكف:

((إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا))

لا عمل، وتقف الجوارح، وتنوي في قلبك أن تكف، وأن تعمل لوجه الله - تبارك وتعالى -، وفي كل عمل عباديّ ربما يخالطه الرياء، ويستطيع الشيطان أن يجد فرصة ليوسوس له إلا الصوم، وقد جاء في الحديث القدسي:

((كل أعمال ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)

يجب أن نتهيّأ لهذا الشهر المبارك، يجب أن نحوّل كل شيء من حولنا إلى ميدان للتقوى، نتزوّد منه، ونـُحدِث إسقاطات مع الآخرين. لا معنى لأن نصوم، ثم نطلب من الآخرين أن يتحملوا أمزجتنا، وعصبيتنا، وضيق صدورنا، يجب أن يكون الصائم واسع الصدر كبير العقل مُؤثِراً الآخرين على نفسه؛ حتى يلتقي الصوم بالعطاء، يجب أن تشهد زوجاتكم وأمهاتكم وأبناؤكم وبناتكم بأن الأب والزوج والأخ في شهر رمضان يتخلق بأخلاق رمضانية، وينبغي أن نمتد بعطاءات رمضان إلى ما بعد رمضان؛ فنحوّل الصوم من أداء إلى إقامة، كما نحوّل الصلاة من أداء إلى إقامة.

القرآن الكريم يأمرنا أن نقيم الصلاة، لا أن نؤديها فقط، وينبغي أن نمتد بصومنا إلى كل ميادين الحياة، كما ينبغي أن نمتد بصلاتنا إلى كل ميادين الحياة، قال الله تعالى:

((اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ))

وكما ورد في الحديث الشريف:

(من لم تنهَه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعداً)

المقصود بإقامة الصلاة هو أن تمتد الصلاة إلى كل عمل، فيؤدي ما يطابق أمر الله، ويجتنب ما يخالف أمر الله.

لابد أن نتزوّد منه، والمُبلـّغ بالذات؛ لأنه يتولى عملية صناعة المتلقي، وهو يحمل أمانة كبيرة تنوء منها الجبال:

((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا))

هذا وصف القرآن:

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ))

تلك الآية تأخذك من شاطئ الناس لتوصلك إلى شاطئ الإيمان.. في البداية لا تستحق أن توصف بأنك مؤمن، فقال لك:

((ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة))

فقرع يها عقولكم، وقال:

((وشفاء لما في الصدور))

ليدخل إلى أمراض القلب من الرياء والحقد وسوء الظن، وقد تولاها القرآن الكريم ليعالجها. ((وهدى))

ليضعك على الطريق الصحيح.

((ورحمة للمؤمنين))

لتنتقل إلى شاطئ الرحمة..

يجب أن نتزوّد من القرآن الكريم، وأروع شيء أن تفتح القرآن الكريم، وتكون قد كبحتَ جماح عواطفك، وشهواتك؛ لتنفتح بكلك على كل القرآن، وتخاطب كل آية، وتجد أن القرآن يخاطبك زوجاً أو ابناً أو زوجة، وتخاف من كل مشهد من مشاهد القيامة حين يعصف بك القرآن الكريم، ويهدّد بالنار، وتستبشر حين يخاطبك القرآن الكريم من موقع الطاعة عندما تكون مستبشراً بالجنة ومبشَّراً بها.

لا عمل من دون تقوى. إن الذين يتصورون أن الدين لا علاقة له بالسياسة، وأن التقوى لا علاقة لها بالسياسة ذلك هو الآفة الكامنة في العمق، آفة السياسيين قلة التقوى، وغياب الله

- تبارك وتعالى - من قلوبهم.

الإمام الصادق (عليه السلام) لخص التقوى بـ: أن لا يراك الله فيما نهاك، وأن لا يفقتدك حيث أمرك.

الله تعالى نهاك أن تجلس في مجالس فيها هتك وغيبة وبهتان وتزوير وقلب للحقائق، وأمرك بالصلاة وأداء حقوق الناس.

يجب أن نكرّس هذا الشهر لمعالجة الكثير من مآسينا ومشاكلنا، وحين تعضّنا أنياب العطش والجوع نتذكر الفقراء الذين يعيشون ليس شهراً فقط إنما يعيشون أشهر السنة كاملة، وهم يتهدّدهم الفقر، والجوع.

الأمة التي تـُحسن الأخذ من رمضان المبارك تـُحسن الأداء لكل شرائح الاجتماعية، والأمة القوية التي تكون عصيّة عن كل الحصارات السياسية والاقتصادية والإعلامية تستمد من شهر رمضان المبارك كل عناصر الصمود.

الصوم يعطيك العزم على أن تقاوم شهواتك، وتكون شجاعاً مع نفسك، وكما يقول أمير الؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه):

(ميدانكم الأول أنفسكم إن تغلـّبتم عليها كنتم على غيرها قادرين)

نريد أن نسمع من منابر المساجد، ومن خلال ألسنتكم صوت الوحدة، في وقت تهدّد بعض رياح الفرقة، وتحاول أن تبضّع وتجزّئ، وتحوّل العراق إلى أشلاء..

المبلـّغ جاء من البلاغة، وتعني أن يصل إلى تمام ما يرومه، وينفذ إلى نهايته، ويبلغ هدفه؛ لذا سُمِّيت البلاغة بلاغة لأنها تعني تطابق مقتضى الحال، أو لأنها تنفذ إلى حيث تريد.

نريد من خلال منابركم، ومن خلال خطبكم أن تـُحدثوا فروقاً تربوية رائعة في بناء شخصية الشباب الذين كثرت أمامهم التحديات..

نريد من خلال منابركم أن تساهموا في إصلاح ذات البين..

نريد من خلال منابركم أن تعيدوا بناء الأسرة، وترفعوا الحيف عنها..

لابد أن تعمر مساجدنا بهذه المفردات من القرآن الكريم، وهو كتاب الحياة، ونصدح بصوتنا في بيوت الله بكتاب الله، وفي شهر الله؛ حتى ننفذ إلى القلوب، وهي حَرَم الله - تبارك وتعالى -، فيجب أن نعمر بيوت الله.

لقد قدّم إلينا القرآن الكريم نموذجين للمسجد: مسجد دعا الله - تعالى - إلى هدمه وهو مسجد ضرار، واستثنى مسجداً آخر، وهو مسجد قبا؛ لأنه تأسّس على التقوى، وهي نقطة الارتكاز المعنويّ التي تدور عليها كل المفردات الفردية والشخصية في كل شيء:

((لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ))

يجب أن يكون القادم إلى المسجد على موعد بأن يأخذ من إمام الجماعة ومن عالم المسجد فكراً، ويخرج من المسجد إلى بيته ليعكس ذلك على زوجته وعلى أمه وعلى أبيه وأطفاله وكل من يكون معه في دائرة التعامل.

يجب أن يكون إمام المسجد قدوة في قوله وفعله، قدوة في خطبه وأخلاقه وذلك أبلغ؛ لأن ثقافة المرئي أرقى وأعلى من ثقافة المسموع.. لا قيمة للخطاب القويّ بلا سلوك قويّ، لا قيمة للمُدَّعى بلا تطبيق.

المُطبَّق فوق المُدَّعى، ولا قيمة لأيّ شيء إذا تناقض المُدّعى والمطبّق:

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ))

يجب أن يموّل المسجد كل الشرائح الاجتماعية من دون استثناء بخطاب يقترن، ويرتبط فيه الخطاب بالخطيب سلوكاً وإخلاصاً وصدقاً؛ حتى نعيد بناء المؤسسات في كل مفردة من المفردات.. مع العامل في معمله.. ومع المهندس في معمله.. مع الطبيب ومع الممرّض في مستشفاه.. مع المعلم في مدرسته.. ومن الفلاح في حقله، ومن كل أحد لا نستثني أحداً.

المسجد روح وفكر وسلوك وعمل، وهذه المسؤولية تقع على عاتق المبلغين بشكل خاص..

أسأل الله - تبارك وتعالى - أن يجعلنا وإياكم مما يصدحون بصوت الحق والإسلام..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
ولمشاهدة نص الكلمة انقر على الرابط التالي

ولمشاهدة الفديو انقر على الرابط التالي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق