الثلاثاء، 10 أبريل 2012

كلمة الدكتور إبراهيم الجعفري في مجلس النواب في ذكرى استشهاد السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس)

وإلى حضراتكم النص الكامل لكلمة الدكتور إبراهيم الجعفري في مجلس النواب في ذكرى استشهاد السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس)
9/4/2012
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة، والسلام على محمد وعلى آل محمد الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه المنتجبين، وجميع عباد الله الصالحين.
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..
قال الله - تبارك وتعالى - في محكم كتابه العزيز:
((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا))
كثرما استهوتني بعض الكتب بأن أقرأها أكثر من مرة، كـ(لمحات عن تاريخ العالم) لأنديرا غاندي التي كتبت عن أبيها جواهر لال نهرو، وكتب أخرى قرأتـُها، وعُدتُ إلى قراءتها مرات ومرات، وحين أعيد قراءتها أجدها في المرة الأخيرة ليست بالقوة التي استهوتني في المرة الأولى، ولا أظن أن الكتاب هبط بمستواه غير أني من موقع اكتساب الثقافة حين أقرأ الكتاب في مرحلة متأخرة من عمري أجد أن الكتاب ليس بالمستوى الذي رأيته حين كنتُ شاباً صغيراً باستثناء كتب السيد الشهيد محمد باقر الصدر، ومنها كتاب (اقتصادنا) الذي درسته في عام 1965، وامتحنت فيه، وكلما أقرأه ازداد إعجاباً، وأكتشف أن هذا الرجل ادّخر في نتاجاته الفكرية سواء كان على مستوى الفلسفة أو الاقتصاد أو الأسس المنطقية للاستقراء أو السنن أو التفسير الموضوعي أو علم أصول الفقه أو الفقه؛ لتبقى حيّة طريّة على مختلف الأجيال والأزمان، وقرأتُ سيرة الكثير ممن ضحَّوا في تاريخ الأمم: (عبد القادر الحسيني الجزائري، وعبد الكريم الخطابي، وعز الدين القسام، والشهيد حسن البنا، والشهيد سيد قطب، والشهيد عمر المختار... وغيرهم) إلا أني حين أقرأ عن السيد محمد باقر الصدر أجد أنه كان استثناءً.
لقد كان السيد الشهيد قمّة في الكتابة والتنظير والتنظيم، لكن قمّته في التضحية علت على كل القِمَم؛ لذا على الإنسان أن يقف إجلالاً واحتراماً لإحياء شخصية بعظمته.
أجد أن الكلمات في أول مرة بالنسبة للأدب المعاصر تتصاغر أمام عظمة السيد محمد باقر الصدر، وأملي أن يقرأه الآخرون ليس فقط من منظور مذهبي أو إسلامي أو عربي إنما يقرأه من موقع إنساني، ولو كان الوقت يتسع لحشدت لكم بعض المشاهد لما قاله لي، أو ما قرأته مما قاله الكثير من المفكرين العرب والمسلمين وغير المسلمين.
محمد باقر الصدر لم يختزل العراق بعقله لكنه استطاع أن يتسع للعراق كله.. اتسع لكم جميعاً، وخاطب العمق الكرديّ، وحرّم الاستهزاء والنكات التي شاعت في وقته بالوسط العراقي تجاه إخوتنا الكرد، فأفتى بحرمة استخدام النكتة على أي كردي.. محمد باقر الصدر انطلق من النجف ومن عائلة شيعية ومن حوزة علمية غير أنه قرأ لفكتور هوغو، وويل ديورانت، وقرأ كارمرت بنظرية القيمة في كتاب (رأس المال)، ونقدها نقداً رائعاً وباهراً.. محمد باقر الصدر اتسع إلى كل المذاهب والديانات؛ ومن حقه علينا أن نقف إجلالاً وتقديراً واحتراماً لهذه الشخصية الفذة التي قرنت الكلمة بالدم، والمفهوم بالمصداقية، نعم.. كان صادقاً مع ربّه، وصادقاً معنا جميعاً، هذا العملاق استشرف المستقبل منذ نهاية الخمسينيات، وتحدّث بلغة قطعيّة بأن الماركسية آيلة للانهيار، وقد ثبت ذلك في البروستوريك الذي كتبها غرباتشوف عام 1985، وكذلك لمّح إلى التداعيات التي تنتاب الفكر الرأسماليّ. وها هي الأزمة الاقتصادية اليوم في المعسكر الرأسماليّ تؤكد ما قرأه السيد الصدر منذ ذلك الوقت.
من الظلم أن لا نقرأ مفكرينا وهم بهذا الحجم، وإذا قرأناهم فنقرأهم من حيّز عاطفيّ وطائفيّ مُؤدلـَج محكوم بخلفيات.. من الظلم أن تنجب الأمة هذا العملاق، ويضيق بعضنا بالبعض الآخر..
ثم أكمل الدكتور الجعفري كلمته متسائلاً باستنكار لمشادّة حدثت بين نائبين أحدهما من التحالف الوطني العراقي والآخر من التحالف الكردستاني؛ إثر بيانات قـُرِئت في البرلمان بمناسبة استشهاد السيد محمد باقر الصدر (قدّس الله نفسه) يرى أحدهما في بيان الآخر خروجاً على المناسبة.
لماذا نختلف ونحن نتحدّث عن شخص نظر إلى وحدتنا، وتفانى من أجلها..
هل هذا هو الوفاء؟
إن من أدنى درجات الوفاء والعرفان بالجميل أن نحقق طموحات هؤلاء العباقرة..
المشترك بيننا كبير.. أقول لكم كلمة اقبلوها مني: اعتذرتْ ألمانيا إلى العالم حين أساءت في زمن هتلر في عام 1933 عندما تسلط الحزب النازيّ؛ لأن الأمة الألمانية انتخبت هتلر، وانتخبت الحزب النازيّ؛ فعبّر هتلر عن إرادة الأمة الألمانية بأكبر انتخابات ديمقراطية في العالم الأوروبيّ، وجاء بـ 78.8%؛ لذا فعلى ألمانيا أن تعتذر سواء قبلت بجرائم هتلر أم لم تقبل فقد ارتكبها، وهو يمثـّل إرادة الشعب، لكن استنساخ هذا في العراق يُعَدُ قياساً مع الفارق؛ فالشعب العراقيّ لم ينتخب صدام، وقد قلتُ للمجتمع الكويتيّ: إن صدام الذي احتلكم احتلنا قبل أن يحتلكم، وسرق أموالنا قبل أن يسرق أموالكم، واعتدى على حرائرنا قبل أن يعتدي على حرائركم..
فمن يعتذر لمَن؟
الحاكم الذي يمثل سيادة العراق اليوم كرديّ وهو الأخ جلال الطالباني وإقليم كردستان يترأسه كرديّ في أول أطروحة للأقاليم الفدرالية.
مع من نتحدث نحن، وعلامَ نتشاجر؟
نحن وإياكم كنا مستهدفـَين من قبل النظام السابق، وأبلغ ردّ على ذلك هو إن هذا الإنسان لا يفهم أن الشعب العراقيّ، ومن يمثل الشعب العراقيّ كان بشكل أو بآخر قد ارتبط بإرادة النظام السابق.
دعونا نقف صفاً واحداً، ونتبرّأ جميعاً من هؤلاء، ونردّ على تلك الثقافة السيّئة بوحدة الصف والكلمة سواء كنا من دين واحد أو من أديان متعددة أو مذاهب أو قوميات أو مناطق أو اتجاهات سياسية.
صدام لم يستثن ِأحداً منكم.. اقرأوا صفحات الجرائم، وقد عقدنا مؤتمر جرائم صدام في بلدان المهجر. انتهينا إلى أنه لم تنجُ شريحة اجتماعية منه.
أستثمر هذه المناسبة؛ لأقول لكم: قدّمنا نموذج لقمّة الفكر، ارتبطت بقمّة التضحية؛ فكان محمد باقر الصدر، وقدّمنا نموذجاً لقمة المرأة التي تقدّمت أديبة ًشاعرة ًفقيهة ًمجاهدة ًمنظـّرة ًمربّية، ومؤسسة ًللمجتمع المدنيّ في العراق حتى توشّحت مسيرتها المباركة بإكليل الدم.. تلك هي آمنة الصدر أخت الشهيد محمد باقر الصدر.
تحية لكل الشهداء، وأبلغ شيء نعبّر به عن مشاعرنا هو هذه الوقفات الرائعة التي انتظمت قبل قليل.
لنقف سوية مثلما نقف لشهيدنا الفذ الصدر، وكذلك نقف للشهداء الذين خرّوا صرعى في الأنفال وبحلبجة، وشهداء العراق من كل المذاهب والديانات والقوميات.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق