الاثنين، 1 مايو 2017

الجعفريّ لطلاب العلوم السياسيَّة: وزارة الخارجيَّة ليست وزارة مذهب مُعيَّن دون بقـيَّة المذاهب ولا قوميَّة دون بقـيَّة القوميَّات ولا أيِّ انتماء دون بقـيَّة الانتماءات فالخارجيَّة تتسع بكلِّ مجالاتها لكلِّ العراقـيِّين وتعتزُّ بهم ولا تـُفرِّق بينهم


قال الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيَّة العراقـيَّة إنَّ سياسة العراق الخارجيَّة منذ أن تمَّ التصدِّي لها رسمت خطـَّها، ومركزها على ضوء إقامة العلاقات مع دول العالم.. وليس سِرّاً على أحد أنَّ العراق كان في حالة عُزلة، وكان تـُوجَد حالة انكماش، وعدم انفتاح العراق، وعدم زيارة العراق، وعدم توجيه دعوة له إلا بحُدُود قليلة؛ لذا طرح شعار إقامة العلاقة، وأنَّ الأصل أن تكون لدينا علاقة مع كلِّ دولة من دول العالم، ولا يسأل أحد: لماذا نـُقيم العلاقة، بل لماذا لا نـُقيم العلاقة؟.. رُبَّما من السهل أن تضع نظريَّة للانفتاح على دول العالم، لكنَّ الصُعُوبة تكمن في التطبيق.
منوهاً: نعتقد أنَّ الثالوث الذي يقف في مصداقـيَّة السياسة، كما هو أيُّ فكر آخر، أو أيّ مُمارَسة أخرى هو أنَّ الدافع، والغاية، والأسلوب يجب أن تنسجم هذه العناصر الثلاثة مع بعضها في الأداء السياسيّ.. الدوافع، والأهداف، والأساليب يجب أن تكون إنسانيَّة؛ لذا فمن يُبحِر في مجال السياسة عليه أن يستعين بأقوى القِيَم، وأنزه الوسائل، ويُحقـِّق أحسن الأهداف الإنسانيَّة.. غير مطلوب منا أن لا نـُخطئ، بل مطلوب منا أن لا نـُخفي الحقائق، ولا نكذب، وإذا أخطأنا نقول أخطأنا، وعندما نصيب نقول: أصبنا.. لا أحد يخاف عندما يُخطئ، لكن نخاف من الكذب، والتدليس، والخداع الذي يُمنى به.. نحن لا نـُنكِر وُجُود أخطاء في التجربة، لكنَّ الخطأ يُحفـِّزنا على أن نعمل من أجل مُعالجة هذه الأخطاء، والحفاظ على وحدة العراق، وسيادته.


عُرِفَ عن بعض السياسيِّين أنـَّه يتعامل مع الجميع -للأسف الشديد- بفنِّ الخداع، بل تجرَّأ البعض منهم بأن يُنظـِّر لهذا الخطاب.. كــ ديزلي، وكثير من المُفكـِّرين السياسيِّين عدُّوا الخداع، والمُراوَغة، وما شاكل ذلك جزءاً من السياسة، حتى عندنا في بعض أروقة التعامُل السياسيِّ -للأسف- بدأ بعض السياسيِّين يُكرِّرون هذه المقولة: (جاوبني جواب سياسي)، أي: جواب كاذب، فيما نعتقد أنَّ السياسة تتطلـَّب أكثر من أيِّ اختصاص آخر أن تتعامل بصدق، ومِصداقـيَّة.
لعلَّ أكثر مَنْ تردَّد اسمه في مجال الخداع السياسيِّ، والكذب هو ميكافلي، وأظنُّ أنـَّه تحوَّل إلى ظاهرة، بل أستطيع أن أقول: يندر أن نرى بعض الأنظمة السياسيَّة المُعاصِرة ما ابتـُلِيَت بجزء من منهجيَّة ميكافليّ.. ميكافلي يعدُّ الغاية كافية، وتبرِّر كلَّ الوسائل (الغاية تبرِّر الواسطة)، أي: أن تكون غايتك شريفة لك أن تستخدم أيَّ وسيلة، فيما نعتقد أنَّ الثالوث الذي يقف في مصداقـيَّة السياسة، كما هو أيُّ فكر آخر، أو أيّ مُمارَسة أخرى هو أنَّ الدافع، والغاية، والأسلوب يجب أن تنسجم هذه العناصر الثلاثة مع بعضها في الأداء السياسيّ.
تجربة السياسة بعد المرحلة التي انقضت (مرحلة الدكتاتوريَّة، والحاكم الفرديّ) شهدت انعطافة جديدة، ولنا الحقّ أن نقول: العراق اختلف بعد 2003 عمَّا كان عليه سابقاً، إذ وقف الناس في مُختلِف مناطق العراق طوابير للتصويت على الدستور، بل حتى العراقـيُّون في عواصم العالم، وكنا نـُصِرُّ على ضرورة إنجازه رغم أنَّ الظروف كانت صعبة، وبعض الدول حاولت أن تتدخـَّل؛ لتـُعيق هذه الخطوة، لكنَّ الإرادة الوطنيَّة أصرَّت على ضرورة تنفيذ هذه الخطوات، كما أنَّ العراق يبعث رسالة إلى كلِّ دول العالم بأنَّ ما يسمع من تفجيرات، وما يغلب من اللون الأحمر لون الدم في التلفزيون هناك صوت آخر، وهو صوت الانتخابات، ولون آخر، وهو لون التعايش بين كلِّ مُركـَّبات الشعب العراقيّ.
الدستور ليس أمراً بسيطاً، فلا نزهد به، لكنَّ هذا لا يعني أنَّ الدستور ليس عليه مُلاحَظات، لكنَّ المُلاحَظات الموجودة على الدستور لا تبرِّر خرقه.. نعم، الدستور ليس كتاباً مُقدَّساً، هو ليس إنجيلاً، ولا توراة، ولا قرآناً، لكنه عقد اجتماعيّ.. الدستور خاضع للتبدُّل، والتغيير.. الدستور يصنع واقعاً سياسيّاً، والواقع السياسيّ يتطوَّر، فيُغيِّر الدستور؛ لذلك عندما نـُؤرِّخ للدساتير في العالم ما بين كـُتِبَت في نسختها الأولى إلى ما وصلت إليه تبدَّل مرّات مُتعدِّدة في أرقى دول العالم.. لا تـُوجَد دولة في العالم لم تـُغيِّر دستورها، ولكنـَّها تـُغيِّره بطريقة دستوريَّة نصَّ عليها الدستور.
رُبَّما تضايقت بعض الدول من أنَّ هذا سبَّب وعياً اجتماعيّاً، ورُدُود فعل عند مُواطِنيها، وأنـَّهم يتطلـَّعون في بلدانهم أن ينتقلوا عندما يرون أنَّ المرأة العراقـيَّة تـُشارك، وتصل إلى الحجم الذي وصلت إليه في البرلمان، فالآن تـُوجَد 82 سيِّدة في مجلس النواب، وكان في الحكومة الانتقاليَّة ست سيِّدات وزيرات؛ ممَّا سبَّب اختلالاً سياسيّاً في بعض مُجتمَعاتهم؛ ما كان هذا حتى في بلدان أوروبا؛ إذن العراق يتقدَّم بشكل حثيث، وجيِّد نحو الأمام.
العراق لديه حضارة، وثقافة، ورؤية إنسانيَّة، ولا يُختزَل بأرضه، والمُواطِن العراقيُّ أكبر من أرضه، والشعب العراقيّ أكبر من أرضه؛ لذا أقول للذين هاجروا من العراق لأسباب مُعيَّنة سواء كان في المرحلة السابقة، أم الآن، مع الفرق الكبير بين هجرة العراقـيِّين سابقاً قبل التغيير، وهي التي كانت هُرُوباً من الدكتاتوريَّة، والإعدامات، ولا يخلو بيت عراقيّ من شهيد، وأنا أتحمَّل مسؤوليَّة هذه الكلمة، ولا تخلو عاصمة من عواصم العالم إلا وتمَّ فيها اغتيال مُواطِنين عراقـيِّين من مُختلِف الخلفيَّات السياسيَّة، واليوم يُوجَد مُهاجرون؛ إذن الهجرة قبل التغيير كانت هُرُوباً من جحيم النظام، ومن إعداماته التي نشرها، ومن الضائقة، والحصارات التي مرَّ بها العراق، والحُرُوب التي مرَّ بها العراق، أمَّا الهجرة الحاليَّة فليست هجرة هُرُوب من النظام، بل يلوذون بالنظام.. المُواطِن العراقيّ يخرج من الموصل، ويذهب إلى دهوك.
خِيَرَة خلق الله هاجروا من كلِّ الاتجاهات.. اقرأوا تاريخ الدول، حتى الأنبياء هاجروا، الرسول -صلى الله عليه وآله- هاجَرَ إلى المدينة المُنوَّرة، وكذا الحال في الدول الأخرى الدول العلمانيَّة الذين أقاموا حواضرها هاجروا، لينين كان في برلين عندما قامت الثورة البلشفيَّة عام 1917، ودخل موسكو بقطار من ألمانيا إلى الاتحاد السوفيتيّ، وديغول كان في بريطانيا، وغيرهما كثير من قادة العالم، بل كلّ قادة العالم عندما يُواجهون دكتاتوريَّة، ويُناضِلون تواجههم الأنظمة القائمة بلغة الحديد، والنار، فهناك مَن يُقتـَل، وهناك مَن يُسجَن، وهناك مَن يهرب بنفسه؛ حتى يُكمِل مسيرته.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق