الاثنين، 27 مارس 2017

الجعفريّ: العراق قاتل أصالة عن نفسه ونيابة عن دول العالم كافة وهذا يترتب عليه أن يُسجِّل الإخوة العرب حُضُوراً نوعيّاً مُتميِّزاً ويسمع كلِّ عراقيٍّ بأنـَّنا لا نترككم وحدكم.. نعم، أنتم تحمَّلتم مسؤوليَّة بذل الدم لدحر داعش ونحن نشارك معكم في إعادة البناء

لقاء قناة BBC العربيَّة مع الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيَّة العراقـيَّة على هامش الاجتماع الوزاريِّ التحضيريِّ للقِمَّة العربيَّة/ الدورة العاديَّة الـ28 في البحر الميت بالمملكة الأردنيَّة الهاشميَّة 26/3/2017


  • ماذا يُريد العراق من هذه القِمَّة (قِمَّة الدول العربيّة/ الدورة 28)؟
الجعفريّ: العراق يُريد من الجامعة العربيَّة أن تكون حاضرة عراقـيّاً ليس فقط بحجم العراق -وهو حجم مُوغِل بالقِدَم إنسانيّاً، وحضاريّاً، وتاريخيّاً-.. يجب أن تحضر في العراق بما هو الآن في خط المُواجَهة الأوَّل في تحدٍّ عالميٍّ، وهو داعش.. ويجب أن تستحضر الاستحقاقات المُترتـِّبة على إنصاف العراق.
العراق أعطى من دماء أبنائه، وأنفق من ثروته، وسجَّل حُضُوراً مُتواصِلاً في خط التماسِّ الأوَّل ضدّ داعش، وقاتل أصالة عن نفسه، ونيابة عن دول العالم كافة، وبالأخصِّ الدول العربيَّة؛ لأنَّ هناك الكثير من عناصر داعش يحملون جنسيَّات عربيَّة.
نحن نـُريد، ونحرص على أن تصل أسماء الدول العربيَّة إلى مسمع، ومرأى أبناء الشعب العراقيِّ بما هي مُعطية، وواقفة إلى جانب العراق.

  • ما المطلوب من هذه الدول بشكل مُحدَّد؟
الجعفريّ: نحن على وشك أن ننتهي من تحرير مدينة الموصل، وهي ثالث المُدُن التي تعرَّضت للاستلاب، والتخريب، والتفجير.
ماذا بعد تحرير الموصل؟
مدينة الموصل هي ثاني أكبر مدينة في العراق بعد العاصمة بغداد، وهي مدينة واسعة، ومُتعدِّدة، وثريَّة، والآن تحوَّلت إلى خراب، فإعادة الإعمار والبناء يتطلـَّب إسناد العراق.. يقف الاقتصاد في مُقدّمة هذا الإسناد، أعني: يجب أن تقف الدول العربيَّة إلى جانب العراق.
العراق بلد غنيّ في الظروف الاعتياديَّة، أمّا الآن فظرفه استثنائيّ، والأشقاء العرب يُدركون جيِّداً مدى ثروة العراق، ونفط العراق، ومياه العراق دجلة والفرات، والسياحة في العراق، ويُدركون جيِّداً أنـَّه الآن يمرُّ بظرف استثنائيٍّ، ويُصادِف أن تكون أسعار النفط مُنخفِضة بشكل حادٍّ، ويُصادِف أن تكون نفقات القوات العسكريَّة في مُواجَهة داعش مُرتفِعة إلى أقصاها؛ وهذا يترتب عليه أن يُسجِّل الإخوة العرب حُضُوراً نوعيّاً مُتميِّزاً؛ حتى يصل إلى مرأى ومسمع كلِّ عراقيٍّ بأنـَّنا لا نترككم وحدكم.. نعم، أنتم تحمَّلتم مسؤوليَّة بذل الدم لدحر داعش، وقد وُفـِّقتم، ونحن نشارك معكم في إعادة البناء.
أعتقد أنَّ الإسناد الاقتصاديَّ مهمّ جدّاً، وهذا ليس من فقر العراق، بل من واقعيَّة الاستحقاقات المُترتـِّبة على الحلّ.

  • العراق رُبَّما كان صاحب توجيه الدعوة لسورية للمُشارَكة في القِمَّة العربيَّة، ولم يتمَّ؛ لأسباب مُختلِفة.. ما الذي أبلغتم به في مسألة رفض الوُجُود السوريِّ في هذه القِمَّة؟
الجعفريّ: نحن ما وجَّهنا دعوة إلى سورية بأن تأتي، وإنـَّما أخذنا زمام المُبادَرة كخطوة أولى بضرورة العمل على إعادة سورية إلى الجامعة العربيَّة.
سورية ليس جزءاً من العرب فقط، وإنـَّما هي قلب العرب، فمن غير المعقول أن تبقى مُتأخـِّرة عن البيت العربيِّ.. هذا شيء غير معقول.
ما كانت سورية طلبت مني أن أبادر، ولا أيُّ دولة أبداً، وإنـَّما كانت مُبادَرة شخصيَّة، وقلتُ في خطابي: إذا كنتم تـُريدون أن تعرفوا مدى تمسُّكي بأيِّ دولة من دولكم، فانظروني الآن كم أنا مُتمسِّك بسورية، أعني: نفس الموقف سأتخذه لو تكرَّر الأمر مع لبنان مثلاً، أو أيِّ دولة عربيَّة أخرى؛ لأنه ليس شيئاً طبيعيّاً أن تبقى دولة كسورية بتراثها، وبتاريخها، وبتضحياتها، وبأدبها خارج الصفِّ العربيّ.
هذا يُضعِفُ الصفَّ العربيّ.. الصفُّ العربيُّ حتى يكون قويّاً يجب أن يكون بكلِّ أفراد العائلة العربيَّة؛ لذا كانت رُدُود الفعل أطيب، وأحسن ممّا كنتُ أتوقـَّع، وتابعتها على المُستوى الشخصيِّ مع أشقائنا وزراء الخارجيَّة العرب، وما رأيتُ أحداً استنكر، أو استغرب، أو شكـَّك بصِحَّة هذا الشيء.. نعم، يتفاوتون في التعبير، ولكن -في تقديري- أقرأ في وُجُوههم، وأتأمَّل ما يرِدُ على ألسنتهم، وأعتقد أنَّ رُدُود فعلهم كانت طيِّبة، ولكن يُراد لنا قليلاً من الوقت، ونتعاون سويَّة من أجل إيجاد بيئة جيِّدة، ومُناسِبة لاختيار التوقيت المعقول؛ حتى تعود سورية إلى الحضن العربيِّ، والأصل أن تكون موجودة في أحضان الجامعة العربيَّة.

  • كيف تصف مُستوى العلاقات مع السعوديَّة الآن؟
الجعفريّ: العلاقات جيِّدة إذا ما قـُورِنت مع الفترة التي مضت، ونأمل أن نـُوفـَّق لأن تكون أفضل، وأجود.
السعوديَّة بالنسبة لنا مُضافاً إلى كونها دولة عربيَّة مُسلِمة بلد الحرمين الشريفين هي بلد جوار جغرافيّ، وتـُوجَد مصالح مُشترَكة، ومخاطر مُشترَكة، والآن داعش تـُشكـِّل خطراً حقيقـيّاً على العراق، وكذلك على السعوديَّة، ويُوجَد تداخُل اجتماعيّ عشائر على الحُدُود العراقـيَّة-السعوديَّة منشأها من السعوديَّة تحمل جنسيتين من السعوديَّة، ومن العراق.

  • هذه تدخل في إطار الثوابت التي كانت قائمة طوال الوقت، ولكن ما الذي تغيَّر، وجعل الأمور تتحسَّن؟
الجعفريّ: القيادة السعوديَّة تشاركنا نفس الانطباع، وقد أعطت إشارات كافية أنـَّها تحرص على تعميق العلاقة بين العراق وبين السعوديَّة، وزيارة معالي الأخ عادل الجبير إلى بغداد مُؤخـَّراً كانت علامة جيِّدة جدّاً.. منذ 1990 كانت آخر زيارة لشخصيَّة بمُستوى وزير خارجيَّة هو سعود الفيصل.. أي: منذ 27 سنة، فهذه خطوة جيِّدة نأمل أن تكون فاتحة الخطوات على صعيد الارتقاء بالعلاقات العراقـيَّة- السعوديَّة على كلِّ المجالات.
أظنُّ أنَّ الفترة القليلة المُقبلة ستشهد تحسُّناً واضحاً في العلاقة.. بالمُناسَبة: على الصعيد الثنائيِّ العراق والسعوديّة نطمح أن نعكسه على بقـيَّة الدول.

  •  إلى أيِّ مدى يتفهَّم العراق الحساسيَّة السعوديَّة تجاه إيران، والدور الإيرانيِّ في المنطقة؟
الجعفريّ: قبل فترة كان لديَّ مُحاوَلة للتقريب بين السعوديَّة وإيران، وليس سِرّاً على أحد أنا أعمل عليها منذ زمن، وقد كنتُ قبل فترة زائراً للجمهوريَّة الإسلاميَّة، والتقيتُ بالشيخ روحاني رئيس الجمهوريَّة، ومنها ذهبتُ إلى الكويت، ومن الكويت إلى سلطنة عُمان، وتكلمتُ بهذا الموضوع، وكنتُ آمل، ولاأزال أن تكون حالة من التقارُب.. هذا ليس ترفاً بالنسبة لي، ولا هواية عابرة، ولا رغبة عاطفيَّة، وإنـَّما لأنَّ إيران تقع شرق العراق، والسعوديَّة غرب العراق، وتربطنا علاقات مع إيران، وعلاقات مع السعوديَّة، ولا يُمكِن أن نـُفكـِّك العلاقة الثنائيَّة بيننا وبين أيِّ دولة، وبين العلاقات فيما بينهما، ولا نـُريد أن نتدخَّل، وكذلك الحال بين سورية وتركيا.. تحدَّثتُ مع السيِّد أردوغان حول سورية، ومع الدكتور بشار حول تركيا.. العراق بلد مُتحضِّر، ولديه موروث حضاريّ، ويُدرك قيمة التواؤُم، والتقارُب.

  • هل ترى أيَّ شيء عمليّاً يُمكِن تلمُّسه باليد يُؤشِّر على أنَّ هناك احتمالات لتقارُب إيرانيّ-سعوديّ؟
الجعفريّ: أنا لا أيأس، وأعلم أنـَّه تـُوجَد عقبات، ولكن -في تقديري- ليست عصيَّة على التجاوز؛ لأنـَّني أتصوَّر أنـَّنا نتحرِّك في السلك الدبلوماسيِّ بناءً على قاعدة مُجتمَعيَّات، وليس أمزجة حكام فقط.
المُجتمَعيَّة السعوديَّة، والإيرانيَّة، والعراقـيَّة، والسوريَّة بطبيعتها مُتصالِحة، أو أقرب إلى التصالـُح منها إلى التخاصُم، حتى إذا اختلف الحكام فنحن نشتغل على هذه، ونكرِّر المُحاوَلة إلى أن نصل إلى الحُلـُول.. لا يُوجَد ما يمنع من أن نـُمارِس هذا الدور.

  • هل يحمل العراق أيَّ رسالة من سورية مثلاً في هذه القِمَّة؟
الجعفريّ: لا أحمل من سورية رسالة بالمعنى الذي أكون مُكلـَّفاً من قِبَل الحكومة السوريّة، ولكنَّ الهُمُوم العربيَّة تعيش معي، وأعيش معها، ومن غير المعقول أن نترك الوضع على ما هو عليه، ومن غير المعقول أن نسكت على خطأ، ويجب أن ننتفض على الأخطاء، ونتحوَّل إلى ضفة الانسجام، والصواب، ليس في سورية فقط، فلدينا جُرُوح نازفة في اليمن، وليبيا، والعراق، وفي كثير من الدول يجب أن نتكلم بها، وليس شرطاً أن يتكلم الإنسان بجنسيَّته الوطنيَّة، بل يُمكِن أن يتكلـَّم من وحي هويَّته العامَّة التي تربطه بذلك البلد، وهي أعمُّ من الجنسيَّة.. النتيجة نحن واليمنيّون، ونحن والسعوديّون، ونحن وبقـيَّة العرب ننتمي انتماءات مُشترَكة كثيرة.

  • البعض يرى أنَّ تركيا تـُؤدِّي دوراً في العراق في الحرب على داعش، والبعض الآخر يراها تقوم بعدوان على العراق؛ لأنَّ قواتها موجودة من دون استئذان من السلطات العراقـيَّة.. كيف تراه أنت؟
الجعفريّ: عبَّرنا عنه أكثر من مرة، وطرحناه في جامعة الدول العربيَّة، واستطعنا أن نحقق إجماعاً عربيّاً يستنكر هذه الحالة، وطالبت الجامعةُ العربيَّةُ الأتراكَ أن ينسحبوا، وأن لا يُكرِّروا ذلك.
البيان الذي صدر عن الجامعة العربيَّة أوصلناه إلى مجلس الأمن بأنَّ تواجُد القوات التركيَّة اعتداء على العراق؛ لأنـَّهم دخلوا إلى الأرض العراقـيَّة بلا إذن، بل بلا علم إلى عمق 110 كيلومترات في العراق، ولا أحد يتقـبَّل هذا.
بالنسبة لنا نتمسَّك بعلاقتنا مع تركيا، ولكنـَّنا نتمسَّك أكثر بسيادتنا على أرضنا، وعلى ثرواتنا، على سمائنا، وعلى كلِّ شيء يرتبط بالعراق.. العراق قويّ، وليس ضعيفاً.. العراق كسر أكبر إرادة شِرِّيرة، وهي داعش.

  • أين وصلت معركة الموصل الآن؟
الجعفريّ: تتجه نحو النهاية، وإن تأخذ بعض الوقت؛ لأنَّ الطرف المُقابل يستخدم أساليب جديدة لا تخطر في بال أحد، إذ يجمعون مجموعة، ويستخدمون أسلوباً جديداً أسمِّيه (الأنفاق البشريَّة)، إذ يجمعون عدداً من العوائل في أبنية كبيرة، ويضعونهم في الطابق السفليِّ، وهم يصعدون في الأعلى، ويُكثـِّفون القصف حتى إذا وُجِّهت إليهم قذائف مُضادَّة تـُصيب هؤلاء الأبرياء.. كلُّ الأساليب يستخدمونها، ولكن مثلما تتطوَّر أساليب الإجرام تتطوَّر أساليب القوات المُسلـَّحة العراقـيَّة أيضاً، وأساليب الرحمة.
أبناء الديوانيّة، ونساء أهل الديوانيّة يأتون إلى الموصل؛ حتى يُعبِّروا عن مَحبَّتهم، ويقومون بطبخ الطعام، ويُرسلونه للموصل.

  • متى يُفتـَح المعبر التجاريُّ بين العراق والأردن؟
الجعفريّ: هذه من الطلبات المُلِحَّة بيننا وبين الأردن، وقد سبق أن سمعت من جلالة الملك عبدالله بأنـَّه راغب فيه.
المسألة مسألة وقت، ولا تـُوجَد عوائق، ولسنا مُختلِفين على تحديد مفهوم، ولكن يُراد مُقدِّمات، وأنا أتصوَّر أن يُفتـَح في وقت قريب.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق