الجمعة، 23 ديسمبر 2016

لقاء قناة ((cbc axtra news)) سي بي سي أكسترا نيوز المصريّة مع الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيَّة العراقيَّة

الجعفريّ: الإرهاب ليس ظاهرة عراقـيّة، ولا ظاهرة شرق أوسطيَّة، بل ظاهرة عالميَّة.. إذا ما استفاق العالم من غفلته وردَّ ردّاً بحجم التحدِّي الذي يواجهه فستتسع مساحة الإرهاب أكثر فأكثر

الجعفريّ: الموصل لم تستحوذ فقط على اهتمام العراق، والعرب، والمسلمين، وإنما استحوذت، واستأثرت باهتمام العالم كله؛ لا لشيء إلا لأنَّ ظاهرة الإرهاب التي طفحت على المسرح الموصليّ ليست موصليّة المنشأ، ولا عراقيَّة الهويَّة، وإنما تمثل عدداً كبيراً من الجنسيات في العالم رُبَّما يتجاوز عددها الـ100 جنسية؛ فنحن في نزال مع حرب عالميَّة حقيقيَّة بكلِّ معنى الكلمة، ويُدافِع العراقيون أصالة عن أنفسهم، ونيابة عن العالم كلـِّه..
الجعفريّ: أخذت القوات المسلحة العراقية من جانبها بنظر الاعتبار البُعد الإنسانيَّ، وآلت على نفسها أن تعطي الوقت الكافي والجهد الكافي وحتى دماً إضافيّاً من أجل سلامة المواطنين خُصُوصاً أنَّ الدواعش تدرَّعوا بدروع مدنيَّة، وأخذوا بنظر الاعتبار فهم وأخلاقيَّة القوات المسلحة العراقية من أجل إعاقة حركتهم جهد الإمكان، فيتدرَّعون بدروع بشرية كما أنهم استخدموا أساليب وحشية برمي عيارات ثقيلة من المدفعية، والقذائف على المناطق الآهلة بالسكان.. كلُّ هذا أخِذَ بنظر الاعتبار..
الجعفريّ: المواطنون الآن يتعاطفون أشدَّ التعاطف مع القوات المسلحة، بل يلوذون بهم، ويعملون بالتعاون مع القوات المسلحة للقضاء على هؤلاء، والآن -الحمد لله- القسم الأكبر من مدينة الموصل تمَّ تحريره، الأحياء في الموصل 56 حيّاً، 40 حيّاً تمَّ تحريرها، وبقي 16 حيّاً من الأحياء التي تشكـِّل محافظة نينوى؛ إذن التقدُّم جارٍ على قدم وساق نحو الأفضل..
الجعفريّ: داعش يحاول أن يُوظـِّف ما لديه من إمكانات بدعم مُعيَّن من دول كانت من هنا ومن هناك أسلحة مُتطوِّرة حديثة، ويستخدمها بشكل وحشيّ طبعاً في مثل هذه الحالات الجُيُوش تستخدم أسلوب الاستنزاف، هم الآن مُحاصَرون، والمدينة مقطوعة عما يُحيطها، وفي الوقت نفسه الجسور الرابطة بين يسار ويمين دجلة هي مُنقطِعة عنهم، ولا يستطيعون أن يتحرَّكوا بحُرِّيَّة، فيبقى أسلوب الاستنزاف لاستهلاك هذه الذخائر الموجودة لديهم.. العمليَّة تتقدَّم -الحمد لله- بشكل جيِّد جدّاً، وإنما نعطيها وقتاً إضافيّاً لا لشيء إلا حرصاً منا على سلامة المُواطِنين..
الجعفريّ: الحكومة لن تألو جهداً في أن توظف كلَّ ما لديها من إمكانيّات للتخفيف من آلام أهل الموصل، وقد وضعت خطة قبل الشروع في العملية على ثلاث مراحل.. المرحلة الأولى: الإعداد لتنفيذ هذه الخطة.. والمرحلة الثانية: تنفيذ هذه الخطة.. المرحلة الثالثة: ماذا بعد تحرير الموصل خُصُوصاً أنَّ لدينا تجربة مع محافظات سبقتها كالأنبار، وصلاح الدين، ومناطق أخرى..
الجعفريّ: القوات المسلحة العراقية بكل فصائلها لديها تجربة ناجحة في مسألة مُواجَهة الأعداء.. القوات المسلحة العراقية من الجيش، والحشد الشعبيّ، والبيشمركة، وقوات مكافحة الإرهاب، والشرطة الاتحاديَّة، وأبناء العشائر كلها تضافرت جُهُودهم، فحققوا وحدة حركة مسلحة كان من شأنها أن تأتي بهذه النتائج..
الجعفريّ: لا أتردَّد في أن أقول: إنَّ الدعم الذي لمسته، وخطاب الدول الأوروبيَّة تجاه العراق، والتعاطف مع العراق سلب إعجابي، وفاق تصوُّري.. عندما أقارن وحدة الخطاب الأوروبيِّ، وكيف يصفون العراق، وكيف يتعاطفون مع العراق، ولم يخلُ خطاب من ذكر العراق بكل احترام، وبكلِّ تقدير يذكرون العراق رُبَّما تكون دول عربيَّة أشادت، وقالت ما قالت، ومنها: جمهوريَّة مصر، ولكن رُبَّما تكون إحدى الدول تغاضت كأنَّ شيئاً لم يكُن في العراق، أعني غضَّت النظر هذا الشيء مُؤسِف..
الجعفريّ: الأوروبي الذي هو أبعد جغرافيّاً، وأبعد من ناحية اللغة، وأبعد من ناحية المصالح المُشترَكة، والتاريخ المُشترَك وإذا وضعناها في معايير الدين فهو ليس من ديننا، ولكن ما كان يألو جهداً، وكان يتحدَّث بكلِّ قوة، كما أنهم قدَّموا مساعدات بكلِّ سخاء رُبَّما تكون بعض الدول العربيَّة أكثر إمكانيَّة من الناحية الماليَّة، لكنها ما ارتقت إلى مُستوى المسؤوليَّة في إعلامها، ولا في مالِها، ولا في وُقوفها معنا، ولكن هناك دول عربيَّة وقفت مواقف مُشرِّفة إلى جانب العراق..
الجعفريّ: كان المشهد رائعاً إذ طغى عليه جانب التعاطف الرائع، والجادِّ مع العراق.. إحدى الدول وتحديداً التشيك كان الخطاب عن العراق فقط وفقط مع كثرة المفردات التي طرحت، ولكن غلب الاهتمام العراقيّ على الخطاب التشيكيّ من أوِّله إلى آخره..
الجعفريّ: أوروبا مع الدول العربيَّة لديها تاريخ قديم عريق خُصُوصاً عندما أتحدَّث عن العراق، ومصر فعندنا حضارة سبقت الحضارة الأوروبيَّة بستة آلاف سنة.. هذا الخزين الحضاريّ يُشكل بنية تحتيَّة، وقاعدة لنا أن نتعامل مع أوروبا، وتتعامل معنا من موقع الثقة بالنفس ليس من عقد الاستعمار، ولا من عقد الاحتراب، ولا من عقد النعرات العنصريَّة والحروب الدينيَّة التي حصلت، بل من موقع الثقة بالنفس بأننا نستطيع أن نتعامل مع العالم الآخر بما يحقق من مصالح مُشترَكة، ونعرِّف العالم بقِيَمنا، وتاريخنا، وثرواتنا، وفرصنا في الاستثمار، ونفتح آفاقاً مُشترَكة بيننا وبين الدول الأوروبيّة، وهي مُستعِدَّة لذلك، ووقفت مُوقفاً مُشرِّفاً مع العراق.
الجعفريّ: أهمُّ التوصيات التي خرج بها المؤتمر شجب الإرهاب، ووحدة الموقف من الإرهاب والإرهابيِّين.. هذا -في تقديري- خطوة وشوط طويل على الطريق، وإن كنتُ أطمح أن تكون هناك وقفة أطول حول مسألة مُحارَبة الفكر الإرهابيِّ، وإدانته كفكر، مثلما اتخذ العالم بعد الحرب العالميَّة الثانية موقفاً من الفكر النازيِّ، والفكر الفاشيِّ.. فما لم نعالج الفكر كجذور ستبقى تداعياته مستمرة بمر الزمن.. أنا أعتقد هو خطوة جيِّدة على الطريق، وكذا التعاون مع الدول المُتضرِّرة، والتوقـُّف عند المناطق الساخنة، والدول المنكوبة، ومنها: العراق الذي كانت حِصَّته من الخطاب الأوروبيّ، والعربيِّ جيِّدة جدّاً، إضافة إلى الوعد باستمرار الدعم لكلِّ الدول التي تواجه الإرهاب..
الجعفريّ: التعاون العراقيّ-المصريّ مطلوب، وإن كان الذي هو على الأرض لا يمثل مُستوى الطموح، وإنما سقف الطموح لايزال بعيداً، ولكن -على كل حال- يُمكِن أن يتطوَّر التعاون أكثر فأكثر حتى يقترب من سقف طموحنا.. توجد هُمُوم مُشترَكة، وتحدِّيات مُشترَكة، وخبرة تراكمت لدينا ولدى جمهوريَّة مصر تؤهِّل لوُجُود تعاون على مُستوى عالٍ، وقد حان الوقت لأن نستفيد من هذه الخبرة، ونوظفها في مُواجَهة خطر مُشترَك، ليس في مصر والعراق فقط، بل في كلِّ دول العالم؛ لأنَّ الإرهاب لا دين له، ولا مذهب له، ولا وطن له..
الجعفريّ: كانت وجهات نظرنا مُتطابقة في اللقاء مع الرئيس المصريّ عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس الوزراء، وما كانت هناك أيُّ تقاطعات بالرأي، وركـَّزنا على مسألة التطوير الاقتصاديِّ، وحثِّ اللجنة المُشترَكة على الاجتماع.. بعض الاستحقاقات المترتبة يجب أن نتعاون سوية من أجل تذليل العقبات حولها؛ من أجل تحقيق هذه المصالح المُشترَكة، ووجدتُ دولة رئيس الوزراء أكثر تفهُّماً، وجدية باعتباره رئيس الجهاز التنفيذيِّ.. كنتُ سعيداً باللقاء، وهذه أوَّل مرَّة ألتقيه في هذا الموقع مُتمنياً له الموفقيَّة.. على العُمُوم أسعدني اليوم اللقاءان: لقاء فخامة الرئيس، ولقاء دولة رئيس الوزراء، وأستبشر كلَّ الخير، ولمست الجدِّية، والصدق في الحديث، والمصداقية بما يعِدون، وبما يقولون..
الجعفريّ: أخشى أن تحدث -لا سمح الله- حرب جديدة من قبل إرهابيين هي حرب السفراء، مثلما حدثت في العراق حرب المعابد، وحرب الأسواق؛ فعلى دول العالم أن تؤمِّن لكلِّ سفير الغطاء المطلوب، والدولة تستطيع أن توجِّه سفيرها بالابتعاد عن مساحات التوتر، ولكن على الدولة المُضيِّفة أن تضع في حسابها أنه يجب أن تؤمِّن الغطاء الأمنيَّ المطلوب..
الجعفريّ: العلاقات بين الدول مُتداخِلة، وإن لم تتدخل، ولكن بطبيعتها متداخلة، أي: تؤثر في الدولة الأخرى، مثل هذا الذي حصل في تركيا.. نحن جميعاً معنيون بصناعة العلاقات الإيجابيَّة، وإيجاد مناخ دوليّ إيجابيّ.. لا عالم بلا اختلافات، الاختلافات موجودة، ولكن كيف نصنع الانسجام رغم وُجُود الخلافات.. هذا السؤال يجيب عنه الرؤساء، وأكبر من الرؤساء هم القادة، وأكبر من القادة هم الرُوَّاد الذين يمارسون دور الريادة في بلدانهم..
الجعفريّ: العراق منذ فترة طويلة يعاني من مرحلة الاستبداد والدكتاتورية في زمن المقبور صدام، وبعد ذلك تعرَّض إلى هزات وتحدّيات إرهابيّة مختلفة، وهو الآن يعاني من استلاب بعض المحافظات، ولكن بالنتيجة هذه جزء من حالة عامة في كل دول العالم ليست فقط لم تبدأ بالعراق، وقد لا تنتهي بالعراق.. العالم الآن يعاني من ظاهرة اسمها الإرهاب..
الجعفريّ: الإرهاب ليس ظاهرة عراقـيّة، ولا ظاهرة شرق أوسطيَّة، بل ظاهرة عالميَّة.. إذا ما استفاق العالم من غفلته وردَّ ردّاً بحجم التحدِّي الذي يواجهه فستتسع مساحة الإرهاب أكثر فأكثر..
الجعفريّ: على دول العالم كلها أن ترتقي إلى مُستوى ردِّ الفعل، والعراق صرخ منذ وقت، ووجَّه خطابه إلى كلِّ دول العالم بأنَّ هذه ليست قضيَّة محليَّة، ولا قضيَّة إقليميَّة، بل قضيَّة عالميَّة بامتياز..
الجعفريّ: أتصوَّر أنه حان الوقت لأن تتضافر جهودنا جميعاً لكبح جماح الإرهاب، والوقوف بوجهه، والتعاون سوية، وان نسجِّل حُضُوراً في كلِّ بلد يتعرَّض لانتهاك من قبل الإرهاب..
الجعفريّ: لابُدَّ أن يجد أبناء الحكومات الأخرى تقف إلى جانبه، ولا يجد شعب ذلك البلد وحده، بل يجد دعماً اقتصاديّاً، وسياسيّاً، وأمنيّاً، وإعلاميّاً؛ عند ذاك سنلقن أعداءنا درساً بأن ما يريدون بنا من ضعف سنواجهه بقوة، وما يريدون أن يؤدوا بنا إلى تمزّق سنواجهه بوحدة..

لقاء قناة ((cbc axtra news سي بي سي أكسترا نيوز المصريّة مع الدكتور إبراهيم الجعفريّ  وزير الخارجيَّة العراقيَّة
  • أبدأ معك بالأمر الشاغل لكلِّ العراقيين، ورُبَّما لكلِّ الوطن العربيِّ، والشرق الأوسط، وهو معركة الموصل التي تشارك بها القوات العراقية وأيضاً الحشد الشعبيّ؟
الجعفريّ: أنتهز هذه الفرصة بوجود باقة من الذين طالتهم يد الجريمة في الكنيسة البطرسية لأقدِّم التعازي لكلِّ المسيحيِّين سواء كانوا في مصر أم خارجها، ولكلِّ العرب، والمُسلِمين؛ لأنَّ هذا مُصاب إنسانيّ.
الموصل لم تستحوذ فقط على اهتمام العراق، والعرب، والمسلمين، وإنما استحوذت، واستأثرت باهتمام العالم كله؛ لا لشيء إلا لأنَّ ظاهرة الإرهاب التي طفحت على المسرح الموصليّ ليست موصليّة المنشأ، ولا عراقيَّة الهويَّة، وإنما تمثل عدداً كبيراً من الجنسيات في العالم رُبَّما يتجاوز عددها الـ100 جنسية؛ فنحن في نزال مع حرب عالميَّة حقيقيَّة بكلِّ معنى الكلمة، ويُدافِع العراقيون أصالة عن أنفسهم، ونيابة عن العالم كلـِّه؛ لذا كان من الطبيعيِّ أن تنشدَّ الأنظار إلى الموصل، وإلى الأمس القريب كانت المساحة التي غُطـِّيت من قِبَل الدواعش كبيرة.. حيث الموصل شمالاً، وامتدَّت إلى الوسط، وإلى حزام بغداد، وباتجاه الجنوب وصلت إلى جرف الصخر بين محافظتي كربلاء والحلة.
الانتصارات الباهرة التي توالت طيلة هذه الفترة قلـَّصت، وسبَّبت هزائم مُتكرِّرة.. المعركة الآن تدور رحاها في مدينة الموصل.

  • ماذا حدث مع المدنيين في الموصل عند حُدُوث تلك المعركة؟
الجعفريّ: أخذت القوات المسلحة العراقية من جانبها بنظر الاعتبار البُعد الإنسانيَّ، وآلت على نفسها أن تعطي الوقت الكافي والجهد الكافي وحتى دماً إضافيّاً من أجل سلامة المواطنين خُصُوصاً أنَّ الدواعش تدرَّعوا بدروع مدنيَّة، وأخذوا بنظر الاعتبار فهم وأخلاقيَّة القوات المسلحة العراقية من أجل إعاقة حركتهم جهد الإمكان، فيتدرَّعون بدروع بشرية كما أنهم استخدموا أساليب وحشية برمي عيارات ثقيلة من المدفعية، والقذائف على المناطق الآهلة بالسكان.. كلُّ هذا أخِذَ بنظر الاعتبار.
المواطنون الآن يتعاطفون أشدَّ التعاطف مع القوات المسلحة، بل يلوذون بهم، ويعملون بالتعاون مع القوات المسلحة للقضاء على هؤلاء، والآن -الحمد لله- القسم الأكبر من مدينة الموصل تمَّ تحريره، الأحياء في الموصل 56 حيّاً، 40 حيّاً تمَّ تحريرها، وبقي 16 حيّاً من الأحياء التي تشكـِّل محافظة نينوى؛ إذن التقدُّم جارٍ على قدم وساق نحو الأفضل، والطرف المقابل يحاول أن يُوظـِّف ما لديه من إمكانات بدعم مُعيَّن من دول كانت من هنا ومن هناك أسلحة مُتطوِّرة حديثة، ويستخدمها بشكل وحشيّ طبعاً في مثل هذه الحالات الجُيُوش تستخدم أسلوب الاستنزاف، هم الآن مُحاصَرون، والمدينة مقطوعة عما يُحيطها، وفي الوقت نفسه الجسور الرابطة بين يسار ويمين دجلة هي مُنقطِعة عنهم، ولا يستطيعون أن يتحرَّكوا بحُرِّيَّة، فيبقى أسلوب الاستنزاف لاستهلاك هذه الذخائر الموجودة لديهم.. العمليَّة تتقدَّم -الحمد لله- بشكل جيِّد جدّاً، وإنما نعطيها وقتاً إضافيّاً لا لشيء إلا حرصاً منا على سلامة المُواطِنين.

  • كيف سيتم التعامل مع هؤلاء المدنيِّين بعد المُعاناة التي عاشوها هذه السنوات الماضية تحت ظلم عصابات داعش؟
الجعفريّ: هذه جزء من حالة عامة، وليست وحيدة في هذا الوقت، وحصلت في مناطق أخرى، وكذلك عندما نرجع إلى دروس التاريخ نجد الكثير من هذه الحالات حصلت.. هؤلاء الوحوش عندما يستولون على منطقة يعملون كل أساليب الإبادة، وانتهاك الحرمات المادِّية، والجسديَّة، والمعنويَّة، والأخلاقيَّة..
لا نتوقع منهم غير ذلك، نعم، ما يُواسِينا هو ارتقاء المُواطِن إلى مُستوى المحنة، صبره، وإيمانه، وثقته بالله -تبارك وتعالى- وفي الوقت نفسه الحكومة لن تألو جهداً في أن توظف كلَّ ما لديها من إمكانيّات للتخفيف من آلامهم، وقد وضعت خطة قبل الشروع في العملية على ثلاث مراحل.. المرحلة الأولى: الإعداد لتنفيذ هذه الخطة.. والمرحلة الثانية: تنفيذ هذه الخطة.. المرحلة الثالثة: ماذا بعد تحرير الموصل خُصُوصاً أنَّ لدينا تجربة مع محافظات سبقتها كالأنبار، وصلاح الدين، ومناطق أخرى.
القوات المسلحة العراقية بكل فصائلها لديها تجربة ناجحة في مسألة مُواجَهة الأعداء.
القوات المسلحة العراقية من الجيش، والحشد الشعبيّ، والبيشمركة، وقوات مكافحة الإرهاب، والشرطة الاتحاديَّة، وأبناء العشائر كلها تضافرت جُهُودهم، فحققوا وحدة حركة مسلحة كان من شأنها أن تأتي بهذه النتائج.

  • ما أوجه الدعم الذي قدَّمه الاتحاد الأوروبيّ للعراق؟
الجعفريّ: لا أتردَّد في أن أقول: إنَّ الدعم الذي لمسته، وخطاب الدول الأوروبيَّة تجاه العراق، والتعاطف مع العراق سلب إعجابي، وفاق تصوُّري.
عندما أقارن وحدة الخطاب الأوروبيِّ، وكيف يصفون العراق، وكيف يتعاطفون مع العراق، ولم يخلُ خطاب من ذكر العراق بكل احترام، وبكلِّ تقدير يذكرون العراق رُبَّما تكون دول عربيَّة أشادت، وقالت ما قالت، ومنها: جمهوريَّة مصر، ولكن رُبَّما تكون إحدى الدول تغاضت كأنَّ شيئاً لم يكُن في العراق، أعني غضَّت النظر هذا الشيء مُؤسِف.
الأوروبي الذي هو أبعد جغرافيّاً، وأبعد من ناحية اللغة، وأبعد من ناحية المصالح المُشترَكة، والتاريخ المُشترَك وإذا وضعناها في معايير الدين فهو ليس من ديننا، ولكن ما كان يألو جهداً، وكان يتحدَّث بكلِّ قوة، كما أنهم قدَّموا مساعدات بكلِّ سخاء رُبَّما تكون بعض الدول العربيَّة أكثر إمكانيَّة من الناحية الماليَّة، لكنها ما ارتقت إلى مُستوى المسؤوليَّة في إعلامها، ولا في مالِها، ولا في وُقوفها معنا، ولكن هناك دول عربيَّة وقفت مواقف مُشرِّفة إلى جانب العراق.
كان المشهد رائعاً إذ طغى عليه جانب التعاطف الرائع، والجادِّ مع العراق.. إحدى الدول وتحديداً التشيك كان الخطاب عن العراق فقط وفقط مع كثرة المفردات التي طرحت، ولكن غلب الاهتمام العراقيّ على الخطاب التشيكيّ من أوِّله إلى آخره.

  • الكثير يقولون بأنَّ تلك القِمَم تـُعقـَد فقط في يومها، ونتائجها لا تتحقق على الأرض إطلاقاً؟
الجعفريّ: لا توجد قِمَّة تبدأ، وتنتهي، وتحقق كلَّ أهدافها.. هذا حلم لا يتحقق، ودعاء لا يُستجاب، وإنما تـُقاس بقدر ما تصل إلى مُستوى الطموح قد تكون 50، أو 60، أو 70، أو 80%، لكنها لا تصل إلى مُستوى الـ100% كحصيلة من المُؤتمَر كلـِّه.. يكفي أن يعكس الخطاب فهماً أوروبيّاً-عربيّاً مُشترَكاً.
أوروبا مع الدول العربيَّة لديها تاريخ قديم عريق خُصُوصاً عندما أتحدَّث عن العراق، ومصر فعندنا حضارة سبقت الحضارة الأوروبيَّة بستة آلاف سنة.. هذا الخزين الحضاريّ يُشكل بنية تحتيَّة، وقاعدة لنا أن نتعامل مع أوروبا، وتتعامل معنا من موقع الثقة بالنفس ليس من عقد الاستعمار، ولا من عقد الاحتراب، ولا من عقد النعرات العنصريَّة والحروب الدينيَّة التي حصلت، بل من موقع الثقة بالنفس بأننا نستطيع أن نتعامل مع العالم الآخر بما يحقق من مصالح مُشترَكة، ونعرِّف العالم بقِيَمنا، وتاريخنا، وثرواتنا، وفرصنا في الاستثمار، ونفتح آفاقاً مُشترَكة بيننا وبين الدول الأوروبيّة، وهي مُستعِدَّة لذلك، ووقفت مُوقفاً مُشرِّفاً مع العراق.

  • ما أهمُّ التوصيات التي تجدها مُهمّة، والتي خرجت أمسِ من القِمَّة الأوروبيَّة-العربيَّة؟
الجعفريّ: شجب الإرهاب، ووحدة الموقف من الإرهاب والإرهابيِّين.. هذا -في تقديري- خطوة وشوط طويل على الطريق، وإن كنتُ أطمح أن تكون هناك وقفة أطول حول مسألة مُحارَبة الفكر الإرهابيِّ، وإدانته كفكر، مثلما اتخذ العالم بعد الحرب العالميَّة الثانية موقفاً من الفكر النازيِّ، والفكر الفاشيِّ.
فما لم نعالج الفكر كجذور ستبقى تداعياته مستمرة بمر الزمن.
أنا أعتقد هو خطوة جيِّدة على الطريق، وكذا التعاون مع الدول المُتضرِّرة، والتوقـُّف عند المناطق الساخنة، والدول المنكوبة، ومنها: العراق الذي كانت حِصَّته من الخطاب الأوروبيّ، والعربيِّ جيِّدة جدّاً، إضافة إلى الوعد باستمرار الدعم لكلِّ الدول التي تواجه الإرهاب.

  • ماذا عن التعاون العراقيّ-المصريّ في ملفِّ الإرهاب؟
الجعفريّ: التعاون مطلوب، وإن كان الذي هو على الأرض لا يمثل مُستوى الطموح، وإنما سقف الطموح لايزال بعيداً، ولكن -على كل حال- يُمكِن أن يتطوَّر التعاون أكثر فأكثر حتى يقترب من سقف طموحنا.
توجد هُمُوم مُشترَكة، وتحدِّيات مُشترَكة، وخبرة تراكمت لدينا ولدى جمهوريَّة مصر تؤهِّل لوُجُود تعاون على مُستوى عالٍ، وقد حان الوقت لأن نستفيد من هذه الخبرة، ونوظفها في مُواجَهة خطر مُشترَك، ليس في مصر والعراق فقط، بل في كلِّ دول العالم؛ لأنَّ الإرهاب لا دين له، ولا مذهب له، ولا وطن له.

  • كان لك لقاء مع الرئيس المصريّ عبد الفتاح السيسي لم تكن فقط على المستوى السياسيِّ والعسكريِّ، ولكن على المُستوى الاقتصاديِّ.. هنا يأتي دور رئيس مجلس الوزراء كان لك لقاء معه ماذا دار، وكيف ستتعاون مصر والعراق في الملفِّ الاقتصاديِّ؛ إذ إنَّ المُعاناة الاقتصاديَّة في البلدين مُشترَكة؟
الجعفريّ: كانت وجهات نظرنا مُتطابقة، وما كانت هناك أيُّ تقاطعات بالرأي، وركـَّزنا على مسألة التطوير الاقتصاديِّ، وحثِّ اللجنة المُشترَكة على الاجتماع.. بعض الاستحقاقات المترتبة يجب أن نتعاون سوية من أجل تذليل العقبات حولها؛ من أجل تحقيق هذه المصالح المُشترَكة، ووجدتُ دولة رئيس الوزراء أكثر تفهُّماً، وجدية باعتباره رئيس الجهاز التنفيذيِّ.
كنتُ سعيداً باللقاء، وهذه أوَّل مرَّة ألتقيه في هذا الموقع مُتمنياً له الموفقيَّة.
على العُمُوم أسعدني اليوم اللقاءان: لقاء فخامة الرئيس، ولقاء دولة رئيس الوزراء، وأستبشر كلَّ الخير، ولمست الجدِّية، والصدق في الحديث، والمصداقية بما يعِدون، وبما يقولون.

  • مشروعات مُشترَكة؟
الجعفريّ: إن شاء الله على الصعيد النفطيِّ، وعُمُوم الصعيد الاقتصاديِّ.. العراق جادٌّ من جانبه، ووجدتُ جدِّية في الجانب المصريِّ انعكست من خلال خطاب فخامة الرئيس، وحديث رئيس الوزراء.

  • ما تعليقك على ما حدث في أنقرة من حدث إرهابيّ أودى بحياة السفير الروسيِّ؟
الجعفريّ: أعتقد أنَّ الحادث باستهداف هذا السفير الذي هو مُهندِس العلاقة الروسيَّة- التركيّة، وله باع طويل.

  • أنت تعرفه بشكل شخصيّ؟
الجعفريّ: لا أعرفه، ولكن سمعتُ عنه أن لديه خبرة جيِّدة، وأدَّى دوراً كبيراً ومُهمّاً في تقريب المسافة التي طالما تعرَّضت إلى الاهتزاز، وكانت توجد ثمَّة فجوة ليست قليلة بين تركيا وروسيا، واستطاع هذا الرجل بحكمته، وفاعليته أن يُقلـِّص هذه الفجوة، ويُقرِّب المسافة بين الطرفين، وتكاد تكون العلاقة اقتربت على مشارف انعطافة حادَّة في العلاقات الإيجابيَّة، وتطوي ما مضى من الزمن إلى أن أتى هذا الحادث.
هذا يعني أنَّ العدوَّ لا يستهدف السفير لذات السفير، بل استهدف السفير لذات التقارُب الذي حصل بين روسيا وتركيا..
أملي أن يكون الردُّ على هذه المحاولات بمزيد من العلاقات القويَّة بين الدولتين.

  • إذن ترى أنَّ التصريحات التي خرجت من الرئيس الروسيِّ أنَّ تلك الحادثة هدفها الأساسيُّ هو هزُّ العلاقات صحيحة، وإيجابيَّة للغاية؟
الجعفريّ: أعتقد أنَّ هذا ردٌّ حكيم، وهو عين الصواب، فلا ينبغي أن ينجرُّوا لإرادات شِرِّيرة تسبَّبت بقتل السفير، وهذه علامة خطرة يجب على دولنا بصورة عامة أن تضعها في حسابها.. أخشى أن تحدث -لا سمح الله- حرب جديدة من قبل إرهابيين هي حرب السفراء، مثلما حدثت في العراق حرب المعابد، وحرب الأسواق؛ فعلى دول العالم أن تؤمِّن لكلِّ سفير الغطاء المطلوب، والدولة تستطيع أن توجِّه سفيرها بالابتعاد عن مساحات التوتر، ولكن على الدولة المُضيِّفة أن تضع في حسابها أنه يجب أن تؤمِّن الغطاء الأمنيَّ المطلوب.

  • هل ترى أنَّ العلاقات الروسيَّة-التركيَّة تؤثر بشكل مُباشِر في العراق، والأوضاع الداخليَّة في العراق؟
الجعفريّ: العلاقات بين الدول مُتداخِلة، وإن لم تتدخل، ولكن بطبيعتها متداخلة، أي: تؤثر في الدولة الأخرى، مثل هذا الذي حصل في تركيا.
نحن جميعاً معنيون بصناعة العلاقات الإيجابيَّة، وإيجاد مناخ دوليّ إيجابيّ.. لا عالم بلا اختلافات، الاختلافات موجودة، ولكن كيف نصنع الانسجام رغم وُجُود الخلافات.. هذا السؤال يجيب عنه الرؤساء، وأكبر من الرؤساء هم القادة، وأكبر من القادة هم الرُوَّاد الذين يمارسون دور الريادة في بلدانهم.

  • ما رؤيتك لمستقبل العراق بعد أعوام كثيرة من المعاناة من ويلات الحرب، والإرهاب؟
الجعفريّ: العراق منذ فترة طويلة يعاني من مرحلة الاستبداد والدكتاتورية في زمن المقبور صدام، وبعد ذلك تعرَّض إلى هزات وتحدّيات إرهابيّة مختلفة، وهو الآن يعاني من استلاب بعض المحافظات، ولكن بالنتيجة هذه جزء من حالة عامة في كل دول العالم ليست فقط لم تبدأ بالعراق، وقد لا تنتهي بالعراق.. العالم الآن يعاني من ظاهرة اسمها الإرهاب..
الإرهاب ليس ظاهرة عراقـيّة، ولا ظاهرة شرق أوسطيَّة، بل ظاهرة عالميَّة.. إذا ما استفاق العالم من غفلته وردَّ ردّاً بحجم التحدِّي الذي يواجهه فستتسع مساحة الإرهاب أكثر فأكثر..
على دول العالم كلها أن ترتقي إلى مُستوى ردِّ الفعل، والعراق صرخ منذ وقت، ووجَّه خطابه إلى كلِّ دول العالم بأنَّ هذه ليست قضيَّة محليَّة، ولا قضيَّة إقليميَّة، بل قضيَّة عالميَّة بامتياز.
أتصوَّر أنه حان الوقت لأن تتضافر جهودنا جميعاً لكبح جماح الإرهاب، والوقوف بوجهه، والتعاون سوية، وان نسجِّل حُضُوراً في كلِّ بلد يتعرَّض لانتهاك من قبل الإرهاب.
لابُدَّ أن يجد أبناء الحكومات الأخرى تقف إلى جانبه، ولا يجد شعب ذلك البلد وحده، بل يجد دعماً اقتصاديّاً، وسياسيّاً، وأمنيّاً، وإعلاميّاً؛ عند ذاك سنلقن أعداءنا درساً بأن ما يريدون بنا من ضعف سنواجهه بقوة، وما يريدون أن يؤدوا بنا إلى تمزّق سنواجهه بوحدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق