حضر الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيّة العراقـيّة جلسة استضافة مجلس النواب بناءاً طلباً تقدم به لمجلس النواب، وجرى خلال الجلسة استعراض التطوُّرات في قضيّة تواجُد القوات التركيّة على الأرض العراقيّة، وبيـَّنَ موقف العراق القاضي باعتبار هذا التواجُد انتهاكاً سافراً لمبادئ حُسن الجوار، وتعدِّياً على السيادة، وأنَّ العراق يرفض، ويُدين هذا الفعل، كما بيـَّنَ الجعفريّ: أنَّ وزارة الخارجيّة كثـَّفت تحرُّكها، واتصالاتها مع جميع الدول، والمُنظـَّمات من أجل إنهاء هذه القضيّة.
وكانَ الجعفريّ قدَّم طلباً إلى مجلس النواب لاستضافته لتوضيح تطوُّرات الانتهاك التركيِّ، وعقب الجلسة أدلى معالي الوزير بتصريحات صحفيّة أمام وسائل الإعلام، إليكم نصَّها:
المُؤتمَر الصحفيُّ للدكتور إبراهيم الجعفريّ في مجلس النواب العراقيّ
13/12/2015
الدكتور إبراهيم الجعفريّ: بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته
وأخيراً تحقق لقاء كنتُ أتطلع إليه منذ فترة طويلة خصوصاً أني قدَّمت طلباً مُؤخـَّراً باعتبار أنَّ الأحداث تتصاعد، ولاسيَّما الملفّ التركيّ.
كانت جلسة اليوم مُخصَّصة لمناقشة ملفِّ العلاقات العراقيّة-التركيّة، والمُشارَكة كانت من السادة النواب رائعة تناولت أكثر من زاوية. استعرضنا تاريخ العلاقات العراقيّة-التركيّة، واستعرضنا ما اذا كانت هناك اتفاقات سابقة، أو مُذكـَّرات تفاهم.
أكدنا أنه لا تـُوجَد على صعيد التدخـُّل الأمنيِّ أيّ اتفاقية، ولا تـُوجَد مُذكـَّرة تفاهم، بل يُوجَد محضر جلسة يعود تاريخه إلى 1983، وركـَّزنا على أنه عام 2009 صدر قرار من مجلس النواب ألغى هذا كلـَّه.
استعرضنا الجهود التي بذلتها وزارة الخارجية في الأيام: 5، 6، 7، 8 في هذا الشهر، وتتواصل إلى اليوم، وأعداد كبيرة من السادة الوزراء جرى الاتصال بهم سواء كان من الدول العربيّة، أم دول العالم الأخرى؛ لتوضيح حقيقة ما جرى.
نحن نحرص على التمسُّك بعلاقتنا مع دولة الجوار تركيا، لكن في الوقت نفسه الخط الأحمر الذي تمَّ عُبُوره وهو خرق السيادة، وهذا لا نسمح به، واستخدمنا كلَّ السُبُل الدبلوماسيّة من أجل منعه، والاستمرار عليه؛ لذلك تحدَّثنا مع أشقائنا العرب، وتحدَّثنا مع الدول دائمة العضويّة، واستضفنا سفراءها في بغداد، وتحرَّكنا على مُستوى وزراء الخارجيّة، وتحدّثتُ مع لافروف وزير الخارجيّة الروسيّ، ومع جون كيري وزير خارجيّة أميركا، وشرحنا المواقف، ونعمل سويّة من أجل تجاوز هذه المُشكِلة.
بالنسبة لنا نحن نتمسَّك بسيادة العراق، ولا يُمكِن أن نسمح بانتهاكها، وهذا المقياس واحد ليس فقط مع جمهوريّة تركيا، بل مع كلِّ دول العالم بلا استثناء. قد نتقبَّل بإرادة عراقيّة مُستشارين، لكننا لا يُمكِن أن نتقبَّل قوات مُسلـَّحة تدخل إلى العراق، وتتخذ أيَّ قطعة من أراضيه معسكراً لها. هذا ليس فقط موقفاً من تركيا، بل موقفاً من دول العالم كافة، وأنا أقولها على العلن: لا تـُوجَد دولة لديها معسكر في العراق، والحكومة العراقـيّة لن ترضى بذلك.
نحن نتمسَّك بالخيار السياسيِّ مُراعَاة لسياسة الحكومة، وهو اختصاص وزارة الخارجيّة لا وزارة دفاع، وإلى أن نفتح علاقة، ونبني علاقة نبذل جُهُوداً مُضنية حتى نصل إلى هذه النتيجة، ونتشرَّف الآن ما من دولة من دول العالم إلا ولنا معها علاقة، وهي علاقة تبادل مصالح، وتفاهم، وتنسيق، وتعاطٍ، أي: علاقة ذات طابع حيويّ ليس فقط علاقة من أجل العلاقة، وإلا فالأسهل علينا أن نـُجمِّد العلاقة، ولكن عندما تمسُّ السيادة فهذا الموضوع نتعاطى معه بمنطق آخر، وهو منع التجاوز على سيادتنا، ونستثمر، ونـُعبِّئ الرأي العامَّ العربيَّ، والإسلاميَّ، والعالميَّ، ونستثمر كلَّ المُنتدَيات.
وزارة الخارجيّة في عمل دؤوب كخلـيّة نحل ليل نهار من أجل إنهاء صفحة التجاوز على سيادتنا.
نحن وجَّهنا الشكوى، وأدرجها مجلس الأمن في جدول أعماله، ونتواصل في شرح موقفنا مع دولة مع وزراء الخارجيّة. نحن أمام تصعيد على هذا الجانب إلى أن تـُحَلَّ المُشكِلة، وفي الوقت نفسه طلبنا من جامعة الدول العربيّة عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجيّة العرب، وتحدَّثت مع السيِّد نبيل العربيِّ، وأعلن عن ذلك، وأبلغ الوزراء.
من خلال التواصُل بيني وبين وزراء الخارجيّة عرفت أنهم أبلغهم جميعاً، ونحن بصدد تعبئة الجوِّ العربيّ.
وحول تفاعل الدول الدائمة العضويـة في مجلس النواب مع الموقف العراقيّ أشار الجعفريّ:
ما عكسه السادة أعضاء مجلس الأمن الدائميُّون هو إنـَّهم مُتفِقون على ثلاث نقاط، أوَّلاً: شجب، واستنكار التدخـُّل، وثانياً: عرَّفوه بأنـَّه انتهاك للسيادة، وثالثاً: أعلنوا بالإجماع استعدادهم للتفاعل مع العراق في سحب هذه القوات.
منوهاً إلى أننا نتمسَّك بالعلاقة مع تركيا، ونتمسَّك بإنهاء انتهاك السيادة. وأيُّ واحد يستطيع أن يُعين العراق على تحرير أرضه من دون وجود قوات تدخل عنوة وبلا إذنه، وتبقى في العراق فنحن نـُرحِّب سواء كان أميركا، أم أيّ دولة أخرى، ونـُؤكـِّد أنَّ العراق مُتمسِّك بسيادته، ومُتمسِّك بسياسة حُسن الجوار مع تركيا، وغيرها.
وفيما إذا كان هناك اتفاقية بين العراق وتركيا حول تواجد القوات التركيّة في الأراضي العراقيـّة قال الجعفريّ:
لا تـُوجَد اتفاقـيّة، ولا تـُوجَد مُذكـَّرة تفاهم أبداً، بل يُوجَد محضر عام 1983 في زمن طارق عزيز، وهذا لا يرقى إلى مُستوى مُذكـَّرة تفاهم، ولا يرقى إلى اتفاقـيّة، وحتى هذا المحضر ألغاه مجلس النواب في قرار 2009، فلا يُوجَد التزامات، وليس له أساس.
مشدداً على أن العراق لن يألو جهداً، ولن يتوقـَّف في الدفاع عن سيادته المُنتهَكة، وسيسلك كلَّ السُبُل القانونيّة من دون استثناء، وسيُعبِّئ كلَّ دول العالم، ومراكز التأثير، والقرار مادامت كلها تتجه لحفظ سيادة العراق، ومنع الاستمرار في انتهاك سيادته.. نحن لن نتوقــَّف، ولن نخجل أبداً.
وعن الحوار المباشر الذي جرى بين القنوات الدبلوماسية بين العراق وتركيا أكد الجعفريّ:
من خلال الاتصال الهاتفيِّ بيني وبين السيِّد وزير الخارجيّة مولود أوغلو قال: نحن لا نـُرسِل قوات جديدة. قلنا له: ليس هذا هو الحلَّ، نحن لا نـُناقِش إرسال قوات جديدة، بل نـُناقِش القوات الموجودة فعلاً، ونـُريد سحبها بشكل سريع.
أرسلوا وفداً، وكرَّر نفس العرض، وكرَّرنا نفس الجواب: بأننا نـُريد سحب القوات بشكل كامل من العراق. هذه القضيّة غير قابلة للنقاش، ووعدونا خيراً، وأبدى الوفد مُوافقة مبدئيّة، وقالوا: عندما نعود إلى تركيا سنـُعلِنها من تركيا. تفاجأنا حين جاء على لسان السيِّد رئيس الجمهوريّة بأن يقول: نحن لا ننسحب.
نحن مُصِرُّون على بذل الجهود، ولن نتراجع عن ذلك، ونستثمر كلَّ الفرص والإمكانات من أجل ان تتسحب القوات التركيّة من العراق.
وبخصوص تواجد حزب العمال الكردستاني والذي قد يزعج تركيا ودفعها للدخول للأراضي العراقيـّة شدد الجعفريّ:
وجود أيِّ قوة تمارس نشاطاً ضدَّ دولة جارة نعتبره خلاف سياسة حُسن الجوار. مفهوم سياسة حُسن الجوار تـُلزمنا بأن لا نسمح بأيِّ قوة مُعارِضة تتسبَّب بإيذاء الدول الجارة مثلما كانت مُنظمة خلق تحاول أن تزعج إيران، وحزب العمال الذي يُحاول أن يُؤذِي تركيا، لكنَّ وجود هؤلاء في العراق ليس بقرار عراقيٍّ. داعش الآن مُمسِكة بقبضة الموصل. هل كان وجودها بقرار عراقيٍّ، أم من موضع الأجواء الأمنيّة المُتخلخِلة، فاستثمرت الفرص، وقبضت على الموصل؟! وجودهم ليس بموافقة عراقيّة، ولا بسكوت عراقيّ.
وعن مبرر تركيا وسبب دخول القوات للأراضي العراقيـّة ذكر الجعفريّ:
الدافع كما أنقله بأمانة كما ذكره الإخوة الأتراك سواء كان وزير الخارجيّة، أم الوفد الذي جاء إلى هنا وزير الخارجيّة الانتقالـيّة السيِّد فريدون أوغلو. قالوا: نحن نشعر أنه دعم لأمن العراق، وتحدٍّ لداعش الذي ارتفعت وتيرته في تلك المناطق.
هم يعلمون أنَّ داعش الآن تـُعانِي هزيمة أمام القوات المُسلـَّحة العراقيّة، ولكن لأنَّ الوتيرة الأمنيّة في تلك المنطقة ضعفت أكثر فنحتاج إلى إسناد. قلنا لهم: بالنسبة لنا نعتبر هذا خطاً أحمر خُصُوصاً إذا كان بلا علم، ولا تنسيق مع الحكومة العراقـيّة؛ لذا طالبناهم بالانسحاب، أمّا ما دار من نقاشات في هذه النقاط التي طرحتها عليكم فنحن أوضحنا موقفنا بأننا غير مُستعدِّين لتقـبُّل أيِّ قوة أجنبيّة تتواجد على الأرض العراقـيّة.
وبخصوص الأصوات التي تطالب بمقاطعة العراق للعلاقات الاقتصادية مع تركيا قال الجعفريّ:
أعتقد أنَّ العراق لا يبدأ بقطع العلاقات الاقتصاديّة؛ ليس من ضعفه، بل من قوَّته، ومن رؤيته المُستقبَليّة. وعندما تقتضي المصلحة فكلُّ الخيارات مفتوحة، لكننا حتى الآن نعتقد أنـَّه لايزال هناك مجال لبذل جُهُود مُكثـَّفة بحجم عراقيٍّ، وبحجم الصداقة العراقـيّة، وبحجم الالتزامات العراقـيّة-العربيّة، وحجم العلاقات العربيّة-الإسلاميّة، وحجم العلاقات العراقـيّة-الدولـيَّة الأمميّة.
نحن لم نستنفد السُبُل كافة؛ ولاتزال أمامنا خيارات ما قبل الوصول إلى الملفِّ الاقتصاديّ.
وحول الرد الوطني على التدخل التركيّ أجاب الجعفريّ:
نحن في أمسِّ الحاجة في مثل هذا الظرف للحفاظ على رصِّ الصفِّ الوطنيِّ، وإشاعة ثقافة الثقة، والمَحبّة، وإذا كان ثمّة تواطؤ في هذا الأمر فأنا أوجِّه رسالة حانية عبر هذا اللقاء بأنه لا ينبغي أن نختلف على سيادة العراق، ولا ينبغي أن نختلف على أنَّ الانتهاك لا مُبرِّر له مهما كان، ومن أيِّ طرف كان.
ليس لدينا معايير مُزدوَجة.. عندما نقول: لا نقبل بمعسكر لإخواننا الأتراك في العراق لا نقبل كذلك لبقـيّة الدول سواء كانت على الحوض الجغرافيِّ، أم ما بعد الحوض الجغرافيِّ.. لا نـُريد أن نفتح هذا باباً لوجود قوات مُسلــَّحة، ومعسكرات في العراق.. هذا بالنسبة لنا غير جائز؛ لذا موقفنا واحد من الدول كافة التي تنوي فتح معسكرات في العراق.