السبت، 2 فبراير 2013

لقاء قناة العراقية الفضائية بالدكتور إبراهيم الجعفري في برنامج (خارج المألوف) الجزء الثالث


لقاء قناة العراقية بالدكتور إبراهيم الجعفريّ

الجزء الثالث

31/1/2013


- وصلنا إلى سنة 1997، وأنت كنتَ في لندن إذ ابتعدتَ عن الأجواء التنظيمية في إيران.. هل كنتَ تخشى الاغتيال؟


الجعفريّ: كان هنالك محاولات اغتيال، وكنتُ أعرف أني مُستهدَف من بعض الشخصيات، وشعرتُ أنها تقترب مني بنية سوء، لكني لم أُشعِرها بأني عرفتُ، وعندما جئت إلى العراق، وسُلِّم لي من جملة ما سُلِّم هدية وهي ملف المخابرات الذي كان ضدّي، ووجدت الشخص بالضبط، وكيف كان يتابعني، ويكتب عني، ووجدت أيضاً الشخص الثاني الذي كنت أشك به، وكذا الثالث والرابع وإن كنتُ لم أعرف الأخيرين، لكن عندي حدس، ولم أخبر أحداً عن هؤلاء، وعملت بنظرية أن لا تشعر الآخرين أنك أحسست؛ لئلا يأتوا ببدلاء لا تعرفهم.


- حدثٌ مُهِمٌ على مستوى العراق، وعلى مستوى المعارضة، وهو ظهور شخصية السيد الشهيد مُحمَّد مُحمَّد صادق الصدر في وقت كانت التنظيمات الإسلامية تتعرّض للتقتيل، والسجون، وتكميم الأفواه، وكبت الحريات.

ظهر في النجف شخص ذو عمامة بينه وبين السيد محمد باقر الصدر عشر سنوت أو إحدى عشرة سنة يدعو إلى تهذيب المجتمع، وبناء قاعدة جماهيرية.

أين كان السيّد الجعفريُّ من هذه الأحداث؟


الجعفريّ: السيد مُحمَّد مُحمَّد صادق الصدر برز نجمه بشكل علنيٍّ، وكسر الطوق الذي كان لا يظهر به بشكل صريح، واقترن اسمه بصلاة الجمعة، ومخاطبة الجماهير، وكتابة بعض الكُتيبات والكراسات والكتب يخاطب بها الشرائح المختلفة.

استقطب الصدر أنظار التيار العامِّ في المجتمع العراقيِّ، ونحن كنا نقدِّر أنَّ الدور الذي يلعبه مُهِمّ وأساسيّ، وكنا نتوقع أن تحصل خطورة وهو كان يعرف أنّ الخطورة بدأت تحفُّ به بدليل أنه كان يلبس البُردة أو الكفن، ويصعد على المنبر.

كنا نقلق؛ حرصاً منا على أنَّ له دوراً جيداً ورائعاً جداً، وهو بذلك يواكب الدور الذي بدأه السيِّد الشهيد الصدر الأوّل.

ما بين السيد الشهيد واستشهاد محمد الصدر أكثر من 16 إلى 17 سنة.. السيد الصدر أخذ أصداءه، وقد اتضح ذلك من خلال متابعتي له، وعندما برز كتابه (ما وراء الفقه) قرأته في أحد أشهُر رمضان، وكان عشرة أجزاء، والآن أعادوا طبعه بإضافة أجزاء توضيحية تسهيلية، وكتبتُ عليه مقالاً في إحدى المجلات بعنوان (مع الصدر الثاني في ماورائيته الفقهية)، وهو كتاب جمع بين الجانب الاجتماعيِّ والجانب السياسيِّ، من غربة الوعي إلى وعي الغربة، وحين رأيت سهام الاتهام تتوجه إلى صدره شعرتُ أنه يعيش الغربة، كما هو ديدن أيِّ متصدٍّ عندما يعيش غربة، حيث لا يفهمه الآخرون، ويوجِّهون السهام إلى صدره، وكتبتُ عليه أيضاً موضوعاً في حلقتين.

أمّا العلاقة مع محمد الصدر فقد كان هناك جسر علاقة بيني وبينه هو أحد الشيوخ، وقد تُوفِّي بشكل مفاجئ، وهو ليس كبيراً في العمر، اسمه شيخ أبو شريف.


- هل هو من الدُعاة؟


الجعفريّ: قد يكون من الدُعاة، لكن ليس منظَّماً، وكان يُوصِل لي بعض أخباره، وبالصدفة اتصل بي يوماً فيه مناسبة خير ربما كانت عيداً، فالعلوية أم أحمد قالت له: الآن نام السيد الجعفريّ، وهو حرص على أن لا يوقظني من النوم، قال لها: أريد أن أسلِّم فقط، وليس لديَّ شيء. هو كالعادة لا يتصل بي إلا إذا لديه شيء مُهِمّ، ولم يقبل أن يوقظوني من النوم، وعندما استيقظت، وجدت أنه بعث لي فاكساً، وبعد يوم أو يومين سمعتُ أنه تُوفِّي، ولا أعرف إلى الآن ظروف وفاته.

كان ينقل عن السيد محمد الصدر -رحمة الله عليه- بعض الأشياء، وكنتُ أسأله عن رأي السيد الصدر بالدعوة بالضبط، نقل لي هذا النصّ: فلان شيخ قال كلمة على الدعوة فيها قسوة أنا أتذكره، لكن لا أتذكر اسمه، فالسيد مُحمَّد -رحمة الله عليه- قال لهم، لا. لا تسألوا هذا عن الدعوة. اسألوني أنا عن الدعوة.. هذا جواب مُحمَّد الصدر -رحمة الله عليه- قال لهم: أنا لا أدافع عن قيادة أو شخصيات معيَّنة إنما أدافع عن تأسيس الدعوة، وخطِّ الدعوة.

مدح الدعوة، وخطَّ الدعوة، والسيد الشهيد الصدر الأول.


- هل كانت هناك اتهامات من قبل بعض الأحزاب الإسلامية للسيد مُحمَّد مُحمَّد صادق الصدر بأنه رجل دولة، وأنة مُتفِق مع النظام، وكانوا لا يستطيعون تفسير هذه القوّة في الخطاب، واستخدام ألفاظ كانت تُثير النظام.

هل وصلت إليك الاتهامات، وكيف كنتَ تتعامل معها؟


الجعفريّ: السيد الصدر -رحمة الله عليه- رجل عالم ليس نكرة؛ حتى يعرِّفه أحد، هو رجل له تاريخه، وسُجِن سابقاً، وله كتاباته، وقربه من السيد الشهيد، ورأي السيد الشهيد به عندما عندما تقدّم بموسوعة المهدي المنتظر.. كلُّ هذه تدلُّ على أنه ذو درجة من الوعي السياسيّ، والرجل تجلبب ببردة الجمعة، ولبس الكفن، وصعد المنبر، وتكلّم بصراحة ضدَّ النظام.

وإذا سمعنا عنه شيئاً - أنا لا أعرف من يتحدّث، وما هي قراءته- فلنفترض أنه تكتك، أو حاول أن يناور.

أنا لا أقسو على من أبدى هذه الملاحظات، لكنَّ مُحمَّداً الصدر معروف. إنه رجل تصدّى، وكسر طوق الخوف، وهتف، فلا يُعقَل أن نسحق على هذه الأدلة، لا يعقل أن أسحق على عقلي.

هذه الأدلة والقرائن كافية لأن تجعله رجلاً صاحب وجه ناصع، له تاريخ وأنا -في تقديري- مثلما علّقت في المقالات التي كتبتها أنه رجل تعامل مع الانتظار، وأدب الانتظار بلغة البناء، والتقدُّم، والمستقبل، وليس الانكفاء على الذات.

لا أريد أن أجعل اللقاء لقاءً فكرياً، وإن كان هذا شيئاً صحيحاً، لكني أحبُّ أن أقول: إنَّ الذين انغمسوا بأدب الانتظار المهدويّ ربما تاه بعضهم في متاهات لا طائل من ورائها، أمّا السيد مُحمَّد الصدر فقد عرف كيف يتعامل، وكيف ينطلق، وينفتح، ويساهم في كسر طوق الخوف، وهكذا اقترن اسمه وخطابه بالإمام -عجّل الله فرجه الشريف-، وأدّى إلى نتائج رائعة.


- هل كان نبأ استشهاد السيد الصدر الثاني عامل قوة للمعارضة أم كان عامل ضعف، أي هل بدأ الانكسار في المعارضة أم بالعكس زادهم باعتبار بأنه سوف تنضمّ إليهم قوافل من الشباب المُعارض ثأراً للسيد الشهيد؟


الجعفريّ: السيد الشهيد -قدس الله نفسه- خسارة كبيرة، استشهد بهذه الطريقة، لكنه ربح في معيار المبادئ ومعيار الميدان، فمعيار المبادئ هو إنك أمام شخصية إذا كانت من ثمة من يرسم عليها ما يرسم عليهم من سبب أو آخر قد جلا نصاعة قلبه، ونصاعة وجهه بهذا الموقف المُشرِّف، وتوشّح بتاج الشهادة، وما أروعه! هذا يعني أنه ارتقى إلى مستوى المبادئ، وصدق في وعده مع الله -تبارك وتعالى-؛ فهو ربح لا خسارة.

وفي الوقت نفسه من الناحية الميدانية شعرت الأمّة، وشعر الشعب أنَّ الذي كان يتحدّث من منبر الجمعة، ويطلب من الشباب أن يتقدَّموا، ولا يتراجعوا صدق فيما قال، والشعوب والأمم تبحث عن القائد ليس فقط الذي يُجيد فنَّ الخطابة إنما الذي يرقى إلى مستوى الخطابة، ويصدق عندما يتكلّم، وهو مستعدّ لأن يضحّي بلا حدود.

إذن كان القتل في سبيل الله، وهذا مكسب؛ لذا حين تؤرِّخ للسيد مُحمَّد الصدر بعد الاستشهاد ستجد فرقاً كبيراً جداً عمّا كان عليه قبل الاستشهاد.


- لننتقل إلى حدث مُهِمّ.. يوم 9/4/2003 سبقته استنتاجات، واستقراءات للسيد الجعفريِّ بأنَّ الأميركان هذه المرّة غير الأميركان عام 1991، أي كانوا جادّين في إسقاط النظام.

كيف كنتَ تتعامل مع تصارع الأحداث تجاه أصحاب النظام الصدّاميّ؟


الجعفريّ: كنت أقرأ عام 1991 أنَّ علامات السقوط قد بدأت، وما كنتُ أجازف في الخطاب، وأقول: إنه سوف يسقط، لكن من خلال رصدي للتفاعل الدوليِّ، وبعض القضايا الميدانية في منطقة الشرق الأوسط، والدول المُحاذية للعراق شعرتُ أنّ مسألة الضربة (الحرب) أصبحت أمراً محقَّقاً لامحالة؛ لذا فلتُ عندما سألني أحد الإخوان، وهو الأخ أبو حوراء الأستاذ إياد بنيان النداوي: هل تعتقد أنَّ الضربة (الحرب) قادمة؟ قلتُ له: نعم. وعندما كانت لي محاضرة في لندن، قال لي بعضهم: سيدنا.. أنت لا تجازف في القضايا المستقبلية. عجباً! قلتُ له: أنا مُتيقّن أنّ مسألة صدام وصلت خط اللاعودة، لكنَّ هذا لا يعني ان نؤيِّد الضربة (الحرب) بالعكس فأنا لم أكن مع الضربة (الحرب)، نعم.. كنتُ مع التغيير، لكن ليس بآلية الحرب، فلا توجد حرب نظيفة وحرب وسخة، كلُّ الحروب وسخة، وستكلِّف العراق وشعبه واقتصاده وكرامته، وسيتبع الحرب احتلال؛ لذا يجب أن ندفع غائلة الحرب، وما يترتب عليها من احتلال وغزو، وفي الوقت نفسه نطلب أن يساعدونا في إسقاط صدام.


- هل توجد لديك آلية مُفترَضة لسقوط النظام بغير الدخول العسكريّ؟


الجعفريّ: نعم.. حين جاء وفد أميركيّ في تشرين الثاني عام 2002، وكان معي مجموعة من الإخوان في المكتب السياسيِّ في لندن، وكان أول مرة في حياتي أستقبل شخصاً أميركياً مباشرة، وأتحدّث معه بعد أن اعتذرت عن اللقاء، لكن اتخذنا قراراً في الدعوة بأن نراهم، وهم ديفيد بيرس ومعه ثلاثة، وقال: ما السبب في عدم حضوركم مؤتمر لندن، وأنتم قدّمتم كذا وكذا؟ قلت له: لا أحد ينافسنا في التضحيات في الكم، أو في طريقة الاستشهاد، لكننا لا نعتقد أنَّ الحرب طريق صحيح، وهذا المؤتمر (مؤتمر لندن) واجهة لضربة أميركية، وهذا لا يمثّل إرادة وطنية مع كامل احترامي لمن اشترك في مؤتمر لندن. قال: ما هو البديل؟ قلتُ له: البديل خمس نقاط: اسحبوا سفاراتكم من بغداد، وأغلقوا سفارات صدام في عواصمكم، وحوّلوا الأموال العراقية إلى الشعب العراقيّ عبر منظمات محترمة ومُوثَّقة تُوصلها إلى الشعب، وحوّلوا صدام إلى مُجرِم حرب كما هو كلُّ مجرمي العالم بعدما عمل ما عمل، وحوّلوا الحصار الاقتصاديّ من الشعب العراقيِّ إلى حصار سياسيّ على النظام السياسيّ وعلى صدام؛ عندها يسقط في بضعة أسابيع.

هذا هو البديل، وأنا أشرتُ إليه في أكثر من مكان، وأكثر من كتاب، وفي أكثر من مقابلة في الوقت الذي نحن الطرف الأكثر تضرُّراً مع فرط احترامنا، ومحبتنا، وتقديرنا لكلِّ الأطراف الأخرى كالشعب الكرديّ الذي قدّم في الأنفال وحلبجة، وإخواننا السنة في انتفاضة الأنبار انتفاضة محمد المظلوم، والثورة الشعبانية، وانتفاضة رجب كلها قدَّمت سيلاً وقطاراً من التضحيات، لكنَّ الدعاة قدّموا كمّاً كادرياً نوعيّاً بطريقة يندى لها الجبين في طريقة التعذيب وما شاكل ذلك.

أنا لم أكن مع الحرب.


- بدأت الأمور تتقارب.. فأطروحتك لإسقاط نظام لم تكن تؤنس الأذن الأميركية؛ لأنهم كان لديهم مشروع، يبدو أنه ليس فقط إسقاط النظام، إنما له توابع كثيرة..

هل تعاملتَ مع الخط الأميركيّ على أنه أصبح أمراً واقعاً؟


الجعفريّ: نحن قاطعنا مؤتمر لندن، وكذا مؤتمر صلاح الدين، وعندما ذهبتُ إلى الحجّ، وُجِّهت لي رسالة من القادة في مؤتمر صلاح الدين، فأجبتُهم بأني أعتذر، ولا أشترك في مؤتمر صلاح الدين، وسمعت أنَّ الدكتور الباججي اعتذر عن حضور المؤتمر، واعتذرتُ أيضاً عن المشاركة في مؤتمر الناصرية، كما اعتذرتُ عن المشاركة في مؤتمر بغداد في الأيام الأولى للسقوط.

قاطعنا كلَّ هذه المؤتمرات..

أنا أعتقد أنَّ هذه المؤتمرات جاءت في سياق تحسين وتزيين ما حصل من حرب، وتمهيد، وتبرير لشيء اسمه الاحتلال.


- بدأت الأحداث تقترب، وبدأت الجيوش الأميركية تدخل، وأصبح موضوع النظام مسألة وقت، وبدأت الحرب.. كيف كنت تنظر إلى الحرب، هل هي بوّابة للخلاص من نظام صدام أم كنتَ تدرك مخاطر الحرب على الشعب؟


الجعفريّ: علّمتني قراءتي للحروب بأنك تستطيع أن تؤرّخ لبدايتها، لكن ليس سهلاً أن تؤرِّخ لنهايتها، وأنَّ الدول التي تملك زمام المبادرة ليس بالضرورة أنها تملك زمام الختم، وإنهاء الحرب؛ لذا تحدّثت للإخوة في لندن، وهم على وجه التحديد الأخ صادق الركابي، والأخ عبد الرزاق لطفي، والأخ صادق الطيار، والقصف بدأ: ما الموقف المناسب الذي تتصوّرونه، وفكّروا في هذا الموضوع، فجاؤوا بكلمة واحدة، وقالوا لي: نحن مع الدخول، وأنا كنتُ كاتباً وصيتي، وهي مُلخَّص ما بذمتي من واجبات ومن استحقاقات معيَّنة، وأني أوصي بكذا وكذا.

أمّا أنا فالمسألة منتهية، وأشرتُ بيدي، وقلتُ لهم: إذا نسيتم كلامي فلا تنسوا إشارتي. أنا ذاهب إلى العراق لامحالة، لكن من أيِّ محور سوف أدخل فهذا تحدِّده الإرادة الميدانية. وتعرفون معنى أن أعطيكم وصية، وما أقصد حين أعطي كلَّ واحد منكم نسخة منها.

اتجهت إلى إيران، ومنها أفكِّر من أين أدخل.


- ألم يكن يُفترَض أن تتفق المعارضة العراقية مع صدّام بشكل مباشر على بعض الإصلاحات مثلما نرى من مطالب الإصلاحات؛ والإبقاء على نظام صدّام؟


الجعفريّ: صدام اشتدّ به القبح إلى درجة لم يعُد يثقْ به أحد على الإطلاق حتى صهراه الاثنان قتلهما. حين أفلتا منه، وهربا إلى خارج البلاد، واستدرجهما، ثم قتلهما، فكيف بنا، وبغيرنا؟! نحن بالنسبة إليه لقمة سهلة؛ لذا أجمعت المعارضة كلُّها، ونحن عقدنا عدة مؤتمرات كعمل وطنيٍّ مشترك ومُوحَّد؛ لنعرِّف من خلالها المُعارض بأنَّ لا يفكِّر في الحوار مع النظام، وأن يعمل على تحقيق هدفين أساسيين، الأول: تغيير نظام صدّام، والآخر: أن يعمل من أجل تحقيق البديل، وهو صناديق الاقتراع، وأيّ مُعارض يفكِّر بالتنازل عن إحدى هاتين النقطتين نعتبره خارجاً عن إجماع المعارضة.


- يوم 9/4/2003 هل كنتَ في لندن أم في إيران، أي سمعت بسقوط تمثال الفردوس؟


الجعفريّ: يوم 9/4 أنا كنتُ في لندن، ومتجهاً إلى إيران، وسمعت بسقوط الصنم، ورأيته في التلفزيون.


- ما كان إحساسك عندما نظرت إلى الدبابات الأميركية على جسر الجمهورية؟


الجعفريّ: كان شعوري هو الفرح الغامر المشوب بالألم.

إنّ الذي أسقط صدّام حسين لم يكن الدبابات الأميركية إنما هو الإرادة الأميركية، وقد قلتُ للأميركان في أول لقاء في 17/5 /2003 كنتُ جالساً مع بريمر وجي كارنر، وقلت لهم: لستم من أسقط صدام حسين، إنَّ الذي أسقطه هو الشعب العراقيُّ أسقطه فكرياً ونفسياً واجتماعياً، فتحوّل إلى نمر من كارتون، وسقط في زمن قياسيّ، وقلت لهم: هل تريدون هويات الذين أسقطوه؟ ابحثوا عن أجساد الشهداء الذين دثّرهم صدام أحياءً تحت الأرض، وهم 350 ألف شخص. هؤلاء هم الذين أسقطوه، وأنا مؤمن بهذا الكلام. وأعتبر أنّ هذه التحاق للإرادة الدولية بالإرادة العراقية؛ لأنَّ الإرادة العراقية بدأت منذ وقت مبكّر، وقدّمت تضحيات، ولا أقول في كلِّ مدينة شهيد، ولا أقول في كلِّ قبيلة، أو في كلِّ حزب، إنما أقول: في كلِّ بيت يوجد شهيد، أي إنَّ بيوت العراقيين خنادق مواجهة ضدّ صدام، وكانت محطات ثورة تموِّل بالدم ضدّ النظام.


تسألني عن شعوري.. كان شعوراً غامراً بالفرحة لكنه كان مشوباً بالألم.

إنّ عندنا عملاً هو كيف نبرهن للعالم أنَّ الشعب العراقيَّ رفض صدام منذ زمن مبكِّر، منذ أن اعتلى حزب البعث للمرّة الثانية سدّة السلطة عام 1968، والشعب العراقيُّ يقدِّم قطاراً من التضحيات، حزب الدعوة قدَّم أول باقة شهداء عام 1974 وهم إخواني قبل قيام الثورة الإسلامية في إيران، وبعد أن أصبحت الثورة الإسلامية والعراق يواصل النضال ضدّ صدام، وحصلت حرب الخليج الأولى الحرب العراقية - الإيرانية من عام 1980 إلى 1988 أطول حرب في القرن العشرين، ولم يسقط صدام، وبقي الشعب العراقيُّ يواصل، وكانت حرب الخليج الثانية عام 1991، والشعب العراقيّ يقدِّم، وانتهت الخليج الثانية، ولم يسقط صدام، والشعب العراقيّ يواصل، وجاءت حرب الخليج الثالثة.


- سقط النظام، وأصبحت الأحداث تتسارع.. بداية دخولك إلى العراق أنت والعراق حبيبان افترقا، ثم كان اللقاء.. كيف كان؟


الجعفريّ: أنا تأخرت أسبوعين اضطراراً في إيران من الشهر الرابع إلى 27/4/2003؛ والسبب في ذلك: أنَّ الإخوان من بعض الدول الأوروبية بدأوا يتناهدون، ويتكلمون، ويقولون لإخواننا في إيران لا تدعوه ينزل وحده حتى نأتي، بالمناسبة الإخوان الأربعة الذين جاؤوا معي هم جماعة الدنمارك، وعندما دخلتُ كنا عشرة، ومنهم: عدنان الأسدي أبو حسنين، وأبو حوراء، وأبو آلاء، وحيدر الكاظميّ، فبقوا، وأخّروني، وفي الوقت نفسه كنتُ أتفحّص أن أدخل من الجنوب أو من الشمال إلى أن اهتدينا للدخول من الشمال، فاتصلت بالأخ مسعود البارزاني، فرحّب كثيراً، وحدّدت له اليوم الذي أدخل فيه وهو الـ27 على الـ 28 في الليل، لكنه قال: لا أعرف كيف أعتذر منك؛ لأنَّ عندي التزاماً في هذا اليوم ببغداد، فقلتُ له: ليس مشكلة أبداً، فدخلنا من الحدود في الليل.


- من أيِّ منفذ دخلتم.. هل من الشلامجة؟


الجعفري: لا. دخلنا من الشمال على طريق حجي عمران، وفي تلك المناطق وصلنا إلى أربيل، وبقينا ليلة واحدة في فندق (شبارشار)، وكان الأخ مسعود متجهاً إلى بغداد، وفي المقدِّمة اعتذر، وبعدها اتجهنا إلى بغداد، واستأجرنا سيارات أجرة، وفي الطريق صادفتنا مفرزة لـ(منافقي خلق) في منطقتين، لكن من لطف الله عليَّ أنهم لم يشخِّصوني، ولم يعرفوني، ووصلنا إلى بغداد، وحين وصلنا إلى بغداد قرب شارع فلسطين قال لي الأخ أبو حوراء: هل تسمح لي ببضع دقائق، وأعود؟ قلتُ له: خُذ راحتك. ذهب، ورجع قال لي: هل تتذكّر عندما سألتك في لندن، قلت لك: النظام يسقط؟ قلتَ لي: نعم. قلت له نعم. أتذكر أنه قال: هل تعرف على أيِّ شيء سألتك؟ قلت: لا. قال: أردتُ أن أستشيرك في مال أريد أن أحوّله إلى العراق؛ لأشتري به بيتاً، فالآن البيت موجود، فذهبنا، ودخلنا شارع فلسطين، وكان البيت بسيطاً، ولا يوجد في شيء، واشترينا (حصران نايلون)، وكانت وساداتنا أن يضع كلُّ شخص حذاءه تحت الحصيرة، ونمنا عليها، وكنت أستخدم طريقة بالتنسيق مع إخواني إننا من أيام كنا صغاراً حين نسافر نستخدم طريقة الجيب الأيمن، كلُّ شخص يُخرج مائة دولار، وأعطيناها للأخ أبي حسنين، وقلنا: هذا الجيب الأيمن للمصرف المشترك أي شيء نشتريه يكون من هذا الجيب الأيمن؛ لأن لا يوجد عندنا شيء.


- ذهبتَ إلى لندن لحضور حفل زفاف ولدك (ليث)، وتركتهم بثلاثة شروط تركت السباعية أو التساعية؟


الجعفريّ: كنا سبعة، وما إن عُدتُ إلى مطار بغداد اتصل بي المرحوم الشهيد أبو رند عمار الصفار، وكان وكيل وزير الصحة يستنجد بي. قلتُ له: خير إن شاء الله؟ قال: تعال. قلتُ له: الآن الساعة الثانية عشرة، والمفروض أنَّ اجتماعكم انتهى؟ قال لي: لا يهمُّ. تعال. جئتُ، ووصلت إلى مجلس الحكم، وجلستُ في مقعدي المُخصَّص، وعلي يميني السيد عبد العزيز الحكيم -رحمة الله عليه-، ولم نتوصّل بعدُ إلى توزيع رئاسة مجلس الحكم بشكل دوريّ، أخذوا السيد محمد بحر العلوم -الله يحفظه- بصفته أكبر سِناً، وعلى يساري الأخ جلال الطالباني. فبادرني السيد عبد العزيز الحكيم -الله يرحمه-، وقال بصوت منخفض: سيدنا في غيابك كان هنالك كلام على توزيع المواقع، لكنّ الأخ جلال يسمع على جانبي الأيسر، وكان هناك اتفاق بأن السيد الجعفريَّ يشكِّل حكومة، لكن أصبح عندنا تغيير بسيط في مجموعة السباعية. قلت له: وما هذا التغيير؟ قال: التغيير الذي حصل -من خلال سرده عرفت- أنهم رفعوا اسمي واسم نصير الجادرجي ووضعوا بدل اسمي اسم محمد بحر العلوم وبدل نصير الجادرجي اسم الدكتور عدنان الباججي. قلت له: أبا عمار. أنت تعرف أني عندما غادرت العراق قبل أسبوع، وذهبت إلى لندن أوصيتكم بأني لا أريد أن أكون رئيس مجلس الحكم. هل هذا صحيح؟ قال: نعم. قلت له في الطريق، وأنا في طريقي إلى لندن مررتُ على روما وقلت للسيد عادل عبد المهدي: أنا أكّدت على الجماعة، والآن أريدك أن تؤكِّد عليهم بأن لا يضعوا اسمي كرئيس مجلس حكم. قال: نعم. ليس لديَّ شيء شخصيّ، لكن -عيوني ابيضّت- حتى أجعل الدعوة تشترك في هذه العملية السياسية، وتساهم بهذه الأطروحة بعد سقوط النظام المقبور وبعد هذا القطار من الشهداء والتضحيات. لا يوجد أحد يُستبدَل إلا ممثل الدعوة. كان الأخ جلال الطالباني على يساري، ويسمع، فقام من مكانه، وخرج، وبعد دقيقة أو دقيقتين رجع، فمسكني من يدي اليسرى، وقال: هلا تسمح لي دكتور. قلتُ له: تفضّل، فخرجنا، وتمشّينا أنا وهو في الممرّ. قلتُ له: خيراً؟ قال: تداولتُ أنا وأستاذ مسعود، واتخذنا قراراً بأنَّ السباعية إذا لم يكن فيها الدكتور الجعفريّ فنحن ننسحب.

هذا الموقف يُسجَّل للأخ جلال والأخ مسعود، أصبح هنالك ارتباك في داخل مجلس الحكم بسرعة، وتحوّلت المجموعة السباعية إلى مجموعة تساعية؛ لإرضاء الجميع.. هنا رفع الأخ محسن عبد الحميد يده، قال: اسمحوا لي أن أنسحب من مجلس الحكم؛ لأنَّ عليَّ ضغوطاً عربية سُنية في داخل العراق، ومن خارج العراق.

إذا لم نشارك في الهيئة التساعية فأنا أنسحب.


- هل تعني أنَّ الهيئة التساعية كان يحقُّ لها أن تحدّد رئيس مجلس الحكم؟


الجعفريّ: بعدها لم نتفق على رئاسة مجلس الحكم، والآن الهيئة التساعية يسمّونها هيئة رئاسة مجلس الحكم، فوجدتُ كلامه صحيحاً، فأشرتُ إلى أحد إخواني قلت له: نادِ لي على العضو المناوب لنصير الجادرجي، فقلتُ له: اذهب إلى الأخ نصير، وأبلغه برأيي بأن ينسحب لصالح محسن عبد الحميد، ومحسن عبد الحميد يمثل الحالة السنية العربية.

نصير الجادرجي لم يخيّب ظني فرفع يده اليسرى، قال: أنا أشكركم أن وضعتموني في الهيئة التساعية، لكني أنسحب لصالح الأستاذ محسن عبد الحميد، وهكذا دخل محسن عبد الحميد الذي يمثّل الحزب الإسلاميّ في هذه المبادرة، وذهبنا نحن -التسعة- إلى غرفة جانبية؛ حتى نختار كيف ندير مجلس الحكم، بدأ الحديث الدكتور أحمد الجلبي: يا جماعة نحن لدينا ثلاث طرق: إما أن نتفق على رئيس، فلا نتفق على رئيس. قالها بالضبط: وإما أن نأخذ على العمر وهذا لا يفيدنا، فلا يفيدنا غير الأحرف الأبجدية.. أنا أعرف أنَّ اسمي سيكون الأول، فرفعتُ يدي، وقلت لهم: سأعطيكم قاعدة عقلية وشرعية بدلاً عن الأحرف الأبجدية؛ حتى أدفع الأمر عني: القاعدة الشرعية تقول: إنَّ القرعة لكلِّ أمر مُشكِل. لنقترع فيما بيننا، وبالقرعة تكون حصتنا نحن -تسعة- ما نسبته تقريباً 11%، وهذه تدفع عني، فلم يقبلوا، وقالوا: لا. على الأحرف الأبجدية. وهكذا وفي زمن قياسيّ خرجتُ من القاعة رئيساً لمجلس الحكم، وأنا لم أضع في حسباني أني سأتقبّل ذلك، على الرغم من أني قد أبلغتهم بأني لا أريد.

هذه هي قصة رئاسة مجلس الحكم.


- استمرت رئاستك شهراً، ولكنك أصبحت رئيساً، وأعتقد أنَّ السيد مُحمَّد بحر العلوم سافر، وأنت بدلاً عنه تمارس رئاسة مجلس الحكم؟


الجعفريّ: كانت مرات بهذا الشكل، لكنَّ الرئاسة دورية كلَّ شهر إلى أن انتهت التسعة أشهر، وبقي عندنا شهران، ووراء ذلك قصة.


- كنتَ خارج العراق في زمن النظام البائد، وكان ممكناً لشرطي أن يعتقلك، وينتهي الموضوع بالإعدام، وبعد سقوط النظام الصدّاميّ أصبحتَ رئيساً لمجلس الحكم أول سلطة تنفيذية وتشريعية.. ما هو إحساسك حينها -بغضّ النظر- عن أنك كنت تريد أم لا، لكن بطبيعة كان هنالك إحساس يراودك؟


الجعفريّ: بالنسبة إليّ توجد أهداف في الحياة، الهدف الأول: هو الخروج بلجنة تُعِدُّ، وتحاور على مُسوَّدة الدستور العراقيّ، وقد حققتها في العشرة أيام الأولى، والثانية: أن أسافر إلى سبع دول في سبعة أيام بما فيها مصر لأنها الأكبر العربيَّ، وحاضنة جامعة الدول العربية، وقد حققتُ ذلك، والعشرة أيام الثالثة: أن نشكِّل حكومة، وقد شُكِّلت حكومة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق