- أين، ومتى وُلِد السيد
الجعفري؟
الجعفري: أنا من مدينة كربلاء المقدسة، مدينة سيد
الشهداء، من مواليد 1947، صادفت ولادتي في المولد النبويّ الشريف، من عائلة عراقية
رحلت من نجد من قرية الأشيقر قرب الرياض قبل 530 سنة.
- اسم الأشيقر نسبة إلى المدينة أم القرية الموجودة
فيها؟
الجعفري: هنالك مدينة قرب الرياض اسمها الأشيقر إلى
جانب الشقراء، ويلفظونها بالعامية الأشيقر إلى جانب (الشكرة)، قبل حوالى 530 سنة
رحلت قبيلتنا من هنالك، وجاءت إلى الكاظمية في مقابر قريش، ومن هنالك استقرت في
كربلاء.
- ما ترتيبك في العائلة؟
الجعفري: نحن 12 ولداً وبنتان، أنا أصغرهم
سناً.
- الطفل يتعلق إما بالأب أو بالأم.. بمن كنت متعلقاً؟
الجعفري: التعلق ليس قراراً بقدر ما هو واقع،
باعتبار الوالد - رحمه الله - توفي، وأنا عمري أربع سنوات عام 1954، فكان من
الطبيعي أن أتعلق بوالدتي.
- أريد منك أن تصف لي السيد الجعفري.. هل هو هادئ أم لا؟
الجعفري: ربما يكون من الصعوبة أن أتحدّث عنه؛ لعدة
أسباب، منها: إن الإنسان ليس بالضرورة أن يتذكر طفولته إنما يتذكر ما قيل عنه،
ومنها: هناك صعوبة في الوصف، فأنا لم أسمع أني قد كنت هنالك (وكاحة) مشاكسة، ولو
كانت لقـُلتها بصراحة.
- ألم تتشاجر مع أطفال؟
الجعفري: بحسب ما سمعته من أمي وإخوتي، أني لم أكن
مشاكساً.
- في الدراسة الابتدائية ألم يكن فيها شيء مميّز باعتبارك انتقلت من جو
الأسرة؟
الجعفري: في الابتدائية أخذني أخي الأكبر سيد محمد -
رحمه الله - إلى مدرسة السبط الابتدائية في باب السلام بكربلاء، وكان مديرها في ذلك
الوقت، ولم يقبل أن أدخل المدرسة؛ لصغر سني، فقد كان عمري أقل من 6 سنوات، فأرسلتني
العائلة إلى السوق للعمل في التجارة، وبدأت عملي التجاري في القماش قبل سن
الابتدائية، وبعدها بسنة دخلت في الابتدائية، لكني انشددت إلى السوق، فبقيت بين
السوق في التجارة والمدرسة حتى مراحل متأخرة في كلية الطب بالعطلة
الصيفية.
- هل كنت في الدراسة الابتدائية من المتفوقين، أو كنت طالباً عادياً؟
الجعفري: كنت طالباً طبيعياً، ربما في الصف الأول
كنت متفوّقاً، لكني بعد هذه المرحلة كنت طالباً اعتيادياً.
- ما الذي تتذكره عن المرحلة المتوسطة؟
الجعفري: توجد ذكريات، بعضها مريرة أحب أن أقف
عندها: عام 1958 كنت لاأزال في الابتدائية، وحصلت الثورة في ذلك الوقت، وانتهت
مرحلة الملكية، وبدأ عصر جديد، كنت حينها في السوق، وصادف يوم 14 تموز، وجدت السوق
قد ارتبك، فسألت: ما الأمر؟ قالوا حدثت ثورة. فقلت ماذا تعني؟ قالوا: قتلوا الملك.
فقلت: ماذا يعني؟ قالوا سيكون نظام جمهوريّ. بدأت أتغذى بعض المفاهيم السياسية
البسيطة. قلت: لماذا؟ قالوا: حرية، وعدل.
بدأت تـُطرَح شعارات معينة، ارتبك السوق جداً بعدما حصل ما حصل في ثورة
14 تموز، حصل ما يُعرَف بالمدّ الأحمر عام 1959، ونحن طلاب في الابتدائية، وامتدوا
إلى المدارس، وحاولوا أن يؤثروا في الطلاب، وكادوا أن يعبِّئوا الشباب إلى ما يسمى
بـ(الشبيبة الديمقراطية)، فرفضت مع قلة من الطلاب، وتعرّضنا لضغوط، ووصل بها الحدّ
من التمادي أنها رفعت العلم السوفيتي على المدرسة في كربلاء.
انتقلنا إلى المتوسطة، إلى مدرسة الثورة في بداية 1961، 1962، وكنا في
مرحلة المراهقة والبلوغ، مرحلة الانفتاح بشكل أعمق على القراءة الأدبية والفكرية.
- هل كان أحد أفراد الأسرة رجل دين؟
الجعفري: لا.. كنا عائلة متدينة محافظة، لا عائلة
حوزوية.
- هل أثرت الأحداث السياسية، وتشكُّل المجاميع المسلحة من حزب البعث،
بما يسمى الحرس القومي، والتيار القومي، والتيار الشيوعي، ولم يكن التيار الإسلامي
موجوداً؟
الجعفري: نعم أثـّرت.. الوسط الكربلائيّ وسط منفتح
على أبناء المدن الأخرى من غير الكربلائيين، فهم يأتون من مختلف مدن العراق، كما
أنه منفتح على أبناء العالمين العربي والإسلاميّ، فأنت تجد في الشارع من الدول
الخليجية من الحسا والقطيف ومن البحرين ومن الكويت والإمارات ومن الدول الإسلامية
إيران وباكستان وأفغانستان، فألفت الشخصية الكربلائية الآخر كواقع في الشارع خصوصاً
في السوق فهو رئة مفتوحة تتعامل مع المواطنين، وتتعاطى معهم.
أعتقد أن السوق كان المدرسة الحقيقية التي غذتني الكثير من المفاهيم
سياسياً واجتماعياً، وهو كان الحلقة المؤثرة جداً في مسلسل التأثير في حياتي.
- في السوق أمور سلبية.. كيف تجاوزتها على الرغم من أنك كنت صغير السن؟
الجعفري: هناك أمراض في السوق مثلما توجد أمراض في
أيّ اختصاص، يوجد غش في البضاعة، لكن التاجر الملتزم الذي تغذى على قيم صحيحة لا
يصاب بهذه الأمراض، المرحوم أخي كان يحتاط في عمليات البيع، فتعلمت منه
كثيراً.
- في نهاية مرحلة المتوسطة، ودخولك مرحلة الإعدادية كان توجّهك علمياً..
من الذي اختار لك هذا التوجّه؟
الجعفري: كانت عندي رغبة جامحة في الاتجاه العلميّ،
أحبّ الرياضيات والفروع العلمية أكثر من غيرها، فكان من الطبيعيّ أن أختار الفرع
العلميّ، فاتجهت إليه.
س / هل تتذكر أحداً من الشخصيات المعروفة في المرحلة الإعدادية؟
الجعفري: منهم: سيد عبد الصاحب قطب الذي كان من
الطلاب المتفوقين والأذكياء، وحسن السمعة والسيرة، وكان إلى فترة قصيرة في وزارة
النفط، ومن الأسماء ممن استشهدوا، وكان معي هو عبدالهادي الكرعاوي، عبد المهدي
الكرعاوي، ومهدي لطيف، وجواد صادق، وعبد الحسين الحمّامي، وعباس ضياء الدين.
كانت باقة كبيرة من الشباب يغلب عليهم التديّن، وقد نال القسم الأكبر
منهم شرف الشهادة.
- المرحلة الإعدادية كانت في وقتكم تنتهي بالصف الخامس، ولم يكن هناك
سادس؟
الجعفري: آخر سنة كانت الصف الخامس، وبعدها أصبح
هناك الصف السادس.
- كم حصلت على معدَّل؟
الجعفري: في وقتها كنت الأول على محافظتي كربلاء
والنجف، فقدّمت على كلية الطب، وكنت الأول في التسلسل.
- اختيارك كلية الطب هل هو خيار اجتماعيّ باعتبارك الأول، وقد حصلت على
معدّل عال ٍيؤهّلك لأن تكون طبيباً، أم كان اختيارك وفق منهج استراتيجيّ؟
الجعفري: المهم كان عندي هو الكلية التي أستطيع أن
أخدم بها من ناحية الفكر، وقد نما هذا الهدف عام 1965 حين أقام السيد محسن الحكيم -
رحمة الله عليه - دورات فكرية في كربلاء، درسنا فيها كتاب (اقتصادنا)، وكان عمري 17
عاماً، وعلم الكلام عند المرحوم أحمد أمين صاحب كتاب (التكامل في الإسلام)، ودرسنا
البلاغة العربية عند طالب الرفاعي - حفظه الله -، وعلوم القرآن عند السيد محمد باقر
الحكيم، ودرّسنا السيرة الشيخ مهدي الآصفي، والفقه على يد الشيخ عبد الحسن
البيضاني.
هذا الدورة إضافة إلى ما نحصل عليه من خلال قراءاتنا كانت إطلالة فكرية
متنوعة، كما بدأت مسيرتي بقراءة الكتب الأدبية، ومنها مصطفى المنفلوطي، ونجيب
محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وجبران خليل جبران، وكتب أخرى إضافة إلى بعض الكتب
الإسلامية خصوصاً منهج السيد الصدر في الاقتصاد الإسلامي مقارنة بالاقتصادات الأخرى
الماركسي والرأسمالي، فنمت عندي، وتعمّقت، وتجذرت الحالة
الهدفية.
بدأت أفكر كيف أخدم هذا الفكر، وتوافرت لي فرصة أن أصبح الأول على
المحافظة، ورأيت أن الطبيب تكون له إطلالة واسعة على مختلف الشرائح؛ فهذا الاختصاص
يوفر فرصة العمل في مختلف المدن، ولسبب من الأسباب أردت أن أغيّر من كلية الطب إلى
كلية أخرى وهي كلية التربية، فأنا أحبّ الحقل التربويّ بمفهومه العامّ، وأشعر أنها
تساهم في إنشاء بنية تحتية، فراجعت السيد الحكيم، وكان الرأي قد استقرّ على كلية
الطب، وأكملت في عام 1966 في جامعة الموصل.
- من كان معك في نفس الدورة؟
الجعفري: شخصيات كثيرة، ومنهم محافظ كركوك الحالي
الأخ نجم الدين، والأخ أديب الجلبي
- رحمة الله عليه - استشهد قبل فترة قصيرة، وهو من أهل الموصل من
إخواننا أبناء السنة، والدكتور عبد العزيز التميمي الذي دخل الكلية بعدي بسنتين،
وهو مدير مكتبي الشخصي، وكان مدير مستشفى زايد، وكثير من الشخصيات التي كانت معي في
تلك المرحلة في كلية الطب، وهنالك شخصيات كانت لي معهم علاقة في الصفوف
المتقدمة.
بدأت أمدّ الجسور مع الصفوف المتقدمة بصداقة وأخوّة فيها دفء مشاعر،
وكان قصدي منها هو إقامة علاقات هدفها إنسانيّ ثقافيّ فكريّ.
- من خلال هذه العلاقات تكوّنت لديك مساحة أوسع في الانتماءات؟
الجعفري: عندما تسأل عن الانتماء وقضية التنظيم
السياسيّ، ففي عام 1966 كان انتمائي الرسميّ لحزب الدعوة، أما قبل هذا التاريخ فقد
فـُوتِحتُ بالدعوة عام 1964 أي بعد تشكيلها بسبع سنوات.
تشكّلت الدعوة عام 1957، وكنتُ حينها طفلاً، وفي عام 1964 فـُوتِحت
بالانتماء إلى الدعوة، ولم أستجب للفكرة ليس لعدم الثقة، إنما؛ لأني كنت أقلد السيد
محسن الحكيم، ولم يكن يقبل بالانتماء، لكن
عام 1966 بعد الطفرة الفكرية والانفتاح على عالم جديد في الموصل، وتطوّر وضعي
السياسيّ والمجتمعيّ استجبت، وأصبحت عضواً في حزب الدعوة الإسلامية بشكل
رسميّ.
الاطلاع على فكر الدعوة سبق الانتماء إلى تنظيم الدعوة، كما الفكر
الإسلاميّ الذي تبنيته، وكنتُ أتغذى عليه كان قد سبق الانخراط الحزبيّ والتنظيميّ
أيضاً.
- وجود التيار الشيوعيّ، وقوة تأثيره حيث كان يكتسح الشعب العراقي، هل
دفعك هذا الفكر إلى أن تتسلح بالثقافة؟
الجعفري: نعم.. في ذلك الوقت كانت هنالك ثلاثة
تيارات من الاتجاهات السياسية، التيار الأول: هو التيار الماركسيّ والشيوعيّ، ولم
يخدمهم؛ لأنه عاطفيّ.. جاء مباشرة بعد انقلاب تموز، فأخذ صفة عاطفية امتدّ بشكل
سريع، وتقلـّصَ بشكل أسرع. التيار الثاني: التيار القوميّ، وتميّز منذ البداية
بالانشطارات الكثيرة؛ بسبب كثرة النظريات القومية. التيار الثالث: التيار الوطنيّ،
ويمثله الحزب الوطنيّ الديمقراطيّ، ومنهم كامل الجادرجي وحجي حمود وحسين جميل محمد،
تصدّوا في ذلك الوقت.
في ذلك الوقت كان شباباً صغاراً جداً؛ لأن هذه الاتجاهات الثلاثة لم تكن
مع الدين، وكان هذا يحفـّزنا على أن نبحث عن قضية الشرعية وموقف المرجعية في ذلك
الوقت كان سلبياً خصوصاً من الشيوعية، حتى إن الإمام الحكيم - رحمة الله عليه -
أصدر فتوى، قال فيها: إن الشيوعية كفر وإلحاد.. هذه الفتوى حصّنتنا، لكنها لم تشكّل
بالنسبة إلينا درعاً ثقافياً كافياً، فهذا كان يدفعنا لأن نبحث عن الحقيقة،
وانتهجتُ هذا المنهج منذ البداية.
كنتُ أرى لديهم شعارات جيدة، وموجودة في الدين، ولديهم شعارات سلبية
يرفضها العقل والمنطق، فتراكمت لديّ معارف كثيرة.
- في كلية الطب بالموصل قد تكون البيئة هناك مختلفة عن
كربلاء؟
الجعفري: توجد عندي قضية هدفية، واستثمرت وجودي في
الجامعة؛ لتحقيق هذا الهدف، ومددت الجسور مع زملائي في السنة الأولى، وامتددت إلى
الآخرين في السنوات المتقدمة، وتعرّفت إلى الكثير من الشخصيات السنية والشيعية في
الجامعة، وكنا نتزاور فيما بيننا.
- هل كان السنة من الإخوان المسلمين في توجُّهاتهم؟
الجعفري: لم أكن أعرف أنهم من الإخوان المسلمين؛
لأننا لم نكن نتحدث عن خصوصياتنا بصراحة، وهم متدينون.
- في كلية الطب كان الأغلب لا ينتمي إلى الفكر الشوعيّ إن لم يكن يؤمن
بكل جزئياته؟
الجعفري: الأمر يعتمد على حجم استيعاب هذا الفكر،
ودرجة إيمانه به، أنا أسمع من بعض الشخصيات أنه كان شيوعياً، لكن ليس مُلحداً،
مثلاً: حدث لقاء في إيران أواسط الثمانينيات بيني وبين مظفر النواب الشاعر العراقي
المعروف، قلت له: أستاذ مظفر.. أنت تتعاطف بهذه الدرجة مع الثورة ألم تهزّك، وتكن
لك مراجعة فكرية؟ قال: لماذا، أنا لم أكن ملحداً.
وإلى الآن في أول خلية، وكان الذي يشرف علينا أراد أن يشير إلى قضية
الإلحاد، فأوقفته، وقلت له: إذا تكلمت في قضية عدم وجود الله - تبارك وتعالى -
أغادر اللقاء، وحكى لي قصة مؤثرة حصلت معه فيما بعد:
قال: كيف ينكر الإنسانُ اللهَ في الوقت الذي تحيطه مفردات الغيب من كل
جانب، فقال لي هذه القصة: حين ذهبت إلى ليبيا كنت أراجع السفارة السورية في طرابلس،
وآخذ الصحف السورية لأتابع؛ لأني مقيم في سورية، وقبل أن أذهب إلى سورية كانت عندي
شقة صغيرة، جاءني شاب عراقي مصاب بمرض جلديّ، ويستخدم دهناً، ويحتاج لأن يغسل
دائماً، فعرف أني أريد أن أسافر إلى ليبيا، فقال لي: هل تمانع إذا سكنتُ في شقتك
أثناء سفرك؛ حتى أستثمر الحمام والشقة، وأنام فيها؟ قلت له: لا يوجد مانع، وأعطيته
المفتاح، وقلت: أنا أتردّد على السفارة السورية في طرابلس، وأقرأ الأخبار السورية،
وذات يوم بينا أنا متجه إلى السفارة حدّثتني نفسي: ما مصير شقتي في سورية، ومن هذا
الشاب الذي يجلس في شقتي، فأصابني هاجس، وهل فيها مسؤولية أم لا، وكالعادة أخذتُ
الصحف، ورجعت، ووجدت عنواناً بالجريدة بموت شاب عراقي في ظروف غامضة في شقة بدمشق،
قرأت الخبر وإذا هذا الرجل ميت في شقتي، وسألني هو بعدما حكى لي القصة، قال: كيف
يستطيع الإنسان أن ينكر، وهذه مصاديق بين أيدينا بأن هنالك شيئاً في هذا الوجود
اسمه الغيب، وهذه واحدة من عشرات القصص التي أعرفها.
- هل مارست نشاطك الدعويّ في الكلية، وقمتَ بكسب أعضاء إلى حزب
الدعوة؟
الجعفري: نعم.. وكانوا أعداداً كبيرة، وأنا كنت
مسؤول تنظيم الدعوة في داخل الجامعة.. وفي خارج الجامعة منذ السنة الأولى التي بدأت
بها تحمّلت مسؤولية تنظيم حزب الدعوة الإسلامية في كلية الطب وفي جامعة الموصل
والموظفين خارج الجامعة، بعد ذلك كانت هنالك لجنة من بعض الإخوان، فوسّعنا
المسؤولية، وتقاسمناها بيننا.
- هل كنت تقيم القسم الداخليّ أيام الدراسة؟
الجعفري: لا.. لم أكن في قسم داخليّ، وكنت أؤجر شقة؛
حتى أستثمرها في العمل الدعويّ، وأكون بعيداً عن الرصد.
- هل كان الأشخاص الذين انتموا إلى حزب الدعوة من أهل الموصل، أم من
منطقة أخرى؟
الجعفري: قسّمت عملي التنظيميّ إلى مستويات كثيرة،
من شباب جامعة الموصل، وهم من محافظات مختلفة، وكانت لدينا منهجية تعتمد الاقتراب
الفكريّ التربويّ، فالدعوة حركة ليست كبقية الحركات السياسية - مع احترامي لها -
الدعوة حركة ذات أساس تربويّ وتغييريّ ثابت يهتمّ ببناء الشخصية، وهذا الفضل يعود
إلى مؤسّس حزب الدعوة الإسلامية السيد الشهيد محمد باقر الصدر - قدس الله نفسه
الزكية - فنحن نقترب من الناس ومن الشباب بهذا الطريق، وقبل أن نفاتح بالتنظيم،
نتثبّت من سلامة البنية الفكرية والقيمية والسلوك، وقد نفاتح بعضهم، وقد لا نفاتح
البعض الآخر، لكن الهدف المهم هو مصلحة المجتمع باعتماد طريقة
الحوار:
((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))
هذا الآية هي شعار الدعوة، وكانت تـُكتـَب على كل نشرة من نشرات الدعوة
الإسلامية المركزية.
- هل كان بين الدعوة والإخوان المسلمين تقارب
فكريّ؟
الجعفري: ربما تكون هنالك مشتركات بيننا وبينهم،
وبالمناسبة كنت فاتح حلقة جانبية بعيدة لم يكن أحد يعلم بها حتى الدعاة في الموصل
ما كانوا يعلمون بها، نسمّيها في عرفنا الحركيّ (الحلقة المفتوحة) مع مجموعة من
الإخوان، وكنا نخرج على ضفاف دجلة حيث كانت كلية الطب على ضفاف دجلة، فأتحدث معهم
من دون أن أحمل معي ورقة أو أيّ شيء؛ لئلا تتسبّب لي بمشكلة أمنية، فأتحدّث معهم،
وهم يستمعون إلى هذا الفكر، ويتفاعلون معه، ويطرحون بعض الإشكالات وهم أصدقائي
وأعزاء عليّ، وأنا أعرفهم جيداً.
- الوالدة دائماً تكون خائفة أكثر بحكم عاطفتها.. هل كانت تعرف أن عندك
هذه المشاكل؟
الجعفري: كحسّ أمنيّ كان لديها شعور بالخطر الذي
أتعرّض له، حتى إن الأمر وصل إلى أن طلبت مني بشدة أن أغادر العراق، على الرغم من
أنها المتضرّر الأول، لم أفاتحها مباشرة بأني منتم ٍإلى حزب الدعوة، وحين اشتدّت
الاعتقالات كنت أهيئها، وأحدّثها عن الثورة الفلسطينية وعن شهداء ثورة فلسطين في
ذلك الوقت، فكانت جريئة، وتتقبّل هذا الشيء.
- لماذا لم يكن زواجك في وقت مبكر؟
الجعفري: أنا أؤمن بالزواج المبكر، وأدعو إليه
الجميع، لكن كان الظرف يقتضي التأخير؛ لأن من يُرِد أن يُنشئ أسرة ناجحة عليه أن
يهيئ أسباب الزواج الناجح.
مناط التبكير في الزواج هو توفير أسباب نجاحه؛ حتى لا يتحوّل إلى تسرّع،
ومن ثم يفشل.
- هل كانت زوجتك طالبة معك في الكلية؟
الجعفري: كانت العلوية في كلية الطب، وعام 1974 كان
عقد الزواج، وعام 1975 تزوجت، وقد كانت
كلية الطب كل همّي ونشاطي؛ لأنها لم تكن مراحل دراسية أقضيها وينتهي الأمر، بل كانت
مرتبطة بالجانب الفكريّ والثقافيّ والتنظيميّ، هكذا مضت سنوات الدراسة، وهي من أروع
سنوات العمر.