الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

لقاء قناة آفاق بالدكتور إبراهيم الجعفري بتاريخ 14/12/2011

- الانسحاب الأميركي من العراق، وجلاء القوات الأميركية بعد تنفيذ الاتفاقية بين الطرفين وصف البعض: بأن هذا الحلم قد تحقق.. كيف يؤرخ الدكتور الجعفري هذه اللحظة؟
الجعفري: أنا مع هذا الانطباع بأنه حلم تحقق، ووجود القوات الأجنبية في الأرض العراقية حالة استثنائية في الأصل..
السؤال ليس لماذا تنسحب، إنما: لماذا لا تنسحب من بلدان العالم؟
هل يقبل الأميركي أن تأتي قوات أجنبية، وتتواجد على أرضه، هل قبلت أميركا بأن تتواجد قوات بريطانية على أرضها حين احتلتها بريطانيا، واستقلت بعدها بثورة الاستقلال من 1775 إلى 1783 أو حرب الاستقلال التي قادها جورج واشنطن.
نحن لا نرضى بوجود قوات أجنبية على أرضنا، والتاريخ حافل بهذا الموقف: فالبرازيل رفضت وجود قوات البرتغال على أراضيها، وفرنسا رفضت القوات الألمانية على أراضيها أثناء الحرب العالمية الثانية، والكويت رفضت وجود القوات الصدّامية على أراضيها.
إذن انسحاب القوات الأجنبية من الأراضي العراقية عيد وطني يؤرّخ لاستقلال وسيادة العراق وتحرير الإرادة الوطنية العراقية من أي شبهة هيمنة أجنبية.
يجب أن يكون يوماً خالداً في التاريخ العراقي.. التواجد الأجنبي كان حالة استثنائية فرضتها ظروف استثنائية، وهو من أخطاء، بل من خطايا النظام المقبور السابق الذي عرّض العراق إلى ما عرّضه، وأما إرادة الشعب العراقي فهي ضد التواجد الأجنبي.
نحن قلناها قبل فترة طويلة من الزمن، وعبّرنا عن رفضنا قبل حدوث ما يسمى بحرب الخليج الثالثة، وكنا نتطلع لأن نختزل زمن البقاء، والآن انتهت مدة وجود القوات الأجنبية.

- كيف ينظر الدكتور الجعفري إلى من يريد الاستمرار بحمل السلاح بعد جلاء القوات الأميركية، أو حتى من يريد حمل السلاح بعد جلاء القوات الأميركية؟
الجعفري: ليس هناك أي مبرّر شرعي لحمل السلاح، ما لم يكن بوجه نظام دكتاتوري جاثم على صدر الشعب، أو وجود إرادة أجنبية تصدع في مصداقية واستقلال وسيادة البلد.. بغير هذين العاملين ينتفي رد الفعل الطبيعي لكل بلد في أن يحمل السلاح.

- هناك حجتان، منهم من يقول: إن العراق سيبقى محتلاً سياسياً باعتبار أن أميركا تسيطر على الأجندات السياسية، والبعض الآخر وهو البيان الذي أصدرته الكتلة الصدرية بأن السفارة الأميركية ستكون أكبر سفارة في المنطقة، وهذه ليست سفارة بل هي جيوش، ويجب مقاومتها.. بماذا ترد؟
الجعفري: أما عن الاحتلال السياسي، وما شاكل ذلك بكل تأكيد الاحتلال بالأسلحة حرب حارة مقابل الحرب الباردة.
وجود أسلحة وجيوش وقواعد وعسكر لدولة في دولة أخرى مرفوض بكل القياسات، ويمثل حالة انتهاك سافرة، أما أن تكون هناك بعض الدوائر الأجنبية وبعض المافيات من هذه الدولة أو تلك الدولة فهذا واجبنا جميعاً كقوى سياسية انطلاقاً من إيماننا بمبادئنا ووطنيتنا وارتكازنا على القاعدة الوطنية العراقية التي نقف عليها.
يقول مالك بن نبي: (ما استـُعمِر شعب إلا وفيه قابلية الاستعمار).
حين يكون لدينا وعي سياسي يرقى إلى مستوى رفض الهيمنة الأجنبية سيكون البلد عصيّاً على أن يُحتـَل سياسياً من قبل أحد، والهزيمة السياسية أسهل من الهيمنة العسكرية من بعض الوجوه.
الوعي، وتوحيد الخطاب، وتوحيد الصف الوطني، والإصرار على أن يكون أبناء البلد هم الذين يضطلعون بالمهمة السياسية هو الذي يهزم كل نفوذ أجنبي.
نحن الآن حققنا إنجازاً ليس سهلاً، وكبير جداً، فالقوات التي شاركت، وساهمت في إسقاط النظام السابق، وتواجدت على الأرض، بدأ حجمها بالتقلص إلى أن انتهت إلى ما انتهت إليه، أنا أعتبر هذا إنجازاً كبيراً، ويجب أن نواصل استقلالنا..
لا تفكيك بين الاستقلال العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي فهو كلي لا يتجزأ؛ لذلك علينا أن نواصل الطريق في تحقيق الاستقلال، ونرقب أي اختراق للاستقلال والسيادة سواء كان بلبوس عسكري أو أمني أو إعلامي أو اقتصادي أو سياسي.
لا نتطلع إلى عالم يخلو من المستعمر، ومن المتدخل إنما نتطلع إلى بلد عصيّ على الآخرين أن يتدخلوا فيه.. نتطلع إلى عراق قوي.
أما بخصوص الصدريين فوجهة نظرهم محترمة، فالسفارة تكون لتمارس دورها كممثل لبلد في بلد آخر بناءً على علاقة سياسية، وتحقيق مصالح مشتركة من دون تصديع أمن البلد واقتصاده وسيادته، وهو مسألة طبيعية ففي العراق الآن توجد سفارة فرنسية وبريطانية وسفارات متعددة بشرط أن تبقى السفارة سفارة.

- ألا تعتقد أن العدد كبير، أم إن الاتفاقية الاستراتيجية تتطلب أن يكون للولايات المتحدة الأميركية كادر كبير في السفارة، خصوصاً أنها اتفاقية كبيرة تشمل المستوى الثقافي والاقتصادي والسياسي؟
الجعفري: أعتقد أن هذا المقطع من الخطاب صحيح، ولابد أن يكون كادر يتناسب مع المهمة السياسية الروتينية التي تعارفت عليها سفارات العالم.
أقول: الآن يوجد استحقاقات على اتفاقية الدولة، هل هي تقبله به، وكذا البرلمان الذي هو بيت الشعب هل هو راض ٍبه، وهذا قد ينعكس على كادر السفارة ماعدا ذلك يثير تساؤلات، ويثير الرفض.

- التوجه العسكري ألا يضعف الدولة التي تريدها قوية من قبل الكتلة الصدرية مثلاً أو من قبل كتل أخرى؟
الجعفري: أنا قلت لك قاعدة عامة لا أجزّئها: بالنسبة لي رد الفعل الطبيعي لكل احتلال، وكل دكتاتورية هو العمل المسلح، وهذا ليس قراراً إنما هو واقع كل دول العالم التي ثارت.
هذه الخطابات، وهذه الصرخات لا تملك أن تمنع أحداً حتى لو اختلفت معه في الرأي؛ فنحن عراق جديد.. عراق التعبير عن آرائه طبيعية.

- وصفتَ يوم الجلاء، أو يوم الانسحاب بأنه عيد وطني، وبعض الكتل السياسية لم يرتق ِخطابها إلى يوم العيد الوطني؟
الجعفري: أنا لا أملك أن أحمّل وجهة نظري على أحد، لكن أملك أن أدافع عنها.
لماذا أعتبره عيداً وطنياً، وماذا يعني العيد؟
لأنه يعاود، ويعاود، ويتكرر، ويتعامل مع الناس بالوجدان، وأما وطني فلأنه لا يخص شريحة اجتماعية، ولا قوى سياسية معينة.. أي إنجاز بحجم حسم هذه القصة الطويلة العريضة، التي وُجـِدت على الأرض العراقية، وإنهائها بأقل ما يمكن من الزمن، وإن كنا نتمنى أقل من هذا الوقت فهذا عيد وطني، ويجب أن يبقى خالداً.
نحن أمام مكسب؛ لأن القوات الأميركية خاضعة لسياسات وتشريعات الكونغرس، ومهما ارتكب أي أميركي مفارقة في أي بلد لا يُحاكَم إلا بقانون أميركا وعلى أرضها..
الإرادة الوطنية استطاعت أن تنزع ظاهرة التعسكر الدولي في العراق، وحسم الهيمنة، والإشعار بأن على القوات الوطنية العسكرية أن تمضي في المسار العسكري والأمني إلى جانب الاقتصادي والمسار السياسي.

- رئيس الوزراء المالكي قال بعد الانسحاب: سنحاسب كل من يحمل السلاح.. ما تعليقك؟
الجعفري: نعم.. أكيد الخروج عن القانون يعرّض صاحبه للحساب، وإنما سُمِّي القانون قانوناً؛ لأنه ينطبق على الجميع من دون استثناء، ويُطبّق على الجميع، وهو ليس عُرفاً حتى يختلف من مكان لآخر، ولا تقليداً عشائرياً أو مناطقياً؛ فحين تنسحب القوات نفترض أن لا يكون هناك وجود أجنبي عسكري منتهك للسيادة العراقية، فيصبح كلام الأخ رئيس الوزراء صحيحاً.
إن بعض الذين حملوا السلاح باسم المقاومة الوطنية حين كانت القوات موجودة - أنا أعتز بالمقاومة الوطنية - تسبّبت بقتل الأبرياء من المدنيين حتى الأطفال.. ما ذنب طفل في الخالص عمره أربعة أيام يُقتـَل، وما ذنب كنيسة النجاة تـُقتحَم، ويُقتـَل من فيها، وما علاقة تفجير المُشاة الذاهبين إلى كربلاء..
نحن لا نسير وراء يافطة العمل المسلح، وعلينا أن نكون على بصيرة من أمرنا، ونسمي المصطلحات بشكل دقيق.
المقاومة مصطلح مشرّف لها سياستها، وأهدافها، ورموزها، وخطابها، ولها مصداقيتها، ولها قاعدتها الإنسانية، وجاءت لحفظ كرامة الإنسان لا لهدر دمه.

- بعض الجماعات التي كانت تمارس العمل المسلح ضد الوجود الأجنبي التي لم تتلطخ أيديها بدماء العراقيين، وتندرج ضمن مشروع المصالحة الوطنية، ومجاميع كثيرة دخلت ضمن هذا المشروع بعضها عليها مؤشرات شعبية، في المطلق العام كيف يرى الدكتور الجعفري ذلك؟
الجعفري: أنا مع مشروع المصالحة الوطنية، ولكن لنتجاوز مسألة خطاب المصالحة الوطنية، ومؤتمرات المصالحة الوطنية إلى مشروع المصالحة الوطنية بالأهداف، والمستلزمات، والجدولة، والعمل، مفاصل التحرك، وتحوّل المتقاتل إلى متصالح، والاقتتال إلى أطراف متصالحة.
كنت أعني بالمصالحة بث صلح بين أطراف متحاربة، لا بين مختلفين في الرأي جالسين معاً في البرلمان هذه ليست مصالحة وطنية.
المصالحة الوطنية بمفهوم المقابلة تأتي على المتخاصم والمتقاتل لتنزع البندقية، وتقول له: ابقَ معارضاً أو معترضاً، واكتب بالقلم، وعبّر عن رأيك بالكلمة، لا بالرصاصة.

- هل تخشى التحديات بعد الجلاء الأميركي، وإذا كانت هناك تحديات، فكيف هي؟
الجعفري: الخشية موجودة بدرجة أو بأخرى، لكنها غير ناشئة من عجز القوات المسلحة العراقية، نعم.. قد يكون هناك تفاوت في الكفاءة بقدر ٍما لكن هذا قابل - إن شاء الله (تعالى) - لأن يكتمل، وقد تكون أصابع مشبوهة تحاول أن تزيد من فعاليتها؛ حتى تخلّ في مصداقية الدولة، وتقول: إنه لا يمكن للقوات الأمنية العراقية والعملية السياسية أن تنجح إلا بوجود الأجنبي.
نقول: الملف الأمني ينهض به أبناء القوات المسلحة العراقية، صحيح أن الانسحاب الكامل سيتم في نهاية شهر كانون الأول هذا العام 2011، لكن من الناحية العملية أن القوات الأجنبية مع وجودها على الأرض لم تتدخل، ولم تمارس عملاً ميدانياً في عموم المناطق، وكل العمليات كان يقوم بها أبناؤنا أبناء القوات المسلحة العراقية.

- هل الكتل السياسية الآن قادرة بعد الجلاء الأميركي على أن تنأى بالعراق عن موضوع صراع المحاور في المنطقة؟
الجعفري: نحن نمضي بهذا الطريق، و لا ندّعي أننا إلى كامل الطموح.. نحن ننتظر اليوم الذي نتعامل فيه مع القوى السياسية بمقدار ما عندها من رؤية وطنية، وأهداف وطنية، وأولويات وطنية، وليس أولويات كيانية أو شخصية أو طائفية أو قومية.
الوطنية العراقية تتقدم من حيث الطموحات والإنجازات، ومن حيث المخاطر والتحديات، ومن يرقب أداء وخطاب الفصائل العراقية بالمقارنة مع ما كنا عليه في عام ألفين وثلاثة وأربعة وخمسة وستة يجد تطوراً كبيراً.
نحن لم نصل إلى القمة، لكن لسنا في الوادي.

- قلتَ يوجد تحسن من عام 2003 و2004و 2005 و2006، وإلى الآن.. هل تعتقد أن الوطنية العراقية عند الكتل السياسية بإلحاحها وإصرار البعض على مسألة الفدرلة في هذا الوقت بالذات وخصوصاً مع الجلاء الأميركي من العراق ينأى بالعراق عن صراع المحاور في المنطقة؟
الجعفري: لم أقـُل: إنه وصل إلى هذا المستوى، بالعكس لديّ مؤشرات على أنه لاتزال ما تسمى بالتوافقية المركزية (المحاصصة) سيئة الصيت غاطسة لدى بعض القوى إلى شحمة أذنها.. يوجد فرق كبير بين ما نحن عليه اليوم إلى ما كنا عليه حين كانت تدوّي الأصوات الطائفية بشكل علني في البرلمان والآن اختنقت هذه الأصوات.

- إقليم الأنبار يريدون أن يسموه إقليم الكرامة كأنما الكرامة تأتي حين يكون عندهم إقليم، السيد رئيس مجلس النواب يدعم علناً هذا الموضوع، ولم يفعله الرؤساء السابقون، وهم من نفس الكتلة، ولم يفعله الدكتور إياد السامرائي ولا محمود المشهداني؟
الجعفري: بغض النظر عن الأشخاص أناقش وجهات نظر: لنفترض جدلاً عنده وجهة نظر، أو غيره.. لنفترض جدلاً - فرض المحال يقولون غير محال - عنده وجهة نظر فالبقية ليسوا أحجاراً في العملية السياسية كيانات حيوية تأخذ، وتعطي، تبادر وتستجيب.
يوجد كيان، ودستور، وبرلمان، وحكومة ومصداقية، ثم إننا تفاجأنا وحتى الإخوة من داخل الأنبار - أنا دائم التواصل معهم، وكذا الموصل - وليس صوتاً واحداً كأنه إجماع على طلب الإقليم إلى الأمس القريب كان يشكلون على كل العملية السياسية لأن فيها فيدرالية، واليوم يدعون إليها.
إذن هذه ليست أفكاراً مبنية على رؤى معرفية متجذرة وبعيدة الأمد، الواجب هو دراسة هذه القضايا، وعدم التوقف عندها، والتعثر بها.
لا ننسى الثابت الدستوري، فحين يمنح الدستور حقاً يجب أن لا تكون ممارساتنا مخالفة للدستور، وحتى إذا وُجد خطأ في الدستور - وهو موجود - يجب أن نعالجه بطريقة دستورية.

- موضوع الفدرلة.. البعض وصف المُشرِّع بأنه كان مجاملاً في موضوع الفدرلة؛ لخوفه مما حصل في العراق؟
الجعفري: الدستور يمثل بداية التجربة، وفيه أخطاء كثيرة، وواحدة من أخطاء الدستور أنه رهن أي تغيير بطريقة أقرب للمستحيل منه، ولماذا صار نظاماً برلمانياً وليس رئاسياً، ولماذا قرار رئاسة الجمهورية لا يكون إلا بالإجماع، لماذا هيئة رئاسة الجمهورية، والكثير من المؤاخذات.
وهذه ليس فقط في الدستور العراقي إنما كل دساتير العالم في البداية تتخللها أخطاء كثيرة.
حداثة التجربة ربما نتقبّلها؛ لأنها مثلت بدائية موضوعية، لكن لا نتقبل بقاءها على الرغم من تقدم الوعي السياسي والتجربة، وبهذا التقدم يجب ألا نبقى نرزح تحت هذا الدستور.

- هل تعتقد أن الفيدرالية المرادة في صلاح الدين وديالى والأنبار مطلب شعبي أم مطالب سياسيين بأجندات دولية؟
الجعفري: قد يختلط فيها المحلي مع الإقليمي والدولي.قضايا اليوم ليست مقتصرة على الإطار الوطني إنما أصبحت مُؤقلمة ومُدوَّلة وبشكل فاضح وصريح. ما الموقف الآن من البحرين؟ سؤال نوجهه إلى من يقول إنه مع انتفاضات الشعوب
لماذا عُومِلت بمقياسين؟ الأمر نفسه في العراق، لكن ليس من المروءة أن نتهم كل مواطن عراقي في كل محافظة بأنه صدى لصوت تدخل إقليمي.

- قوى سياسية تحرّض الناس، وتدفعهم باتجاه هذا الموضوع، وكثير من الموضوعات والأجندات كموضوع التقسيم بدأ الشعب العراقي يتحسس منه خصوصاً مشروع بايدن.. العراقيون الآن متخوفون منه، وربما سيكون حقيقة إذا ما تجزأت سورية وإحداث بوابة شرقية جديدة تجاه إيران؟

الجعفري: حين نتكلم عن الفيدرالية ومراتبها، ونعبر إلى الأقاليم يجب أن نبرز شيئاً: هل نريد بذلك قوة العراق أم إضعاف العراق، وحين يأتينا بايدن من أميركا أو أي بلد آخر نسأله هذا السؤال: ماذا يريد منا؟ أن نعمل أقاليم وفيدراليات لإضعاف العراق، أم لمسك العراق.. أميركا لديها50 ولاية و50 كونغرس و50 علماً و50 دستوراً محلياً و50 مسؤول ولاية، لكن بقيت الولايات المتحدة الأميركية حالة مركزية قوية، وكذا الاتحاد الأوروبي بلغات متعددة، وديانات متعددة، وقوميات متعددة، وحروب متعددة أولى وثانية في القرن العشرين، وقبلها حرب الثلاثين عاماً في القرن السابع عشر من 1618 إلى 48 حرباً إلى 116 عاماً يسمونها حرب المائة عام للاختصار.
ها هو اليوم برلمان مشترك وعملة مشتركة باستثناء الإسترليني البريطاني. إذا كنا نريد من الفيدرالية وحتى الأقاليم حفظ لحمة البلد وسيادته، ووضعه الاتحادي فبها ونعمت، وقد نص عليها الدستور، أما أن ننحى منحى التمزيق والتجزئة فنحن نرفضه.

- ما رأيك.. هل هو منحى تمزيق أم منحى آخر؟
- الجعفري: بعضهم من حيث يقصد أو لا يقصد يضعف، وقد كنت في استقبال عدد من الإخوة المحافظين ومسؤولي مجالس المحافظات، واستمعت إلى وجهات نظرهم، وقرأتها مدوّنة، واستمعت إلى تعليقاتهم وهي في الأعم الأغلب آراء محترمة، تريد أن يطلق العنان لتقوية الوضع في المحافظات، ومراعاة خصوصية المحافظة بما فيها من امتيازات وصلاحيات لتأمين وضعها الأمني.
اعتقد أن هناك بيروقراطيات يجب أن نتجاوزها.. أنا لست مع أن يتحول إلى عملية شد الحبل بين قطبي الإداري المحلي والقطب التحالفي، إنما يجب أن نحفظ للدولة كدولة بعاصمتها والحكومة الاتحادية القطب الاتحادي، ويجب أن يكون متمماً للقطب المحلي.
توجد تناقضات في الدستور، وتناقضات حتى في قانون المحافظات، وتوجد تناقضات في طريقة التطبيق.. هذه بدايات التجربة؛ لماذا يسمون البداية بداية؛ لأن فيها أخطاء، ويجب أن نعمل على ترشيدها، وإذا تطلبت تعديلات نعمل على تعديلها، ونحمي هذه التجربة.
لنستفد من تجارب العالم، ونستحضر التاريخ؛ حتى لا ندخل كل يوم في دوّامة..

- في ظل ما يجري في المنطقة إذا ما نجحت فكرة الأقاليم في الدولة العراقية.. هل برأيك إن العراق ماض ٍنحو التقسيم؟
الجعفري: لدينا ثلاثة مفاهيم: الدولة المتماسكة المركزية والمتعسفة والديكتاتورية، ومفهوم وسطي وهو التعدد الفيدرالي بمرتبته بإدارات محلية أو مرتبة أعلى وهي الأقاليم، والانتقال إلى الأقاليم مفهوم متوازن وجيد يبعدنا عن الديكتاتورية على أن لا ينحى نحو التقسيم.
لا يُفهَم من كلامي هذا أني رافض له، إنما علينا بالاعتدال حتى لا تأتي إلينا إرادات دولية وإقليمية.

- يقال: إذا غاب الدكتور الجعفري عن العراق فإن التحالف الوطني بلا شيء يذكر حتى على مستوى الاجتماعات؟
الجعفري: لا.. ليس هكذا فقد اجتمعوا في غيابي اجتماعين، وأنا كنت مسافراً. يعطون رأيهم بالقضايا المستجدة، والحكومة حين يكون لديها شيء ذو أولوية تطرحه في الاجتماع، وتأخذ عليه قراراً، وكذا كثير من القضايا حدثت حين كنت مسافراً، وأخبروني بها بالتلفون.

- هل تعتقد أن التحالف الوطني هو الأقوى الآن في البرلمان على مستوى الكتل؟
الجعفري: ليس بمعنى التغالب.. هو طرف قوي، كثير الأعداد، وله مواقف وطنية. حين ناصر البرلمان العراقي بالإجماع الثورة البحرينية في ميدان اللؤلؤة كان التحالف الوطني وراء هذا الإجماع؛ لأن مطلبه كان إنسانياً، وكذا قضية الإصرار على رفع الحصانة، التحالف هو الذي عطـّل بث مسلسل (الحسن والحسين) السيئة الصيت التي حظيت برفض المرجعيات الدينية السنية والشيعية والوعي العام الإسلامي. التحالف الوطني ذو خطاب قوي، وعلاقات قوية، ومطالبه إنسانية ووطنية، ولا نخرجها، أو نفرضها بالقهر والشد المقابل.

- كيف تتعاونون كتحالف وطني مع مبادرات ثلاثية ورباعية تـُطرَح والتقاطعات على المستوى النظري والتطبيقي بأنه لا توجد نقطة مرجعية.. ما موقفكم من الثلاثية والرباعية أو الطاولة المستديرة على مستوى ثلاثية الرموز أو رباعية الكتل أو دائرية مستديرة تحضرها جميع الكتل؟
الجعفري: أنا أحيي أي مبادرة من شأنها أن تحفظ، وتكون رقماً لدفع العملية السياسية نحو الأمام، ولا تصير رقماً لتشقيقات جديدة، أو يضاف رقم، وتصير علامة فروق جديدة بين الثلاثية والرباعية والطاولة المستديرة. القوى السياسية التي تمارس المعارضة هي نفسها موجودة في العملية السياسية (البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية)، وكلها مركبة بطريقة متكاملة ومنوّعة، وإذا أرادوا أن يقوموا بمبادرة طاولة مستديرة أو طاولة مستطيلة فنحن لسنا ضده، لكن أقول: ما كان للاجتماعات أن تولد قرارات، مالم نوجد إرادة وطنية، ونتفق على أن لا نتهاتر، ولا نتباعد، ولا نتماكس.

- ألا تضعف موقف التحالف الوطني أكبر كتلة برلمانية وبعض الأطراف ينادي بهذه المبادرة؟
الجعفري: الانتماء تترتب عليه استحقاقات، ومنها الالتزام بالسياسات والتوجهات العامة لهذا الانتماء، وما نعجز عن تحقيقه اليوم قد نحققه في خطوات لاحقة.. نحن نتصاعد بشكل تدريجي، نعم .. التحالف فيه خلافات ومتاهات مختلفة كما هو الصف الكردي والصف العراقية، ونعرفها جيداً، لكن كيف نصنع نقويه هذا الصف، ونشد أزره، ونطرح نظرية، ونطبق، وننتقل إلى الوضع الأفضل. أعتقد أن التحالف يشهد الآن حراكاً، وإن كان في بدايته بإيجابية.

- هل سيكون التحالف على موعد قريب مع فتح ملف الرقابة الحقيقية، أو يبدأ على الأقل بتبديل عدد من وزرائه؟
الجعفري: من أخطر ما يُمنى به كل كيان بدون استثناء هو حين لا يطبّق العدالة والتقييم والعقوبة على من ينتسب إليه. هلكت الأمم من قبل لأنها كانت إذا أخطأ الضعيف أقيم عليه الحد، وإذا أخطأ القوي عُفِي عنه. المطلوب من التحالف أن يعطي صدقية أكثر من الآخرين؛ لأنه يمثل الكتلة الأكبر، وكونه الكتلة الأكبر لا يعطيه الحق بأخذ امتياز، بل يرتب عليه مسؤولية بأن يكون التزامه أكثر، وتضحيته أكثر؛ حتى يبتعد عن الشبهات. نحن نريد معالجة الفساد، ومن يرد ذلك فيجب أن لا يكون لديه فساد، ومن كان لديه فساد من التحالف فليس له منا إلا الإدانة مهما كان مكانته، ومن لديه ما يستحق الثناء والشكر سيلقى منا الدعم والتقدير والاحترام حتى إذا كان من قائمة أخرى.التحالف ليس هدفاً لأجل التحالف.. التحالف آلة لتحقيق أهداف وطنية.

- السيد العلوي قال: إن استجواب العيساوي جاء لضعف كتلته في البرلمان على الرغم من أنه استجواب تحالفي ضد شخصية تحالفية؟
الجعفري: لا أدري من قصد بذلك، لكن أحب أن أقول: ليس سراً عليكم الآن الأخ الذي يستجوبه هو في التحالف، فالمستجوِب والمستجوَب كلاهما من التحالف. أنا عندي وحدة معيار، ومعايير إنسانية إسلامية، لكنها مؤنسنة. أتمنى أن يعالج التحالف مشاكله في داخل بيته كالعائلة الكريمة، وكذا جميع الكتل السياسية. نعم.. لم يتحقق ذلك، وأخذت القضية طريقها إلى البرلمان، ولابأس في ذلك عندنا. نحن لا نضع أحكاماً مسبقة.. نحن أبناء الدليل والبرهان فإذا ثبت أن هناك إدانات نحن ندين بضرس قاطع، ولا نتردد، وإذا ثبت أن هناك براءة نحمد الله، ونشكره، وندافع عن البريء.

- ما رأي الدكتور الجعفري بالمبادرة الأخيرة للقائمة العراقية، مبادرة الصلح التي طرحها الدكتور إياد علاوي رئيس القائمة العراقية؟
الجعفري: لم يصلني شيء تفصيلي عنها، إلا أني أقول: نحن لا نحتاج إلى مبادرات بقدر ما نحتاج لأن ندخل في المبادرات الموجودة بروحية جديدة؛ لأن المبادرة الجديدة في بعض الأحيان تضيف رقماً، وتحبط آخر.. كثرة المبادرات تتسبب بالتيه.. أنا أحيي أي شيء من شأنه أن يحفظ وحدة العراق، ويختزل علينا زمن الصعود.

- ما رأيك بموقف العراق من سورية - موقف الحكومة الرسمي ومبادرتها التي طرحتها بالحوار بين المعارضة والحكومة السورية؟
الجعفري: ليس بعيداً، وهو الموقف نفسه الذي تحدثنا عنه مع الأخ عربي.

- يقال: إن الدكتور الجعفري تحدّث طويلاً مع الدكتور نبيل العربي، وربما بيـّن له مسؤوليته، ما الذي حصل أيضاً مع السيد العربي؟
الجعفري: تحدثت عن جامعة الدول العربية، وأنها في هذا الوقت على المحك، وربما تمر بأزمة، وهذه الأزمة قد تجعلها في إرهاص حاد، وعليها أن تحسن إدارتها، فتستطيع الجامعة أن تكبر عليها إذا أحسنت إدارتها.. حان الوقت لأن تستقل جامعة الدول العربية بشخصيتها، وتبرهن أنها تستطيع أن تحقق إنجازات على الأرض، لا أن تكون واجهة لعسكرة، أو تسييس، ولا أي شيء آخر. العراق من الدولة الست المؤسسة لجامعة الدول العربية، والاجتماع المزمع عقده في بغداد حقنا الطبيعي، وليس مِنـّة من أحد، فيجب أن نأخذ دورنا. الأرضة التي أكلت الأنظمة الحالية إنما كانت بسبب التأبّد بالحكم، والتوريث للأبناء.. في العراق الجديد لا يوجد تأبّد ولا توريث، إنما يوجد لدينا تداول سلطة بشكل سلمي، وقد أصبحت تجربتنا رائدة، وبإمكانكم أن تستفيدوا منها، وتعززوا موقع جامعة الدول العربية، ثم عرجنا على الملف السوري والمنطق الجديد الذي انتهجته جامعة الدول العربية. حين يطالب شعب عربي بإسقاط نظامه يجب على جامعة الدول العربية أن تتقدم بمشروع حل لا مشروع عقوبات.. في الملف السوري توجد ملاحظات على الحكومة تستدعي الإصلاح، لا تغيير النظام.

- هل تعتقد أن النظام المصري أكثر تعددية من النظام السوري؟
الجعفري: من هذه الناحية، نعم.. توجد تعددية. العالم الآن يرى شيئاً جديداً، وكل دولة يقام نظامها على أسس معينة، تأخذ هامشاً من الحرية، وتبدو كأنها ديمقراطية وتعددية لكن محصلة الدولة ككل تجدها في قبضة واحدة، وحين نقيّم تفاصيل النظام علينا أن لا ننسى أن هوية سورية عريقة، وهي ليست دولة نفطية ولا صناعية، لكن لديها جسور علاقات ممتدة، ونقطة ارتكاز في التعامل مع الدول الأخرى؛ قلت لأمين عام جامعة الدول العربية: سورية تلعب دوراً أساسياً، وليس من مصلحتنا أن نخاصمها.. ثم أن طريقة تعامل جامعة الدول العربية جديدة، فبنودها المعروفة لا تلزم من لا يصوّت على القرار. يجب أن نعقلن أداءنا.. وقلت له: لماذا البحرين؟ أردت أن أسمعه تحفظي على موقف جامعة الدول العربية.. كان الرجل إيجابياً. إذا أردنا أن نقف مع الشعوب، فعلينا أن نقف في مسافة واحدة، ولا نتدخل في الحكومات.. نحن وقفنا مع الشعب التونسي، ولم يكن لدينا عداء مع زين العابدين بن علي، إنما كان لنا عليه تحفظ من قرنه إلى قدمه، والأمر نفسه مع الشعب الليبي والشعب المصري، ونحن نقف مع أي شعب.
لماذا حين طالب الشعب البحريني في ميدان اللؤلؤة بإصلاح النظام دخلت قوات أجنبية، وقمعت الشعب المُطالِب بالإصلاح بأبشع الأساليب. الشعب البحريني لم يطالب بإسقاط الحكومة، إنما طالب بحكومة دستورية، ويبقى الملك. العراق مهيّأ لاستقبال جامعة الدول العربية في بغداد في الموعد المحدد، وسيرون كيف يساهم العراق في حل المشاكل الموجودة بمشاريع حلول لجميع المشاكل العربية. العراق قوي، ومستعد لأن يساهم في حل المشاكل المستعصية على المستوى العربي - العربي، أو على المستوى العربي - الدولي.

- كيف قرأتَ الموقف الروسي تجاه سورية خصوصاً اللهجة الجديدة التي ظهرت بها سورية؟
الجعفري: روسيا صاحبة تاريخ قوي، وهي محور دول الاتحاد السوفيتي، وهي تشعر الآن أنها أمام فرصة أن تأخذ حجماً غير حجمها الواقعي، وعندما تتعامل مع ملف حساس في الشرق الأوسط كالملف السوري تجد أن هذا ينسجم مع منظومتها، إضافة إلى وجود مصالح لها في المنطقة. كان المفروض أن يطالب الاتحاد الأوروبي بالشيء نفسه، بل كان المفروض على أميركا أن تفعل الشيء نفسه بغضّ النظر عن تدخلاتها السياسية. في الوقت نفسه نرفض أي أذى يصيب أي مواطن سوري، ونتطلع إلى إطلاق صراح السجناء السياسيين.. ندعوهم للإصلاح في النظام العام فقد يكون هناك فساد انسحب على النظام كله. هذا موقفنا، وهو موقف استراتيجي، ولن يتبدل.. فأنا لم أرَ الشعب السوري اجتمع عند كلمة واحدة، وهي رفض النظام أو رأس النظام.

- من وحي مدرسة كربلاء، كلمة ختام تناسب المرحلة الحالية.. ماذا تقول؟
الجعفري: كربلاء مدرسة، والمدرسة لا تتطلب بالضرورة أن يكون الآخرون طلاباً فيها، إنما يجب أن ننطلق من كربلاء الأرض إلى كربلاء الحالة.. كربلاء التاريخ.. كربلاء الحاضر.. كربلاء المظلومية الحسينية، والاستشهاد الحسيني إلى كربلاء الأهداف الحسينية التي بدأت تتحقق اليوم. توجد أهداف متفاوتة في الحجوم بدأت تتحقق في هذه الدولة، وما بقي من هذه الأهداف يجب أن يتمتع بروح حسينية عالية، حين نعمل لتحقيقها؛ حتى نكمل المشوار، ونعمّم دائرة الإصلاح التي لخـّصها الحسين (ع): (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) هذه أمانة في أعناقنا جميعاً.. حتى تتحول كل الأراضي إلى الحالة الكربلائية ربما تعم شخصيات ومواطنين لم ينتموا جغرافياً إلى كربلاء، ولم يروها، فقد يسكن إنسان أرض كربلاء، وهو مرفوض بالمنطق الحسيني الكربلائي. نحن نفهم كربلاء على أنها مبادئ وقيم ليس بالمعنى المناطقي والعنصري، ونفهمها بالمعنى الفكري والقيمي والتضحوي، ويجب أن نتعامل مع ملف الثورة الحسينية على أنه حالة مواكبة مع الزمن، بل تسبق الزمن.
منطق الثورات الشعبية الموجودة الآن في تونس وليبيا ومصر منطق حسيني، إذن الحسين اليوم منطق للتفكير، ليس مسألة قضية تاريخية، وانتهى، وعلينا أن نصدّر هذه المفاهيم، وأن نؤشر على الأهداف التي تحققت من وحي مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) والمتأخر، والمتعطل منها يجب العزم على تحقيقه. أنا ألحظ كل موسم دائرة المنشدّين إلى سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) أوسع، وعددهم كبير جداً وهم متنوعون، فيهم العراقي والآخر العربي، والآخر الإسلامي.

http://www.al-jaffaary.net/index.php?aa=news&id22=865

http://www.youtube.com/watch?v=ZvjMrv-S-Bg&feature=player_embedded


 




 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق